اقلام (2516)

اقلام

مهما كانت قساوة الظروف، علينا التمسك بالثوابت الفلسطينية

بقلم / عباس الجمعه

اردت ان اتوقف في هذه اللحظة ونحن نقف امام مناسبة عظيمة انها يوم الارض هذا اليوم العظيم الذي انتفض فيه شعبنا ليدافع عن ارضه في

حيرة حماس !
د. عادل محمد عايش الأسطل

كان من الاسباب الرئيسة، لاتخاذ حركة حماس قرارها بشأن توجهها إلى المملكة السعودية، بشأن نسج علاقات جديدة معها، جاء في

الآفاق المستقبلية للمصالحة الفلسطينية - رؤية حركة فتح

بقلم أمين سر إقليم حركة فتح في لبنان الحاج رفعت شناعة

شكَّل الانقسام الذي بدأ في حزيران العام 2007 جرحاً عميقاً

هيثم أبو الغزلان

يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976، يوم انتفاضة الدماء لحماية أرض الأجداد، يوم  نهاية الحلم الصهيوني بترويض أهلنا في الأراضي

جمال ايوب

الصراع الإقليمي بين السعودية وإيران. المشهد اليمني ، بتحوّلاته المتسارعة ، يؤشّر إلى الارتقاء في مستويات الصّراع وأشكاله إلى إمكانيّة الصدّام

احمد فندي


تعتبر الكوفية الفلسطينية بمثابة هوية فلسطينية جغرافية وشعبية، وهي هوية عربية وعالمية نضالية، وهي جزء لا يتجزء من تراثنا الفلسطيني

يوم الأرض وحق الدفاع عنها

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يوم الأرض من المحطات الهامة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وصفحةٌ ناصعة من صفحات نضاله ومقاومته، وانعطافةٌ أساسية في مسيرته النضالية،

الزيتونة
" قصة قصيرة بمناسبة يوم الارض "//ماهر الصديق

 

كل ما كان يلفت انتباه ابو ايوب، عندما يدخل كل صباح
الى ارضه الصغيره الواقعة الى الجهة الغربيه من سخنين ،
تلك الزيتونة اليتيمه ،الشامخه، المنغرسه منذ زمن بعيد في هذه الارض.
الارض ملأى بشجر البرتقال..الحامض..المشمش..الدراق.. السماق .
و هناك ايضا ورود و مرمريه و اعشاب برية تتناثر على الاطراف ،
كان يستعملها لاعداد الادوية الطبيعيه التي تعلم حرفتها عن ابيه منذ الصغر.
شجرة وحيده تلقى عنايته الخاصه ،هي تلك العجوز
المنتصبه عند المدخل الضيق للارض . شجره ورثها عن اجداده ،
ربما من عهد كنعان الاول ! كان يقول لاحفاده مازحا :
لدي كرم هناك مكون من زيتونة واحده!! يشير بسبابته نحو الحقل . يضحك..و يضحك معه الاحفاد . كان الصغار لا يفهمون ماذا يعني بكرم من شجرة واحده .
زيتونة ابو ايوب شأنها يختلف عن بقية الزيتون: فهي مشرئبه ،تمتد أغصانها بعيدا في الفضاء. تثمر الوان مختلفه من الحب ، بعضه اخضر داكن او فاتح و اسود ، صغير و كبير . يقول ابو ايوب: إعتاد اجدادي المتعاقبين ان يطعّمواالزيتونه بفرع مختلف فبدت الزيتونه ذي الجذع الواحد و الجذور المتعرجه في عمق الارض،
ذات اغصان من انواع متعدده، فظهرت و كأنها لوحة خياليه لرسام مبدع .
في كثير من المناسبات كان ابو ايوب يدعو زواره القادمين من القرى و المدن المحيطه في الجليل و المثلث لرؤية زيتونته فيعود زائريه و قد ارتسمت على وجوههم علامات التعجب و الانبهار لما رأوه من رعاية و اهتمام ابو ايوب بهذه الشجره المباركة .
- ارضي هي كل ما املك، ورثتها اب عن جد، وستكون من بعدي لابنائي و احفادي..انها قطعة من فؤادي! بهذه الكلمات انهى ابو ايوب حضوره للاجتماع الطارئ الذي عقد في بلدية سخنين لبحث محاولات تهويد الاراضي العربيه.
بدا ابو ايوب و هو ينتصب واقف في حال شديد من الغضب ، ممتقع الوجه.هو نفس وجه الرجل الذي لم يتوان عن المشاركه في ثورة القسام ،و من ثم في الدفاع عن الارض عام النكبه. ظهر متجهم ، ثائر ، عنيد اكثر من اي وقت مضى .
- اجلس يا ابا ايوب: قال جاره ابو عواد،الذي كان ممن حضر الاجتماع .
اومأ ابو ايوب برأسه متبرما، دون ان ينبس ببنت شفه ، اتكأ على عكازه و غادر متثاقلا ، بالكاد تتحرك قدماه ، و هو يردد كلمات لم يفهم منها شيئا .
وقف ابناء ابو ايوب و اقاربه على مداخل بيوتهم القريبه الى بعضها ينتظرون العجوز كبير العائله، الذي تأخر على غير عادته .كانوا مرتبكون ،يتسائلون : ما الامر؟ ماذا حدث و ما سيحدث؟. ينتظرون كلمة من كبيرهم ليتصرفوا و يقوموا بما يتوجب عليهم في هذه الظروف الحرجه . هي عادة درجت عليها العائله تقديرا للكبير. مر ابو زياد صديقه الحميم و رفيق الطفوله.هو رجل ذو هيبة ووقار ، يلتفح بحطته الفلسطينيه ، و قد رفع قنبازه الى خاصرته. ظهر اكثر جدية مما عُرف عنه . كانت نظراته حاده ، يكزكز باسنانه ، و قد شد على قبضته كانه يريد ان يصارع خصم . بادره أحمد ،الابن الاصغر لابي ايوب :
- مساء الخير يا عم ، أين ابي ؟
- خرج منذ وقت طويل. قبل اكثر من اربع ساعات . رد ابو زياد و حرك رأسه علامة التعجب. هرع الابناء و الاحفاد و الجيران يبحثون في كل مكان يُظَن انه قد ذهب اليه. سألوا في بيت صديقه ابو حسني ،الذي كان يلعب معه الطاوله ، و بيت أبو
فهمي،الذي يحب ان يجالسه و يشرب معه القهوة العربيه المره.و ابو يعقوب الذي يتحادث مع ابو ايوب عن الزراعه و الارض و الدواجن و الطيور.. بحثوا في كل الامكنه دون جدوى !
- شئ ما قد حدث! جدي لا يتأخر الى هذا الحد،لم يتأخر قبلا!! قال ذلك حفيده نضال الابن الاكبر لايوب.نضال هذا الممتلئ حماسة وعنفوان، عنيد الرأس كما يصفه جده.
- إني احسب لكل الاولاد حساب و لهذا(المتهور)حساب،اني اخاف عليه.
اني احبه.هو صورة عني عندما كنت في عُمره.قال هذه الكلمات لابنه ايوب يوما ما. - لم يبق الا الارض ، قال نايف صديق نضال الذي كان يبحث معه عن الجد.
- انها فكره..كيف خطرت على بالك..اجاب نضال، و استدرك :
- لنذهب بسرعه،ربما يكون هناك. ذهبوا مسرعين، و قد خيم الظلام. بدا الجو هادئ الا من زقزقة العصافير في هذا الطقس الربيعي الجميل..ففلسطين كعادتها في اواخر آذار ،سمائها صافيه،مع نسمة ناعمه اثناء الليل .
انه هناك،صرخ نضال ! الحمد لله ، كاد صبري ينفذ. -
كان ابو ايوب يجلس بالقرب من من جذع الزيتونه ،يرفع ذراعيه داعيا الله القدير.عندما انتبه الى الجلبه سأل :
- ما بالكم؟
-مشغولون عليك .ماذا حدث يا جدي ،هل انت بخير؟قال نضال
- لا شئ ،احببت ان أُصلي المغرب و العشاء هنا في الارض ، هذا كل شئ .
رد ابو ايوب بهدوء و رباطة جأش، كما هو دائما..و ابتسم، ثم تابع :
- تعالوا نذهب الى البيت.الجو بدأ يتجه للبروده .
أنزل (قنبازه) الذي كان معلقا على زناره ،و عدل من حطته البيضاء،و أخذ يمشي أمامهم متكئا على عكازه .
بدا في هذا الوقت اكثر شبابا،يخطو بخطى متسارعه ،مرفوع الهامه، كأنه لا يأبه للعمر،و يسخر من الزمن.
توقف فجأه، نظر الى الخلف حيث الارض ترقد هادئه . ومن سواد العتمة لمعت دمعات متوقفة في طرفي عينيه.كان في هذه اللحظه يقف و كأنه يودع الارض،
او ان حنينا مفاجئا باغته . ازاح نظره ، مشى خطوات قليله ثم ادار الى الارض مرة اخرى . سأموت دونك او اعيش و انت لي قال في سريرته . كانت تتردد كلمات الرسول صلى الله عليه و سلم على لسانه : من مات دون أرضه فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد ...
ثم اخذ يردد كلمات الشاعر علي محمود طه :أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد و حق الفدا . كانت تلك الكلمات تثير حماسه ، و تجعله أكثر تعلقا بالارض .
فيستحضرها في ذهنه في المناسبات الوطنيه. عندما وصل الى البيت،
ذهب مباشرة الى غرفته. رفض العشاء او تناول أي شئ. قال اني ارغب في النوم،اشعر بالارهاق . في غرفته أخذ يتحسس المحفظه التي تحتوي على " كوشان " اوراق ملكية الارض . فتح خزانه الملابس،أخرج ثياب قديمه كان يرتديها
في حرب 48. لم يقترب من هذه الاشياء الثمينة منذ زمن بعيد . لكنه بقي محافظا على تلك الثياب و الاوراق بل على اشياء اخرى كان يُلام على احتفاظه بها . توضأ و صلى قيام الليل،ثم جلس يقرأ القرآن حتى نام على مسنده الذي صنعته ام ايوب رحمها الله قبل النكسه بوقت قليل .
استيقظ ابو ايوب على اصوات صراخ و هدير جرافات و اطلاق رصاص،ارتدى لاول مره منذ ثمانيه و عشرون عاما ثيابه القديمه التي كان يرتديها عندما كان يدافع عن الوطن ابان النكبه .وضع فوقها قنبازه و حمل عكازه و أسرع خارجا،سأل أحد الماره عن الامر فقيل له ان جنود الإحتلال يستولون على الاراضي،و الناس يواجهونهم . توجه فورا تجاه الارض.المواجَهه على اشُدها .تبادرت الى ذهنه تلك الكلمات: أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد و حق الفدا. اقتربت اصوات تردد :الله اكبر..الله اكبر . ازيز الرصاص في كل مكان،في كل اتجاه . لمح حفيده نضال مضرج بالدم،محمول على اكف الشباب . أذرفت عيناه،و اخذ يردد:من مات دون ارضه فهو شهيد،
من مات دون ارضه فهو شهيد . رفع عكازه كسيف،و اتجه نحو جنود الاحتلال..مشى على قدميه دون ان يتكئ .عاد شاب يافع دفعة واحده،و لا زالت الكلمات تترددفي ذهنه:من مات دون ارضه فهو شهيد .
تخطى خطوط الصدام.اقترب أكثر:الله اكبر كان يلوّح بعكازه كالفارس يمتشق سيفه! ينطلق كالريح . الرصاص يقترب..الرصاص يخترق المارد النازف، يمضي إلى الأمام، يتقدم، الله اكبر قالها آخر الكلمات،و انزرع هناك بالقرب من زيتونته .

 

ظافر الخطيب 

"أن يأخذك البحر طريدا ...أن ينهش جلدك السمك .. أن تلفظك الأمواج على شاطيء الغربة في مصراته ، خيرٌ لك من أن لا تعود الى الوطن .. أن تظل حبيس المجهول والخوف، أسير الكامبوفوبيا في لبنان..."

استيقظ باكراً، حمل ما تيسر له من اغراض قليلة، جال بناظريه في زوايا البيت المتهالك، امعن النظر في العيون الناظرة صوبه.. لعلها لحظات الوداع قبل الخوض في غمار التخلص من وحل المخيم ، ووداع الفلسطيني في عين الحلوة كصلاة المؤمن، يصلي كأنها صلاته الأخيرة، صلاة المفارق للحياة بعد قليل... 

سار في شوارع المخيم، بعد قليل ستبدأ المغامرة الحاسمة، "الحد الفاصل بين ان تكون او ان لا تكون، بين العبودية والحرية، بين الموت والحياة، بين الحزن والسعادة، بين الخطر والامن والامان، مغامرةٌ تأخذك لتنسى بعضاً قليلاً من القرف و الكراهية، من خارج يتلاعب بمصيرك او داخل يتحكم بكل تفاصيلك".

من لبنان الى السودان الى ليبيا الامر سيان، كلهم في المنافي سواء، كلهم في عشق الفلسطيني و التضامن المبدئي مع قضيته سواسية، والبحر ... البحر"هو طلقتنا الاخيرة"، صار البحر ببرده ورياحه ، اكثر دفئاً من حضن المنفى العربي.. فأن تواجه الرياح العاتية والامواج العالية قد تتيح لك فرصةً واحدةً ، أما هنا ... أما هنا في بلاد المنفى فالافق مسدودٌ، هنا انت ممنوعٌ من كل شيء حتى من الموت بكرامة.

أناس غسان كنفاني ، حبيسي الخزان في الصحراء العربية، قرعوا الخزان حتى استجاب الصدى لهم ، لكنهم ظلوا بلا اجابة او استجابة حتى قتلهم قيظ الحر و جفاف الصحراء.. 

اناس غسان كنفاني يستعيدون عادة قرع الخزان بلا جواب او استجابة،و بين الراحلون في الصحراء والراحلون على متن شراع البحر قواسم مشتركة ، المغامرة والهروب الى الامام والهوية الزرقاء .. وبين صدى الصحراء وصدى البحر تبقى الاذن صماء ...

هنا السودان الشقيق العريق، شاحنة تتراكم الاجساد على متنها، يتحمل المسافرون على متنها كل التعب والاهانات.. " كل هذا التعب يبقى افضل من البقاء تحت سياط السجان في المخيم.."، قليلاً و نبلغ ليبيا، وما ادراك ما ليبيا... ليبيا التي استقبلت مئات المقاتلين في زمن (اوزو) وحربها مع تشاد، لكن ليبيا اللهيب العربي تختلف حكماً.. فمنذ (ربيعها) انتشرت فيها الغابات في كل صحرائها...

هنا مصراتة التي صارت مشهورةً جداً ، هنا البحر و هنا المحطة الأخيرة في الرحيل، على المقلب الاخر من البحر تبدأ الحياة، على المقلب ،الاخر من البحر اناس يعرفون قيمة الانسان حتى وإن كان مهاجراً ، حتى وإن كان ذي سحنة سمراء ، حتى وإن كان فلسطينيا غريباً، على المقلب الاخر بلاد تحترم حقوق الانسان ، على المقلب الاخر حياة فيها كرامة ، فيها أمن وامان. 

يُحشرُ المئاتُ على سطح المركب، اطفالاً، ونساءًا ، رجالاً وصبيةً، هو يوم المحشر، تتجلى المفاضلة امام العين واضحةً ، لا توجد خيارات كثيرة، أن تنزل من على سطح المركب فإلى أين؟ هذا البحر ليس اصعب من المنفى،وهذا المجهول الذي يقذفنا إليه لن يكون اقسى من المجهول الذي عشنا فيه... هي مغامرةٌ كبرى ككل حياتنا ، فرصةٌ واحدةٌ نخوض غمارها، إما وإما ، إما ان نوصل المجهول الى خاتمته او يوصلنا البحر الى مجهوله...

لغة الأمواج في شباط مضطربة ومزاجية كغيومه تماماً، ساعةً تكون هادئةَ ، وساعةً تكون غاضبةً أو مجنونة... الامواج تراقص مركب الحيارى الهاربين من كل شيء، والرياح تتلاعب به، يكثف الخطر كل اسئلة الماضي ، كل الخوف والقلق في ساعةٍ واحد، فتسكت الحكاية عن تفاصيلها الكثيرة لصراع الحيارى من اجل البقاء...

تمر الايام ، يوماً يتلوه يوم، تسكت الجرائد ووسائل الاعلام عن قصة المركب الذي تاه في البحر، عن قصة الشبان الفلسطينيين الذين خاضوا غمار المغامرة بحثاً عن لجوءٍ آمن، عن ذاك الذي لن يعود الى مخيم عين الحلوة ، عن ذاك المجهول الذي ابتلعه البحر ثم لفظته الامواج على شاطيء مصراته.

تمر الأيام لكن السؤال يبقى ، متى تتحطم جدران الخزان؟ ؟ ؟

بقلم: د. رمزي عوض

انتشر في تسعينيات القرن الماضي تعبير جديد على المجتمعات العربية وهي (مؤسسات المجتمع المدني)، حيث ينطوي تحت هذا الاسم كل المؤسسات والمنظمات والجمعيات والهيئات والتعاونيات والتحركات والمبادرات وغيرها من التجمعات المدنية الغير تابعة للدولة والتي لا تسعى للربح المادي، هدفها المعلن والمفروض هو تحسين أداء المجتمع وتطويره ورفع الغبن والمعاناة عن أفراد الشعب، ونشر الديمقراطية واحترام القانون، تقوم في عملها على الجهد التطوعي لأفرادها، بعيداً عن أي أطماع سياسية أو اقتصادية.

قبل التسعينيات وبعد بروز حركات التحرر العربية ووصولها للسلطة وتكوين الدول العربية برزت النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التعاونية، التي تسعى لتحسين ظروف أفراد المجتمع المنتسبين لتلك المؤسسات مقابل الدولة التي تنتهج النظام الرأسمالي، وكذلك استخدمت تلك النظم في المجتمع المدني للدول العربية ذات الطابع الشيوعي والجماهيري، رغم أن النظام الشيوعي لا يسمح بتلك الممارسات ولكن للخصوصية العربية الإسلامية كان له دور في إبراز تلك النظم، ولكن مع اختلاف النظام العربي، رأسمالي أو شيوعي أو جماهيري أو ملكي، بقيت هيمنة النظام موجودة بممارسات مباشرة أو غير مباشرة على كافة تلك المؤسسات المدنية.

بما أن مؤسسات المجتمع المدني الحالية NGOs هي مؤسسات لا تهدف للربح المادي فهي بحاجة للتمويل لاستمرار عملها وهذا هو العائق والهاجس الأكبر لدى هذه المؤسسات، ومن هنا نبعت فكرة الممولين والجهات المانحة، فهذه المؤسسات ذات مصلحة عامة (بحسب تأسيسها المفترض) وهي لا تخضع لحكومة ولا لمؤسسة دولية، ولا لرقابة من الدولة، لذلك تتلقى مساعدات وتمويلات من الحكومات والدول الأخرى، أو من المنظمات الدولية، أو من أفراد ممولين من أرصدتهم الخاصة، بشكل مباشر أو عبر وسطاء.

يمكن للمنظمات أو المؤسسات غير الحكومية أن يكون تدخلها على المستوى الدولي، رغم أن العلاقات القانونية الدولية تتم في العادة بين الدول أو الحكومات، حيث أصبحت هذه المؤسسات، مؤسسات غير حكومية دولية، وهذه المؤسسات أو المنظمات غير الحكومية أحياناً تكون لها فروع في عدة دول، حيث يتم ترخيصها في دولة ما لتعمل بعد ذلك في باقي الدول، وذلك في ظل العولمة الحالية غير المتوازنة وحتى الظالمة في بعض جوانبها، حيث أصبحت المنظمات غير الحكومية الدولية لا تلزمها أي مبادئ أو قوانين أو أعراف للدول المتواجدة فيها بل تلتزم بمعايير دولية فرضتها هي على نفسها أو بحسب قرارات ومواثيق الأمم المتحدة وذلك في أفضل الأحوال.

ولتوضيح الصورة أكثر علينا النظر في كتاب اعترافات قاتل اقتصادي، كتبه الكاتب الأمريكي جون بيركنز، حيث كان الكاتب يعمل كبيراً للاقتصاديين في شركة (مين) الأمريكية العابرة للقارات، وكانت وظيفته الرسمية قاتلا اقتصاديا، هكذا من غير تجميل، سوى أن الأحرف الأولى من مسمى الوظيفة هو المستخدم في وصف الوظيفة، أي (EHM) بدل (Economic Hit Man)، حيث يقول الكاتب، عن ماضية الذي عمل في أعلى هرم المؤسسات الدولية الاقتصادية مثل البنك الدولي:”كان عملي هو إجبار الدول ورؤساء الدول والحكومات ورؤساء الحكومات على الرضوخ والقبول باتفاقيات قروض مجحفة، لا يمكن معها لتلك الدول سدادها، إلا ربما بشق الأنفس” هكذا يتحدث هذا الرجل عن ماضيه الدبلوماسي الاقتصادي السياسي “المحترم جداً” كموظف في أعلى قمم المؤسسات الاقتصادية التي يطلق عليها الغرب الغني اسم المؤسسات الاقتصادية العالمية.

وكان بركنز نفسه أحد هؤلاء القتلة، حيث جنّدته وكالة الأمن القومي الأميركية (سي آي إيه) سرّاً، وعمل معها تحت غطاء عمله في شركة استشارية دولية، فزار اندونيسيا وكولومبيا وبنما والإكوادور والمملكة العربية السعودية وإيران وسواها من الدول التي تمتلك أهمية في الإستراتيجية الأميركية، وكانت مهمّته تتركّز على تطبيق السياسات التي تخدم مصالح تحالف أميركي، يضمّ الحكومات والمصارف والشركات الكبرى، وفي الوقت نفسه، كان العمل ينص على تسكين أعراض وآثار الفقر بإجراءات ظاهرية خادعة، تتمثل بتقديم مشاريع خدماتية.

فالقتلة الاقتصاديين بحسب اعترافات جون بيركنز مهمتهم إقناع الدول بأخذ قروض دولية ضخمة بفوائد مركبة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية والأمريكية لتمويل مشاريع اقتصادية وفقاً لتقارير وتقديرات اقتصادية مبالغ فيها عن معدلات النمو المتوقعة حيث تضخم بشكل متعمد لخداع الدول وإغرائها بقبول تلك القروض , ويتم إغواء السياسيين بمنافع شخصية للموافقة على تلك القروض الضخمة المشروطة بأن تذهب إلى الشركات الأمريكية لإقامة مشاريع للبنية التحتية لا تخدم إلا فئات محدودة وتؤدي لزيادة فقر الكثيرين لأنها تدمر بيئتهم واقتصادهم المحلي وتفقدهم شبكة الرعاية الاجتماعية, وعندما تعجز الدول عن الوفاء بالديون كما هو متوقع ومقصود تصبح تحت الوصاية والسيطرة الأمريكية فتباع الموارد الطبيعية للدولة بأسعار زهيدة, وتحول ميزانيات الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية إلى تسديد الديون فتختل الأوضاع الاجتماعية والأمنية ويظهر التمرد والاضطرابات فتكون الفرصة مضاعفة لإحكام القبضة على تلك الدول، وهنا يأتي فرض الهيمنة الاقتصادية ومن ثم السياسية لخدمة المصالح الغربية.

فمن كل تلك الاعترافات تظهر أن المشاريع والخدمات المقدمة هي مشاريع خدماتية غير إنتاجية، وهذا هو حال المانحين لمؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية مع فارق بسيط وهو أن تلك الجهات الممولة لا تقدم الأموال بهدف الدين ولكنها تقدمها مجاناً في ظاهر الحال، اذاً أين وجه الشبه مابين القاتل الاقتصادي في شكله التقليدي الذي يتعامل مع الحكومات والدول ومابين المانحين لمؤسسات المجتمع المدني العربية؟

وجه الشبه هو ارتهان المستفيدين من تلك الخدمات لإملاءات المانحين، إن كانت سياسية أو اجتماعية، لتصبح هذه المؤسسات هي القاتل الوطني والاجتماعي الجديد، مع العلم أن المانحين لمؤسسات المجتمع المدني العربية هم مؤسسات وحكومات غربية وأمريكية، رسالتها الظاهرة هي تحسين أوضاع المجتمعات العربية ورفع المعاناة والظلم عنهم، ونشر الرفاهية والثقافة الديمقراطية، مع نشر الفكرة الكبرى التي تحتل معظم ورش تدريبات التنمية البشرية وهي (حل النزاعات، ونشر ثقافة السلام)، حيث ينعكس واقع تلك الورش في اللاوعي المجتمعي على الصراع العربي مع الإحتلال الإسرائيلي، بحيث يتم النظر لقضية هذا الصراع على أنه نزاع يجب حله من خلال السلام العادل على أساس المواثيق والأعراف الدولية التي لا تعطي للفلسطينيين والعرب أدنى حقوقهم الإنسانية والوطنية، وترسخ وجود دولة الإحتلال الصهيونية في وجدان أجيال الشباب الثائر على ظلم حكامه وأنظمته البيروقراطية الفاسدة.

 

في الختام أحب أن أنوه بعمل الكثير من مؤسسات المجتمع المدني العربية التي تسعى لتمويل نفسها ذاتياً، أو التي تعتمد على تمويلات معروفة المصدر والهوية، بحيث يكون أصول تمويلها يهدف لتحقيق الأهداف السامية التي أنشأت عليها فكرة مؤسسات المجتمع المدني.

racamp news

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 وعضو في مجموعة تواصل الاعلامية والاتحاد الدولي للمواقع الالكترونية ومنتدي الاعلاميين الفلسطينيين في لبنان - قلم. 

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top