ليس هناك من هو فوق النقد الا الأنبياء    

05 شباط/فبراير 2018
(0 أصوات)

 

ماهر الصديق

كانت منطقة الفاكهاني في بيروت تحتوي على مراكز القيادة و الاجهزة الامنية

 الفلسطينية المختلفة . و كانت  تطبع هناك الصحف و النشرات و البيانات التي

 تنتقد القيادة من القائد العام إلى أصغر مسؤول . اما  الراحل أبو عمار فقد كان

  يفخر بهذه الحريات و يقول : نحن نمتلك الديمقراطية في ظل غابة البنادق .

 لكن تبقى هناك مشكلة لدى البعض ممن لا يحتملون أن يقترب أحد من قياداتهم

مهما ارتكبوا من أخطاء ، هؤلاء ترعرعوا على الارتباط بالشخص اكثر من

 ارتباطهم بالقضية و انصياعهم لحزبهم  مهما كان اداءه السياسي و المسلكي

 و الفكري .  ان الشخص في مفاهيمهم الضيقة  منزه و مقدس و لا يمكن أن يطوله

 النقد . و هم في كل ذلك مخطؤون دون أن يدروا بأن النقد لا ينقص من قيمة

الشخص المنقود إلا إذا كان الشخص نفسه غارق بالمفاسد . أما إذا اجتهد و أخطأ

 فسوف يوجهه النقد حتى لا يستمر في خطئه و حتى يصوب مساره ، و من غير

 النقد فإنه سيستمر في غيه إلى ما لا نهاية مادام لم يواجهه أحد من الناس .

 إن شيوع النقد في المجتمع هو دليل صحة المجتمع و ان  أفراده احرار في التعبير

 عن آرائهم فيما يتعلق بمن يحكمهم و يدبر شؤونهم .  و ان  غياب النقد دليل على

 فساد المجتمع و فساد المسؤولين . ماذا يساوي المسؤولون مهما كانت مراكزهم

 بأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الذي كان يقول : رحم الله امرء أهدى الي عيوبي .

هذا العظيم  الذي بعهده تحطمت أعظم امبراطوريتان  في ذاك الزمن ، و الذي حكم

مسافات شاسعة من الأرض و الذي اعترف الأجنبي قبل العربي بعدله و حلمه و عبقريته .

  سأل يوما  مجموعة من الصحابة ، قال لهم : ماذا تقولون لو أن اميركم شذ عن الطريق

 القويم  ، فقام له رجل من العامة و قال : لو زحت عن الطريق المستقيم لقومناك بسيوفنا !

تلقى  أمير المؤمنين هذا الكلام بصدر رحب  و عقب : لا خير فيكم أن لم تقولوها

 و لا خير فينا أن لم نسمعها . علينا أن نرتفع قليلا عن تقديس الأشخاص و نعلم انهم

مهما كانت مسؤولياتهم و مناصبهم فإنهم يصيبون و يخطؤون و يجب أن يجدوا

 من يصوبهم عند الخطأ . لقد عانينا كثيرا من تسلط الأفراد و تنزيههم بالرغم

من ممارساتهم ، و أحيانا جرائمهم . و عادة ما ينبري الرعاع من الاتباع بالتصدي

 و تصدر المواجهة و ليس القادة انفسهم ، لان كثير منهم يفهم لغة النقد و يدري ماهيته

 و فوائده  . كان الصالح أيوب ملكا على مصر و كان ذا مهابة كبيرة و  مجاهدا أيضا ،

فهو من حرر القدس من أيدي الصليبيين بعد أن سلمت إليهم بخيانة بعض الحكام

من أقاربه ،  بعد ان خاض  معركة غزة الخالدة في 17 تشرين الاول عام 1244 ،

 ثم جهز لمواجهة الحملة الصليبية السابعة بقيادة الملك الفرنسي لويس التاسع  .

 في أحد الأيام دخل الامام الكبير العز بن عبد السلام على نجم الدين ايوب

 في القلعة يوم العيد وهو في كامل زينته، وجنوده بين يديه فناداه باسمه المجرد :

يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك : ألم أبوِّئ لك مصر فتبيح الخمور؟

فقال : هل جرى هذا؟ فرفع الشيخ صوته وقال: نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور

 وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة فقال : يا سيدي هذا ليس

 من عملي  أنا ، هذا من زمن أبي ! فأجاب الشيخ:

أنت من الذين يقولون: {إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}

فأمر الملك باقفال الحانة و منع الخمور فورا في مصر و القصاص من المتاجرين .

ليس هناك من هو فوق النقد إلا الأنبياء المعصومين ، أما أنا و انت فإننا نخطئ بقصد

 أو بغير قصد ، و يجب أن نجد من يرشدنا في حال الخطأ . كان الإمام الكبير

 مالك ابن أنس يقول : كل منا يؤخذ منه و يرد عليه إلا صاحب هذا القبر .

 و يشير إلى قبر النبي عليه الصلاة و السلام . انها مصيبة من أكبر المصائب

اذا لم يتسع صدرنا للآراء المخالفة ، لأننا سنبقى رهينة أقوال و أفعال المتخلفين

 الذين لن ينهضوا بشعبنا أو بامتنا بل يرسخوا تخلفهم و يمارسون استهتارهم مادام الناس

 صامتون ، و لم يجدوا من يردعهم و يصوب أخطائهم . ان الذين يتصدون للمواقف

الناقدة ليسوا باكثر من جهلة يرفضون تطور شعبهم و يرضون بالواقع المريض .

و كثير منهم يتزلفون الحاكم او الزعيم ليتقربوا منه و ليكونوا من المستفيدين من المال

 العام ، و من المتسلقين في الوظائف التي تناسب غيرهم و لا تناسبهم . و هم بهذا معاول

هدم بدرايتهم او بجهلهم ، فالزعيم لن يخلد و الظلم الحقيقي سيقع على الاجيال القادمة

التي تنشأ على النظم القائمة على الفردية و الارتجال و الاستبداد . للاسف ان الواقع

هذا قد زال من معظم المجتمعات في العالم ما عدا مجتمعاتنا العربية التي لا زالت

تحمل عقلية الطاعة العمياء لشيوخ القبائل ، و عقلية المشايخ الذين يلوون اعناق

الاحاديث حتى تناسب الزعماء المستبدين و حتى تستمر الفردية و التخلف و القمع .

انهم استنساخ لشيوخ المعتزلة الذين زينوا للخليفة العباسي المأمون افكاره  الباطلة

فكان الضحايا هم العلماء و الائمة كالامام احمد ابن حنبل رحمه الله و الامام ابن نوح .

الاقلام المأجورة لا ترحم و جاهزة لقلب الحقائق و الصيد بالماء العكر للنيل من المخالفين

و التحريض عليهم ووصمهم بكل نقيصة و تهمة ، و ربما يصل الامر معهم لاتهام

الخصوم بالعمالة و الارتهان للقوى الخارجية فيما هم انفسهم يقومون بتلك المهمة .

نحن ابناء الشعب الفلسطيني اصحاب قضية مقدسة و كبيرة و ليس هناك فلسطيني

واحد لم يتأثر بالاحتلال ان كان في الداخل او في الخارج . الذين في الخارج

يعانون من تبعات الاحتلال في ظروفهم القاهرة التي يعيشونها في بلاد الشتات

و في الداخل يعانون من التنكيل الصهيوني و من القتل و الاعتقال و الهدم و التهويد .

و عندما يتحدث  قائد  شيئا يجب ان ينتبه لتداعياته و تأثيراته السلبية و الايجابية،

لانه لا يمثل نفسه ، بل كلما كانت مسؤولياته اكبر كان تأثير تصريحاته اكثر ايلاما

اذا كانت سلبية و تمس بمشاعر شعبه . على هذا القائد و اتباعه ان يتفهموا  ردود

الافعال و المواقف الناقدة و لا يعتبرونها تمس بالشخص لشخصه و لكنها تمس بموقعه

الذي يتبوؤه و الذي ان تحدث فإنما يتحدث من خلاله ، و الا لما اهتم اليه احد .

و بكل صراحة ووضوح فان ما قاله السيد ابو مازن خلال خطابه في المجلس المركزي

عندما ترحم على المجرم بن غوريون و دعا للاحسان اليه كان جارحا للمشاعر  . نحن

نعلم ان الامر و الحساب و الرحمة و الاحسان ليس بيديه بل بيد الله عزوجل لكن

الكلام عندما يأتي من رجل يتزعم شعب يعذب من اللجوء و الاحتلال و لان  بن غوريون

و زعماء الحركة الصهيونية سبب في معاناتهم المستمرة ، فإن الكلمات تكون جارحة و مؤلمة .

ان تصريحات كهذه منه و من غيره تأتي لتزيد من الهم على المواطن الفلسطيني ، و في

نفس الوقت تعطي مبررا لاؤلئك المطبعين العرب و الاعلامييين المرتهنين و المرتشين

الذين  في غالب الاوقات يكونون صهاينة اكثر من الصهاينة انفسهم ، كما هو حال

الجوقة الاعلامية في مصر و بلاد الحرمين و غيرهم في الدول العربية و الاسلامية .

انا اعلم بان ما اقوله سيستفز الكثيرين من المطبلين و السحيجة و لكن عليهم ان يسمعوه

و من العيب و الجبن ان لا نعلن  ما ينغص علينا من اقوال و افعال . ان حرصنا على

وحدتنا و على قادتنا لا يمنعنا ابدا من طرح الاخطاء و ما اكثرها و ما اقل تناولها .

بالمقابل يجب ان لا نغفل عن الاشارة للايجابيات ان وجدت ، ففي الاجتماع الاخير

للمجلس المركزي كثير من الايجابيات في البيان الختامي ، لكن كل هذا مرهون بالتطبيق،

لقد سمعنا و قرأنا الكثير و لا زالت الامور على ما هي عليه و كأن القرارات لم تكن .

نريد ان نرى المواقف مطبقة على الارض و في الاساس منها الطلاق مع الادارة

الامريكيه ووقف التنسيق الامني على الارض و الدخول في مصالحة حقيقية

 بلا محاصصة تنظيمية و لا مصالح فئوية ، يكون على رأس مهماتها مقاومة الاحتلال.

 

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top