حين يكون طعم العشاء مختلفا! (نص)

08 أيار 2018
(0 أصوات)
بكر أبو بكر

 هناك الكثير من الأشياء التي من الممكن أن تسبب السعادة ، والكثير من الأشياء وربما تلك التي سببت السعادة تسبب الأذى ! لذلك فان كيفية النظر للأشياء -أو الأشخاص- أو كيفية استخدامها هي المحدد لطبيعة التأثير أهو سعادة أم تعاسة ، رفاهية أم أذى، سلبي أم ايجابي ؟!
ومن هذه الأشياء محاولة الإمساك باللحظة أو بناء الحالة أو محاولة تثبيت الفكرة في المسار ، أو اقتناص الفرصة ، أو تحقيق الإشباع النفسي أو الذاتي، أو الشعور أي شعور ومنه الهم أو الفرح أو الحزن أو الغضب أو القفر أو الكره أو الحب أو الشوق أو التيه، أو تفريج الكرب بالكثير من الأدعية، أو بفيض من الدموع الكسيحة، او بتأمل طويل وعميق، أو بانحياز لخيار التجاهل وإدارة الظهر، أو القفز في الهواء.... أو التلاشي في الآخر.
(الفقد)هو الحالة أو الشعور الذي انتابني في كامل خلايا جسدي مالم استطع تمييزه- ان صح تمييزي له – بعد فترة ممزقة من القلق والحزن والاغتمام الذي لم أفهم له معنى اثر زيارة قمت بها إلى عمان مؤخراً (2011)، زوجت فيها ابنتي الكبرى حنين ، والتقيت أصدقاء مقربين جاءوا من ثقب صغير في مساحة الكون الكبرى، وأصدقاء أٌخَر لم التق بهم بهذا الشكل وبهذا التجمع منذ ثلاثين عاما مضت .
في هذه الأيام السبعة في مدينة التلال السبعة، تلك الأيام التي تلت وفاة معلم ومفكر ورجل فعل مشهود رافقناه في جزء من رحلته في الحياة ، كنا نلتقي معه على الطاولة البنية اللامعة، طاولة الاجتماعات.... ثم التقينا الآن مع ظّله الوردي يعكس نفسه علينا – في أغلبنا- مما عمّق المشاعرالمضطربة ما بين السعادة والأذى...... وأخذها نحو البعيد دون كلمة أووشوشة أو سؤال .
اختنقت في عمان.... قبل العشاء الذي جمعنا، لدرجة لم استطيع بها أن أحس في الأشياء قيمة، واغتمت ذكرياتي وتدهورت أفكاري وثقلت الأشياء أمام عيناي فسقطت في بحر دموعي، وتمنيت زوال اللحظات الثمينة أو عدم حصولها أصلاً لأن (فقدها) مدعاة للحزن ومسبب للغم والألم ... فيا ليتها ماحصلت أصلا، ويا ليتني ماسعيت إليها.

 

الفقد الأول: رحيل ناصع 
حسن المطري رجل الصلابة والحرير ، ورجل العنفوان والقول الأثير ، صاحب معلقة الإنجاز كطريق لا سواه يأخذنا نحو الأبعاد الأربعة فنرى بشكل أفضل ولا نتورع عن الصراخ حتى يمتلئ الصدر بالرحيق والمدى ، ويُنار العقل بإرادة الجديد وتقديم الأفعال على الأقوال بلا خجل أو قرابين.
كانت وفاة حسن المطري وفاة لجزء كبير منا وسقوط لجزء هام من أعمارنا دُفن معه، وان كنا بحاجة له يوميا ، نعود له في (المدفن) لنستمد منه بريق الأمل ، وزاد الأيام القادمة.
مع حسن المطري الذي ابتعد عنا مسافة 3000 كيلو متر شعرنا بالغربة في الربع الخالي الذي تركه فينا ، وظلت صورته تتردد ، لكنه بوفاته جعل للفقد معنى مُراً ، وطعما مغموساً بالأسى.
وفي هاني الحسن الذي يصارع جسده في عمان (فقد) بطعم فريد (توفي لاحقا رحمه الله).... حيث المرض المُقعد يعلن انتهاء فصل الربيع ويكتب على الجبين عبارات خارج السياق سرعان ما تصبح في الصفحة الأولى...... مع هاني الحسن صاحب الفكرة والرؤية وحنظل السياسة ترفض العبوس وتنشر الفرح ولكن رائحة الفقد عطِنة لا تزول.

الفقد الثاني: فقدان المفقود

نحن (الطلاب)الذين التقينا معا على طاولة واحدة على أرض الخليج منذ ثلاثين عاما كنا نجتمع سعداء (أم نظن ذلك؟!) في جلسة أو جلسات ذات هدير، كانت تقول عبارة ما زالت تتردد في أذني: لكم طول الأرض وعرضها ، ولا يحد أحلامكم حدود ، وبعلمكم وعملكم تقبضون على الأحلام ، وبإيمانكم بالله سبحانه وتعالى وقدراتكم المتفجرة ترجمون العجز وتصنعون المستقبل.... وهذا ما ظهر في الإخوة "الثمانية عشر" آنذاك الذين اجتمع منهم ومن خلفائهم صدفة... اليوم... وبلا تخطيط اثنى عشرأخا ... فكيف تعود اللحظات المثقلة بالحنين ، والمضمّخة بعطر الورود لتظهر ثانية بعد فراق مستقر في شكل شعر أبيض أو صحراء قاحلة محمولة على الرأس أوضحكات أو كلمات أو إشارات أصبحت محسوبة ... كانت في زمن انقضى عفوية وصريحة وواضحة وتشير بإصبع واحد نحو المستقبل.
التقينا في عُرس حنين ابنتي، ثم على العشاء في اليوم التالي بدعوة كريمة من المهندس الحفيّ ابراهيم أبوحجلة.... لكن الغيوم كانت مختلفة ، وشكل الأنوف والشفاه والجباه وحدقات العيون... حتى طعم العشاء كان مختلفا... لحظات متعة وسعادة، ورفقة جميلة من عمق زمن زال... لحظات يا ليتها ما كانت، وياليتنا ما عشناها! هي لحظات ربما عاشها البعض وليس الكل، وربما كلّ عاشها كما يريد، وربما البعض الآخر لم يدرك فيها المعاني الكامنة والبلاغة الباطنة.
إن "الفقد" في اللحظات ذات التكرار الصعب أو المستحيل كلقاء هذا المجموع بهذا الشكل بعد 30 عاما هي ما لا تتمناه لنفسك أبداً.... لأنك على يقين بوقوع حالة الفقد في ظل التفرق بين جغرافيا الأرض وأشغالها العاتية، حيث التوزع والافتراق مابين أمريكا وأوروبا والخليج وفلسطين والأردن ، وما بين مهندس ودكتور وإداري وسياسي وأستاذ محامي ومعلم واقتصادي وصاحب شركة ، فكيف تظن أن اللقاء سيعود ، وأن اللحظات ستتكرر ؟!
إن مثل هذا اللقاء مما يسبب لك الفرحة الممزوجة حُكما بالحزن ،واللوعة المشربة بالحنين ، والرغبة في الاستدامة.... والدعاء لها بعدم التكرار! ... أو التمني كأن لم تكن أصلا لان فقدان (المفقود) ثانية يعني فقد على فقد ، يعشي النظر ويدمي القلب ، ويجرح الأنفاس الحبيسة.

الفقد الثالث: حنين

جميلة بلا تهور ، ورقيقة مع صلابة النظرات ، لا تعترف بالتراجع وتعشق الإقدام ، متصالحة مع ذاتها، لا تدع الدروب تجرفها تحسب لحظاتها وتنشد السعادة، وتنظر نحو البعيد بمنظار الأمل الممزوج بلذة الفجر.. هذه هي حنين كبرى بناتي.
في عمان ولغرض اللحاق بزوجها في دبي.... تزوجت هناك... ولأنني بلا سابق تجربة في هذا المجال جعلت من ترتيبات الزفاف تأخذني إلى حيث تريد، ما رتبته هي وزوجها ، وبدعم أمها الصابرة المحبة الحنون زوجتي ليلى.
في عمان ، حيث ترافقنا مع الفقد الأول والفقد الثاني جاءنا خبرعاجل بالفقد الثالث حيث سيكون طعم العشاء في بيتنا مختلفا ، ولون الغمامات أكثر سخونة وحركة العشب في الاتجاه الآخر غير متوازية ، وعيون أمها بلا بريق.
حنين، كانت موجودة عندما تفتح الباب أو تدخل الصالون ، في المطبخ أو في الممر الضيق الفاصل بين غرفتنا وغرفتها، أوحيث الحاسوب ينطق..... والآن ودعتنا ؟
(الفقد) هو أن لا تتكرر اللحظات، والفقد هو أن تعيش وأنت تعلم أن (النمط) قد زال والتكرار الذي ربما مللته والآن فقدته –وتتمناه- قد زال.... إلى غير عودة، وان عاد فانه سيعود مؤقتا وقصيرا ومحدودا، بل وبجزء منه ، أي انك ستقبل شئت أم أبيت مشاركة الأشياء والآخرين لك فيه ما حصل في الفقد الأول حتى الرابع.


الفقد الرابع : صداقة

تمر عليك الأيام ببطء عجيب ، فتتمنى أن تخترق الزمان القائم وتشطب الشهور والسنين لتكبر وتصعد السلم ولتحقق مرادك ، أهدافك ، أحلامك، وعندما تقترب أو تحقق ذاتك.... تجهد نفسك في إبطاء وتيرة الأيام محاولا بشدة أن تسحبها للخلف ... تكتشف فجأة أنها كانت تسير كما الريح ، أو أنها مرت مرور السحابات السود.
تمر عليك الأيام وأنت غاضب ، حزين ، منكفئ، عصبي، صامت ، ثرثار، متوتر في حالة شجن أو وجد أو حب، أو زلفى من شخص أو شيء محدد..... في حالة تناقض، وقد تتولد لديك (حالة) من تكاثف الأحاسيس المتوحدة فلا تخرج منها بسهولة..... فتشعر بالاختناق أوالموت..... وهذا ما شعرت به حينها فقررت الهرب من عمان.
وان خرجت من حالة إلى حالة -هذا إن استطعت ودون مساعدات- تنبثق أزاهير السعادة ويفور ينبوع الحياة.
هم قِلّة ...عدد محدود ، إنهم الأصدقاء المقربين الذين التقيتهم في عمان بعد سنوات بُعدِ جغرافي كانت وستظل.... حيث التشتت القسري (أم انه الاختياري؟!) في العيش: البحيرات الزرقاء والأشجار الباسقة والجو الندىّ في (إرفين) يختلف عن العيش أين الهضاب التي تلقي بأحمالها، وتبث شكواها على صدري، وحيث الحديد المتصالب يكسر الضوء ونسيج الزيتون، وفي البعد الجغرافي عيون تطيل النظر نحو السماء وقلوب تحتاج للراحة في عتمة الليل ، وأفكار هائمة لا تهدأ..... عائمة، لا تكل ، طائرة بلا مدرج أو مطار، وأرواح قلقة معلقة معتمة تخترق الجدران ولكنها باردة.
أنت من يختار صديقك.... توأم روحك، وهو من يختارك ، وتجمعكما المواقف والحكايات والأنفاس وتعيشون في (حالات) من التواصل الدائم والهناء، تصنعونها بأيديكم... تبتعدون ثم تلتقون ، تتحدثون وتخططون ..... وتحظئون وتسامحون ولا تعترفون بالسن أوالزمن أو الزوال أو الجغرافيا ...فتظنون أن (الصلة) (حالة) دائمة ... ولكنكم تكتشفون كم انتم ضعفاء ومغفلين ؟! وان الزمان والجغرافيا والمآل ونوع الأطعمة والمشاريب ..... تحكم عليكم بالحياة أو الإعدام.
مع أصدقائي المقرّبين القادمين من البعيد تمنيت أن لم أكن ، وتمنيت أن أزول ، وتمنيت ألا أعود لبناء مثل هذه اللحظات ، أو (الحالة) وتمنيت انعدام المشاعر .... لان التقاط اللحظات...... إيذان بالزوال، وانحباس الدموع مؤشر على الهطول ، ووجع القلب يصبح الحقيقة الوحيدة.
اللقاء يعني الفقد لأن اضطراب النمط وعدم التكرار والبُعد ومشاركة الآخرين في أصدقائك إيذان بالوجع وإعلان بالأفول...... ما لا أتمناه لكم.

لا أحبذ

لأننا بالأمل نحيا وبالعمل نبقى وبالأمنيات نتواصل..... وعن الأخطاء والعبرات والعناق والفقد... وتناقضاتنا... والأحلام... لا نتوب.
طلبت منهم أن يترفقوا بقلبي..... فيتركوه ، لكنهم حملوه على الأكف عاليا وأطلقوه يرفرف ويزعق.... ويجول بين العيون الغريقة والإصباحات المحترقة والاشتياقات اللاذعة ، وبين الدروب التي سرنا فيها راكضين أو راقصين..... نترقب الغيم ونشيد النوى.
بين الكلمات الوافرة الطائرة، والعبرات الممتدة من المحيط الهادرإلى الخليج الثائر، وبذور الضحكات المزهرة ، وعقود الياسمين الندية التي زينت أعناقنا ثلاثين عاما.... كدت اختفى وأتلاشى.
طلبت منهم أن يتركوني وحيدا فريداً شريدا بلا صخب ولا أنين، وحلفت عليهم بالله وبكل ما يحبون أن يشفقوا عليّ من هول اللقاء والعجز البالغ حين الفراق و الفقد المبين. (وفراقهم بكاني كالماطلية *بالضلع، لَرْكُض وراهم حافي وعباءتي على أكتافي، لَرْكُض وراهم واصيح ، نوبة انكبح نوبة اطيح، ماظل بيّا عظم صحيح-كما يقول المقام العراقي). 
كان قلبي يهوي...... ويسقط ، معلنا العجز عن الاستمرار ، حيث المواقف واللحظات واللمسات وفيض العين ورائحة البخور والشواء تذوب عند تمنيات اللظى ، دعوني أتجاوزكم، أهرب منكم..... أسبح بعيدا عنكم بلا كلمات عتاب أو رثاء أو وداع ... ولا تقولوا شيئا ، واجعلوا من أغصان قلبي ظلا لكم ومن ساحاته ملعبا نديا.

في العيد القادم لا أحبذ أن ألتقيكم، وفي العام القادم لن أكون معكم .. في المأتم القادم ، اللقاء الآتي .... لا أريد أن أطرب لسماع وقع أقدامكم... أو احتكاك أفكاركم، أو صوت ذكرياتكم ، ذكرياتنا .....فيا حبذا لو تديرون ظهوركم لي كلما ظهرت لكم .. فلا أراكم ... وعند بزوغ فجر اليوم التالي من صهيل الليل أدرك... واثقا... أنكم تلاشيتم، والأوتار قُطعت، والعيون سحلت والبوابات أغلقت.... ونهر المشاعر قد جف .... فلا حزن ولا يحزنون. 
نذوب في حب مَن يزول أو ما يزول، وننسى كثيرا حب الباقي الذي لايزول، ونترجى القبول والاعتراف والإيقاع من حالات الرجاء والرثاء والفناء فنغرق في بحار الحزن أو أماني الرجوع ، ونترقب يوم مشهود حيث السرور راية وحيث انحباس القمر عن البزوغ غاية، فنظل مع من نحب يوم واحد كان مقداره خمسون ألف سنة.

*الماطلية=العصا الغليظة

** كتبت عام 2011 وتم الافراج عنها في 1/4/2015، ونشرت عام 2018

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top