عالهامش // لمى ابوخروب

26 أيار 2018
(0 أصوات)

نصي الجديد عن المخيم .. 
عالهامش :


بقلم لمى ابوخروب

"أولاً انا اعتذر للمخيم عن طريقة الوصف هذه
ثانياً .. النص يحمل بعض النقد الجريء الا انه حقيقي جدا وواقعي جدا " 

"بس اسا ترجع فلسطين .. احنا بدناش نرجع !"

من هذا المخيم ، المخيم الذي لُقب "بمخيم الشهداء" .. من مخيم برج الشمالي ، "باريس مخيمات لبنان" من المنفى واللجوء والشتات .. تفوح رائحة نتنة .. تفوح رائحة الحزن واللجوء والقيود والموت .. اوهم نفسي برائحة فلسطين ما بين روائح الزهر في الربيع وروائح الأكفان في المقابر .. أوهم نفسي أنني أرى فلسطين في الأزقّة و الجداريات .. في الأعلام والرايات وأصوات المنابر .. الا أنّ جزء كبير من فلسطين قد تلاشى .. حتى ان العلم قد تجزّء .. من رايةٍ صفراء إلى أخرى خضراء إلى واحدة حمراء .. والألوان لا تتلاقى رغم كثرتها .. الألوان لا تتلاقى رغم الدم الفلسطيني الواحد .. الألوان باتت منفصلة .. وانقسمَت ألوان العلم .. وتلاشَتْ رايات العلم وهزم العلم الفلسطيني من قبل ألوانه المختلفة .. وأصبح للوطن أسماء كثير .. كلٌ ينتمي وينقسم ويحقد على الآخر ويضيع الوطن .. يضيع الوطن .. الذي ضيع منذ زمن 
أنا لاجئ .. أنا أنتمي للمنفى .. هم لاجئون .. لكنّهم ينتمون للفصائل والأحزاب .. 
هذا الشعب نافذُ الأمل .. هذا الشعب معلّق ٌ اماله ب"صور المسؤولين" .. كل مترٍ مربع .. ترى صورة لمسؤول .. اهي حركة من الحركاتِ لكي تُعطي المخيم طابع مأسوايّ أكثر .. ام انه استفلاسٌ من الشعب .. ام ان الشعب حقا يؤمن "بالمسؤولين" الذين لطالما خذلوه .. ام ان هذا المسؤول له صورٌ أكثر لأنه يدفع أكثر ؟!

"بس اسا ترجع فلسطين .. إحنا بدناش نرجع !"

هذا المخيم.. هو أشبه بسجن مصغّر عن غزة .. كيلو متر مربع واحد .. 24 الف نسمة يصارعون الموت والحياة معاً.. شارعٌ واحد لا يسعني إن جُنِنْتُ .. أزقة كثير .. جدارياتٌ وجدران .. البيوت فوق البيوت .. البيوت داخل البيوت .. البيوت كيانات سامة مليئة بالاسرار .. أسرارٌ لكنّ جميع من هنا يعرفها .. جاري يعرف عني أكثر مما أعرف .. جاري يسمع أنينَ صوتي وأنا نائم .. صوت سعلتي وانا صاحي .. ويعرف كل شيء حتى أكثر أسرارَ بيتي حساسيًة وخصوصيةً .. 
24 ألف نسمة يصارعون الموت ويتصارعون على الحياة فيما بينهم .. نجدُ الحزن و الهموم و الأزمات متناثرة في الطرقات هنا وهناك .. تحضنها أشجارٌ رُميَت عبثاً .. مشاكل مفبركة مفتعلة .. مشاكل داخل الأسر و في المدارس و الحارات .. وما من أسرةٍ باتَتْ تبدو سلميةً صحية .. مشاكلٌ حتى على ركنِ السيارة ... 
هنا في المخيم .. تجد رجلاً يصفع ابنَه لانه قد كسر كوب الماء دون قصد ... 
هنا في المخيم .. ترى التعبَ منبعثٌ من الوجوه وفي الكلمات .. 
هنا في المخيم .. تجد حياتُك كتابٌ مفتوح يقرأوه الصغير و الكبير دون أن تعي 
هنا في المخيم .. مجنّدون صغار .. أسلحةٌ عشوائية .. وقد يموت الواحد منا في طلقةٍ "غير مقصودة" .. 
هنا في المخيم .. عيلٌ مصطنعة ... بيوتٌ سامة.. وكل ما فيها يخنق ... 
الزواريب خنادق .. والمنفى يتيم .. 
أرواحٌ موجوعة .. وقلوبٌ باتت تبدو فاترة .. اضطهاد من كل الجاهات .. اضطهاد من الدولة .. اضطهاد من السلطة .. اضطهاد من الاحتلال .. واخيراً اضطهاد من أنفسنا تجاه أنفسنا .... 
بيئةٌ ملوّثة ... بيئة قاتلة ... وحواجزٌ على الأبواب . 
حواجز على المداخل .. ووثائق لجوءِ زرقاء مهترئة .. فُرض علينا إبرازها عند كل مرور .. جيش يُلقّب ّ بالحامي .. و أقصى ما يفعله هو سكب كلامه المعسول على مسمع الفتيات هناك ومنع المرور أثناء الطوارئ 
الناس أشبه بالأموات .. 
وكلٌّ بنتظر قدره الذي يصعب عليه رسمه بيده 
هنا في للمخيم .. سبع مخيمات فوق بعضهم 
هنا في المخيم .. مقبرةٌ فوق مقبرةً .. حتى ان المخيمات ضاقت على الأموات أيضاً .. ومقبرتنا امتلئت .. 
يا ترى ، هل سأجد مكاناً أُدفن فيه هنا ! 
أم سينفيني مخيمي أثناء موتي كما نفتني فلسطين وأمي ؟!
يا ترى ، ما الذي تجنيه المرأة منا عندما تُنجب ولدا إثنان و أربع ... 
وكيف تسعد و هي تحمل في بطنها قطعة لاجئ .. كيف تسعد في حملها وهي تعي ان أبنها سيُعيد تجربة معاناتها ومعاناة أجداددها .. المولود سيعيش لاجئ .. ومن الواضح ، سيموت لاجئ أيضاً 

لكن ، هؤلاء الجموع جبّارين ... قد يُعتبرون بؤرٌ ارهابية في كثيرٍ من الاحيان .. الاّ أنّهم مقاومون باسلين 
هنا ، فلسطين الصُغرى .. وابن فلسطين .. 
الأحزان تكتب مقدرة في الصحيفة ... كُتب على فلسطين الشقاء .. تماما كما كتب على أبناءها .. على بناتها والمخيمات المنبثقة عنها ..
صوت الكلاب حزين ... والروحُ تمزقت .. 
لا أستطيع التقيء .. منفيّ ٌ داخل وطني .. وحيدٌ في مخيمي وبين اخوتي أكثر من وحدتي وسطَ بيروت وبين جدران غرفتي .. 
وحيدٌ داخل السجن ... تركوني وحيداً لكنهم منحوني قلم وحبر .. القلم يخطُّ دماُ .. وأنا سياسيّ .. أنا سياسيّ .. انا اقتصاديّ .. انا ديبلوماسيّ .. انا رجلُ دينٍ .. و كتلة كآبة .. أنا لاجئٌ في وطني ..

" بس اسا ترجع فلسطين .. احنا بدناش نرجع !"
هذه الجملة التي بقيَت عالقةً في ذهني عندما قيلَتْ لي ذات مرة .. سمعتها مراراً ومن أكثر من فم وعلى أكثر من لسان .. هؤلاء الجموع منّا لا يرديون العودة .. من مللِ انتظارهم .. من كثرةِ خذلانهم .. من فرطِ حنينهم .. من عمقِ هموهم .. 
يخشونَ الحرية ... هؤلاء الذين تعوّدوا على ضربةِ الجلاد .. يخشونَ الحرية .. يخشونَ الجمال .. يخشون انفلات القيدِ من أيديهم ... ويختارون الانصياع ..
وانا وكثيرون غيري إخترنا التمرّد ... 
انا وكثيرون غيري سنرجعُ يوماً إلى حينا .. أنا وآلاف الحناظلة من حولي اخترنا الخيمة وطناً لأنها كما قال فيها النّاجي " احنا بنسكن الخيمة في حياة الموت يعني علامة على الإصرار على العودة" ..
أنا وكثيرون غيري شهداء أيضاً يا وطني .. لكننا ... لا نستحق شرف التشييع بعد أن نفيتنا

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top