وارسو الجديد.. قوة التوهم في مواجهة ثبات المعتقد //بقلم مي أحمد شهابي

20 شباط/فبراير 2019
(0 أصوات)
وارسو الجديد.. قوة التوهم في مواجهة ثبات المعتقد
بقلم مي أحمد شهابي 

انعقد في وارسو في الاسبوع الثاني من شباط الجاري قمة ضمت 50 دولة . وقد سبق التحضير لهذه القمة نقاش امتد على مدى أسابيع، تناول أهداف هذا المؤتمر وجدول أعماله من قبل الإدارة الأمريكية بصفتها الدولة الداعية لهذا المؤتمر، وسعت لفرضه على الدول المشاركة وخلاصته: «توحيد جهد هذه الدول في مواجهة إيران باعتبارها - تشكل الخطر الرئيسي على الاستقرار في الشرق الأوسط -» هو ما يتطلب من وجهة النظر الأمريكية تجاوز كل الخلافات وتوجيهها باتجاه هذا الهدف. إلا أن الإدارة الأمريكية اكتشفت أن سياستها هذه لم تلق قبولاً لها من أقرب حلفائها ولاسيما الأوروبيين منهم على وجه الخصوص. وهو ما اضطرها لتغيير الأهداف المعلنة لهذا المؤتمر وبحيث أصبحت – موجهة إلى قضايا وأزمات الشرق الاوسط -. وكانت محاولة لعدم إثارة غضب غالبية الدول المشاركة وضمان مشاركتهم في المؤتمر.
ومع بدء وصول الوفود المشاركة بات موقف الولايات المتحدة محرجاً بدرجة كبيرة بغياب وزراء خارجية فرنسا والمانيا والاتحاد الأوروبي، رغم أن الاجتماع محدد لوزراء خارجية الدول المشاركة، وليس أقل من ذلك. واتضح ومنذ اللحظة الأولى وحتى قبل بدء جلسات المؤتمر عدم رضا غالبية المشاركين أو موافقتهم على المسار الذي تريد الإدارة الأمريكية دفعهم إليه. وأظهرت المواقف والتصريحات الألمانية والفرنسية وكذلك الدولة المضيفة – بولندا- وهي الحليف الأبرز للولايات المتحدة في أوروبا الشرقية عدم اتفاقها مع الولايات المتحدة في سياساتها حيال إيران وأزمات الشرق الأوسط عموماً. ولخصت الخارجية الالمانية الموقف الأوروبي بالقول: «صحيح أننا نختلف مع إيران بعدد من القضايا، ولكن الرد لا يكون عبر إلغاء الاتفاق النووي، وانما عبر الحوار على كل القضايا المختلف عليها». وفعلاً يمكن القول «إن المؤتمر انتهى قبل أن يبدأ عبر فشل الولايات المتحدة في فرض أجندتها على أعمال المؤتمر». 
وهكذا انصرفت أعمال المؤتمر في جلها إلى لقاءات ثنائية خارج المؤتمر في مسعى لإنجازات ما، تعوض الفشل الذريع لأهداف الولايات المتحدة المتمثلة في توحيد صفوف المؤتمرين في إطار هدف واحد وخطر واحد متمثل في – ايران -. وأن ماعدا ذلك من قضايا لاسيما منها قضية الصراع العربي – الصهيوني لم تعد من الأخطار التي تهدد الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن حضور ومشاركة عدد من الدول العربية وجلوسها على طاولة واحدة مع العدو – الكيان الصهيوني- كفيل بإثبات وجهة النظر الأمريكية. ودون التقليل من أهمية هذا الأمر والذي تسعى دول كالسعودية والامارات والبحرين وقطر لتسويقه والأذى الذي يمكن أن تلحقه بالقضية الفلسطينية حقوقاً وأرضاً وشعباً، وكذلك ببقية الدول العربية التي لازالت لديها أراض محتلة، وهم يمدون يد التطبيع السخية والمليئة بالأمنيات بأن يتضلل الصهيوني بحماية العروش العربية المهتزة، بسبب ما فعلته، وتفعله في جسد الأمة العربية.
وفي محاولة لجعل تطبيع العلاقات مع دولة العدو قضية عادية وسياسات عادية، وتسعى لتسويق أن الخطر الاكبر على المنطقة يتأتى من ايران وليس من الكيان الصهيوني. وأعتقد جازمة أن أهم وأخطر ما جرى في (وارسو) وبعمل وتنسيق أمريكي مشترك هي تلك المحاولات لتسويق التطبيع العربي مع العدو الصهيوني وتعميمه. ومرة أخرى ورغم الأضرار الشديدة التي يمكن أن تلحقها هذه السياسات بالقضية الفلسطينية إلا أنه علينا أن لا ننسى أن تلك الدول لا تفعل شيئاً بالأساس لدعم النضال والمقاومة الفلسطينية في القدس وغزة والضفة الفلسطينية، أو في الجولان وما تبقى من أرض محتلة في لبنان، لا دعماً مادياً أو سياسياً باستثناء بعض المواقف اللفظية التي لا تقدم ولا تؤخر.
عدا ما سبق نؤكد أيضاً رفض الدول المشاركة اعتبار روسيا عدواً، وقد صرح وزير الخارجية الألماني بذلك دون لبس، وكذلك رفضهم للسياسة الأمريكية الأحادية تجاه سوريا واليمن.
إن الموضوع الجوهري أيضاً في مؤتمر (وارسو) ونتائجه والذي يمكن تلمسه هو عزلة السياسة الأمريكية في غالبية القضايا المطروحة على جدول أعمال الدول الكبرى والعظمى. ورغم استمرار كونها لازالت القوة الأكبر والأعظم، إلا أنها لم تعد القوة الوحيدة والمقررة. وإن واقع تعدد الأقطاب يبرز كل يوم بشكل أكثر وضوحاً لاسيما على الصعيدين الدولي والإقليمي. ولم تعد أمريكا قدراً لا يمكن تجاوزه. حتى السلطة الفلسطينية بما لها وعليها رفضت حضور المؤتمر رغماً عن كل التهديدات والإجراءات الأمريكية بحقها. وقد يكون رئيس وزراء العدو الصهيوني هو الربح الأكبر في (وارسو) أقله على المدى القصير حيث سيوظف نتائج المؤتمر لتسويق نفسه وتجنب محاكمته بتهم الفساد كي يحقق نتائج أفضل في الانتخابات الصهيونية في الشهر القادم، ولكن حتى هذا لازال مضموناً.
أخيراً لابد من أن نؤكد على ضرورة اليقظة والانتباه لمخرجات (وارسو) بغض النظر عن قيمتها وأهميتها، ليس من جهة تأكيد رفضها ومواجهتها فقط، بل أيضاً عبر استثمار واقع صراع الأقطاب وبما يخدم مصالحنا القومية والوطنية والحفاظ على سيادة بلداننا، وبناء التحالفات التي تؤكد وتخدم مصالحنا الوطنية والقومية، وتأكيد حقوق شعوبنا في المقاومة وبكل الأشكال لاستعادة أراضينا المحتلة وتأمين حل عادل للقضية الفلسطينية. ومدركين أن هذه الاصطفافات العربية والخارجية منها على وجه الخصوص ليس لها أفق يمكنها من الاستمرار وهي محكومة بتناقضات وصراعات داخلية محلية، نقيضاً لمصالح شعوبها الوطنية والقومية. وأن مدخل ذلك كله التصدي لما بات يسمى صفقة العصر السيئة ولاسيما من مدخلها الفلسطيني، وهو ما يتطلب دعم وحدة الصف الفلسطيني الرسمي والشعبي ودعم المقاومة الفلسطينية والارتقاء بها، وصيانتها عبر التحالفات العربية والإقليمية والدولية، والإصرار على التأكيد على أولوية الصراع مع المشروع الصهيوني وباعتباره الأساس والمرتكز للتصدي للهجمة الترامبية المسعورة وحليفها الصهيوني. وباعتبارها الأساس الوحيد لضمان استقرار المنطقة والمدخل الرئيس لإعادة بناء النظام العربي الجديد الحر المستقل والسيد. والحفاظ على موارده وتنمية شعوبه وبلدانه. 
هي معركة صعبة ولكن الشوط الذي قطعناه على طريق النصر ليس بقليل بدءً من سوريا ولبنان واليمن، وما هو مطلوب هو تعزيز هذا المسار وتوسيع دائرته وتكريس هذه الانتصارات والمحافظة عليها والبناء عليها، في مواجهة (وارسو) وغيرها من المؤتمرات والسياسات التي تسعى لحرف بوصلة النضال الوطني العربي وجره لمواقع وتحالفات لا تخدم سوى المصالح والسياسات الامريكية والصهيونية، وهو أمر متاح وممكن ولا سبيل لنا غيره لبناء أوطاننا حرة مستقلة الإرادة في تقرير مصائرها وتنمية بلدانها.

 

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

Comment

  • nike air huarache nike air huarache الأربعاء، 20 شباط/فبراير 2019

    I precisely desired to say thanks yet again. I'm not certain the things I could possibly have tried without those aspects documented by you about this topic. It was actually the hard problem in my opinion, however , encountering your well-written style you dealt with the issue took me to weep with happiness. Now i'm happier for this assistance and then hope that you really know what a powerful job you have been undertaking instructing the rest via your web page. Probably you have never come across any of us.

    تبليغ
  • jordan 13 jordan 13 الأربعاء، 20 شباط/فبراير 2019

    I not to mention my buddies appeared to be going through the good pointers found on your web blog and the sudden came up with an awful feeling I had not thanked the web blog owner for those tips. All the guys were definitely glad to see them and already have sincerely been tapping into those things. We appreciate you indeed being really accommodating and for finding this sort of fabulous tips most people are really desperate to learn about. Our sincere regret for not saying thanks to you sooner.

    تبليغ
  • yeezy boost 350 v2 yeezy boost 350 v2 الأربعاء، 20 شباط/فبراير 2019

    I would like to express some appreciation to the writer just for bailing me out of this particular instance. Right after browsing through the online world and coming across things that were not beneficial, I assumed my entire life was over. Being alive minus the strategies to the issues you have fixed as a result of your main post is a crucial case, and the ones that would have in a negative way affected my entire career if I hadn't discovered the website. That knowledge and kindness in controlling every item was excellent. I'm not sure what I would have done if I hadn't discovered such a thing like this. It's possible to now relish my future. Thanks for your time very much for your expert and result oriented help. I will not think twice to propose the sites to any person who ought to have assistance about this subject matter.

    تبليغ
  • adidas ultra boost adidas ultra boost الأربعاء، 20 شباط/فبراير 2019

    I am writing to let you be aware of what a beneficial encounter my wife's princess had viewing your webblog. She realized a good number of things, including how it is like to possess a great helping mood to get other people with ease thoroughly grasp various complicated subject matter. You undoubtedly did more than readers' expectations. I appreciate you for imparting such important, healthy, explanatory as well as unique thoughts on the topic to Tanya.

    تبليغ

Leave your comment

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

المتواجدون حالياً

604 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

« April 2019 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30          

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top