يوميات لاجئ /5-6-7

29 نيسان/أبريل 2016
(0 أصوات)

«الحلقة الخامسة» من سلسلة يوميات لاجئ

بقلم الكاتبة ياسمينا

 

حاول عليّ إقناع نفسه بالعدول عن الدّخول إلى منزل أحمد، ولكنّه سرعان ما رأى والد أحمد يطلّ من شباك المنزل مخاطبًا إيّاه بلهجة فوقية: "ماذا تفعل هنا؟ وما الذي جاء بك إلى بيتنا؟!"

اختفت الكلمات وذابت.. حاول عليّ إخراجها بصوتٍ خافت، فأجاب: "لقد أتيت أسأل ابنك التلميذ المجتهد أحمد عن ما فاتني من دروس أثناء غيابي اليوم".

وفي تلك اللّحظه ظهر أحمد عند عتبة المنزل، وبأسلوب ساخرٍ قال: "وما نفع أن تسأل عن دروسك يا مستر علي، فأنت راسبٌ مسبقًا!"

وتعالت ضحكات الوالد وابنه تصدح في المكان، واهتزّت أنفاس عليّ وأخذ قلبه يخفق بسرعة لربما حقدًا على من جاء يستنجده ليجده ممن لا يقدّرون قيمة الإنسان على الإطلاق!

مشى عليّ كثيرًا يصارع تفكيره ناقمًا على ظروف حياته التي استوجبت التوبيخ والتّأنيب والاستهزاء. وقال في نفسه ليتني لم أستمع لكلام أحد! ليتني لم أقصد منزل ذلك اللّعين المتكبر أحمد! وتساءل هل من الضرورة أن يكون كلّ متفوق مغرور بنفسه ومتكبر على بني شعبه؟!

ها هو الآن أمام شاطئ البحر يحدّق في تلك الأمواج المتلاطمة، هي نفسها التي سرقت وسيم..

وتساءل من ستسرق الآن؟ وما الذي يمنعني عن الارتماء في أحضانها، لعل في الموت راحةً لم أذق طعمها بعد!

في تلك اللحظات وبينما عليّ غارق في تفكيره وفي حالة الانكسار التي طغت على إحساس الألم والمرض، أحسّ بخطواتٍ تقترب منه، فاستدار بسرعة ولكن بحذرٍ وخوفٍ شديدين.

=============

«الحلقة السادسة» من سلسلة يوميات لاجئ

لم تكن تلك الخطوات سوى خطواتِ شابةٍ بالكاد يُرى وجهها مع انعكاس نور الشمس الخجول على صفحة الماء. وما زاد الأمر صعوبةً عيناها المتخفيتين وراء عدسات نظارةٍ سوداء قاتمة.

ظلّ عليّ في حالة حذرٍ وارتباكٍ وهو يراها تتقدّم نحوه بخطواتٍ واثقةٍ وبمشيةٍ ممشوقة، وبكلّ ثقةٍ هتفت باسمه.. وعندما اقتربت منه أكثر فأكثر وأزاحت تلك الستارة السوداء بيديها، تبسّم عليّ وصرخ قائلاً: "أهذه أنتِ؟!".

إبتسمت في وجهه وقالت: "تستغرب حضوري إلى هنا صحيح؟ لا تستغرب كثيرًا فأنا والبحر من أعزّ الأصدقاء، لطالما شكوتُ له همومي وأحزاني، وأظنّك أنت هنا الآن لنفس السبب. ثم بالمناسبة أين أباك؟ هذه أول مرة تكون منفصلاً عنه، صحيح؟".

فأجاب عليّ "أنا لم أساعده اليوم بأيّ عمل، كان نهاري ممتلئًا بكلّ ما لذّ وطاب من الأحزان والآلام. ثم أخبريني كيف كان مقالك الذي حدثتني عنه أنا وأبي، هل حقًا تحدثتِ عنّا وعن مشاكلنا في المخيمات وعن حجم الفقر والقلّة التي نعاني منهما، والتي بطريقةٍ أو بأخرى أجبرت والدي على ذلك العمل؟

كم أنا مشتاقٌ لأصبح عليًّا آخر، كم أنا مشتاقٌ ليراني الناس بصورةٍ أخرى وبعمل آخر.. حقًا لقد كرهتُ رائحة النفايات والحاويات! أريد أن أكون كغيري من الأطفال، أريد أن أذهب إلى الملاهي كل يوم، وأن ألعب كل يوم، وأريد ألعابًا كثيرة لي ولأخي الصغير.

لقد سئمتُ من تفكيك الملاقط الخشبية وتلصيقها لأصنع منها سيارة أو عربة كعربة أبي! وسئمت من تمزيق أوراق الكتب والدفاتر وجمعها على شكل كرةٍ ورقيّة ليتسنّى لي ركلها في غرفة بيتنا الصغيرة أنا وياسر، ثم ليأتي معلمي صباحًا ويصرخ في وجهي "لمَ مزّقتَ دفاتركَ وكتبك؟! ويقف ويؤنّب بصوتٍ عالٍ "أم لأنّ كتبكم تحصلون عليها دون مقابل!".

ولقد ضِقتُ ذرعًا بهذه الكنزة الرمادية التي أرتديها كلّ يوم، وهذا الحذاء القديم الذي أحضرتْهُ لي أمّي معها بعد أن تصدّقت عليها صاحبة المنزل الذي تعمل عندهم!

أما كان الأجدى بها إن أرادت الصّدقة أن تعطيني حذاءًا جديدًا، فقد كان حديث معلّمنا البارحة عن الإحسان والصّدقة، كان حديثه جد ممتع، وأكثر ما أعجبني منه ما قاله عن "أنفقوا مما تحبون".

لِمَ هذا العالم متناقضٌ وغريب؟ هل لأنّني فلسطيني سأبقى ضحية الفقر والألم؟ هل لأنّني إبن مخيم أعيش في غرفتين متصدّعتين سأبقى بلا أمل؟

أين مجلّتكِ اللّعينة هذه التي كتبت عنّي؟ أين هؤلاء الذين يهتُفون بحقوق اللاجئ الفلسطيني منّي ومن فقري وجوعي وقلتي؟

وأين حقوق الإنسان هذه التي ضِقتُ ذرعًا بها، وأنا لا أجد منها أيّ شيءٍ يفرح قلبي!

============

«الحلقة السابعة» من سلسلة يوميات لاجئ

إنتظرت الصحفية عليّ لينهي كلامه، ثمّ أجابته: "هل أنهيت كلامك الآن؟، أريدك أن تسمعني دون أن تحاول مقاطعتي"..

إسمع يا علي ليس عيبًا أن تكون إنسانًا فقيرًا، أنظر إليّ فأنا فتاةٌ عشرينيّة وقد أنهيت دراستي الجامعية بتفوّق منذ عامين وها أنا أعمل في إحدى المجلاّت مقابل مبلغٍ زهيد، وأحاول جاهدةً أن أسلّط الضوء على جميع مشاكل مخيماتنا وبكافة الطرق، وهذا لا يعني أن أقدّم المساعدة الماديّة على طبقٍ من ذهب، بل إنّ مجرّد طرح هذه المشاكل أمام الناس هو بحدّ ذاته نوع من المساعدة".

وبثقةٍ قالت "خذني مثالاً يُحتذى به، نحن ثمانية أفراد نعيش في بيت واحد وجميعنا نعمل ونتعاون جاهدين لمواجهة متطلبات الحياة الكثيرة ولمساعدة أبانا الضرير وأمنا المقعدة! أنت يا علي ما زلت طفلاً أمام هذه الحياة، وبيديك ذكاؤك لتستثمره في علمك بعيدًا عن قيود الجهل والضياع".

وتحادث الإثنان طويلاً وتبادلا أطراف الحديث دون مللٍ أو كلل، وحدها فقط تلك الأمواج المتسارعة سمعت ما دار بين الإثنين ووحدها تلك الرمال الرطبة رسمت على وجهها أقدام طفل وأقدام شابة ينتظران الغد، ذلك الغد الممتزج مع قطرات شتاء خافتة.

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top