حقيقة الغُلو في المجتمع الفلسطيني رؤية شرعية وواقعية /الشيخ أبو ضياء.

21 آب/أغسطس 2017
(0 أصوات)

حقيقة الغُلو في المجتمع الفلسطيني
رؤية شرعية وواقعية 

بقلم :
الشيخ أبو ضياء.

مفهوم الغُلو وموقف الإسلام منه :
الغُلو هو تجاوز الحد في التمسك بأمر ما ، ويقال له : التشدد أو التنطع أو التطرف . قال ابن حَجَر1 والشاطبي 2 في تعريف الغُلو : " هو المبالغه في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد " . وهو ظاهرة موجودة في كل المجتمعات والأزمنة . قال تعالى : ﴿ يا أهل الكتب لا تَغْلُوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق،... ﴾3 . فهو موجود قديما عند أهل الكتاب " اليهود والنصارى " ، وموجود حاليا في جميع أنحاء العالم فهناك المسيحية المتطرفة واليهودية المتطرفة والبوذية المتطرفة ، واليمين المتطرف واليسار المتطرف .... ، كما هو موجود عند بعض المسلمين الذين أساؤوا فهم الدين الإسلامي واساؤوا تطبيقه كالخوارج وغيرهم من الفرق التي خرجت عن وسطية الإسلام . بل بعض الصحابة كاد أن يجنح للغلو بحسن نية رغبة في الورع وزيادة في الزهد ، لولا تدارك النبي صلى الله عليه وسلم للأمر بحزم ، والأمثلة كثيرة منها قصة النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالّوها – أي وجدوها عادية وليست في المستوى الذي توقعوه ، وربما ظنوا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم فوق الطبيعة البشرية أي كالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يَفْتُرون – فقالوا : إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، أما نحن فحتى يُغفر لنا وننجو من النار ، علينا أن ننقطع عن الدنيا ونتفرغ للعبادة ، فقال الأول: أما أنا فأصوم ولا أُفطر ، وقال الثاني : أما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الثالث : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم : فغضب وقال : " أما إني أتقاكم لله وأعلمكم به ، ولكنّي أصوم وأُفطر ، وأقوم الليل وأنام ، واتزوج النساء فمن رغب عن سُنتي فليس مني " 4 أي أن الغلو ليس من هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا من أخلاق أمّته، ومناف للفطرة السليمة والعقل الرشيد ومن منهج أهل السنّة والجماعة. وقال أيضا عليه الصلاة والسلام " إيّاكم والغُلو في الدّين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلُو في الدين5 …هلك المتنطعون "قالها ثلاثا6 .
قال النووي7 : ( أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وافعالهم ) 
إذاً الإسلام حارب الغلو ، إلا أن بعض النفوس تميل إلى التشدد بدعوى الإحتياط والورع في الدّين وفي المقابل هناك من يجنح إلى التراخي والتفريط بأحكام الدّين ، وخير الأمور الوسط ، قال تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطا ... ﴾ 8 وقال صلى الله عليه وسلم " يسرا ولا تعسرا ، بشرا ولا تنفرا " 9 وكان عليه الصلاة والسلام إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثما10 .
فعلى الشباب أن يعودوا إلى فهم أصول الدين وأحكامه وآدابه من أهل العلم المشهود لهم بالرسوخ في العلم والتخصص والورع والإعتدال ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " " يحمل هذا العِلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين "11 
****
الغلو في المجتمع الفلسطيني :
المجتمع الفلسطيني ليس بِدعا من المجتمعات البشرية ، ففيه المتشددون وفيه المعتدلون وفيه المقصّرون ، واعتقد أن السِمة الغالبة لمجتمعنا هي الوسطية والإعتدال – بإذن الله – والتعايش مع الآخرين ، والتعامل معهم بالعدل والإحسان ، فنحن ابناء الأرض المقدسة ، بلدنا المبارك هو مُهاجر الأنبياء عليهم السلام : إبراهيم ويعقوب وإسحاق في الخليل ولوط في أريحا ومهد المسيح عيسى بن مريم في بيت لحم ، و مَسرى النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم ومِعراجه إلى سِدرة المنتهى كما في سورتي الإسراء والنجم . أما الغلو والتقصير فهما ظاهرتان شاذتان عن المجتمع الفلسطيني المؤمن المسلم المُوَحِّد ، لا تمثلان إلا فئة قليلة ونادرة قياسا على عامة الشعب وغالبيته – ولله الحمد - . 
و في مخيمنا – عين الحلوة – هناك تضخيم إعلامي لظاهرة الغلو ، واستغلال أمني وسياسي لبعضها ، كما أن هناك جهات تصنع هذه الظاهرة وتغذيها وتمولها وتبرزها لأهداف مشبوهة منها تشويه الإسلام وإذكاء الصراع داخل المجتمع الفلسطيني في الشتات لتفجير المخيم وتدميره وتهجير أهله - وهو الذي يشكل عاصمة اللجوء وخزان الثورة والمقاومة ورمز العودة - ، أما المتفحص للحقيقة فإنه سيجد أن جمهور المتدينين في المخيم وغالبية الدعاة والحركات الإسلامية فيه ، تتبنى الفكر الإسلامي المعتدل وتلتقي مع المشروع الوطني الذي تحمله الفصائل الفلسطينية الأخرى ، والذي من أولوياته : حماية شعبنا وتوحيد الجهود وتوجيهها في مواجهة العدو الصهيوني ، ومع ذلك يظهر من وقت لآخر أفراد ومجموعات متأثرة بالأفكار المتشددة لأسباب منها محلية ومنها خارجية من أهمها : 
أسباب الغلو 
1 – الشعور بغُربة الإسلام و تعاليمة عن الحياة .
2– اضطهاد الحركات الإسلامية والشباب المسلم من الحكام والأجهزة الأمنية .
3 – الفساد الخُلقي وطغيان الحياة المادية.
4 – الأوضاع الاقتصادية السيئة : كالفقر ، البطالة ، الطبقية ...
5 - الأوضاع الاجتماعية المتردية : كالتفكك الأسري وإهمال الابوين أو القسوة في التربية.
6 – غياب الدور المؤثر للعلماء وانحراف بعضهم عن رساله الإسلام ووسطيته.
7 – شيوع الجهل بالدّين و الواقع وضعف الوعي السياسي والحس الأمني .
8 -عدم التصدي لشبهات الغلاة بالحُجة الشرعية .
9 – الإساءات الفاحشة والمتكررة للرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم والمقدسات من البعض في الغرب واللادينيين.
10- التخلف والتبعية والتغريب والعلمنة و التجزئة ومحاولات فرضها على عالمنا الإسلامي .
11- الاحتلال و الهزائم السياسية والعسكرية و المذابح الوحشية و الحروب ضد الإسلام والمسلمين في فلسطين والعراق والشام ومصر والبورما والبوسنة .....
12- تأثر بعض الشباب والمجموعات بالثقافة الدينية المتشددة لبعض الإتجاهات والمذاهب المتمسكة بظواهر النصوص والآراء الجامدة والتي ظهرت في ظروف معينة تاريخية ومحاولة تعميمها في كل مكان وزمان ، إلى جانب التأثر بأفكار بعض الجماعات الجهادية التي لا تراعي في طرحها وممارساتها آداب القتال في الإسلام وأحكامه الراجحة فيظهر الجهاد والمجاهدين بصورة متوحشة... إما بالعلاقة المباشرة ببعض هؤلاء الأفراد ... أو من خلال الكتب ووسائل التواصل والنت التي انتشرت بقوة في الآونة الأخيرة . 
وغير ذلك .
إضافة الى الأسباب النفسية الذاتية التي تدفع البعض إلى التطرف والغلو منها : 
1 – العزلة .
2 – الإكتمال قبل الأوان " حُدثاء الاسنان " قلة التجربة. 
3 – عقدة الشعور بالنقص أو الدونية.
4 –الإستعلاء أو التكبر ومنه التعالي على العلماء واتباع الجهال والأصاغر.
5 – العدوانية أو القسوة (الفاشية ) .
6 – الحقد وعدم التسامح .
7 – العنصرية أو العصبية .
8 – الشك و النظرية التآمرية .
9 – قوة العاطفة وقلة الحكمة.
10- المثالية ، والمبالغة في الطاعة والإنضباط .
11- الحساسية المفرطة .
12 –التشاؤم .
13- الجهل او ضعف العقل (سفهاء الأحلام ) .
14- الشجاعة مع التهور ...
العلاج 
أما العلاج المقترح لهكذا ظاهرة فيمكن إجماله بالآتي : 
1- نشرالعلم الشرعي واصول الاستنباط ( أصول الفقه ) والتركيز على التربية الربّانية السليمة المتكاملة.
2- تعزيز الوعي الفكري والسياسي بالقدر المناسب .
3- الارتباط بأهل العلم والصلاح الثقاة والمعتدلين .
4- قيام العلماء والدعاة والحركات و المؤسسات الدينية بواجبها في التوعية والإرشاد لا سيما للناشئة والشباب .
5- الإهتمام بالقضية الفلسطينية واعطاء الأولوية للصراع مع العدو الصهيوني واستثمار طاقات الشباب في الإعداد والمواجهة لنصرة فلسطين وتحرير بيت المقدس والقضاء على دولة الإحتلال الصهيوني وتحقيق وعد الله ، وعد الآخرة : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) الإسراء 7.
6- تعظيم حرمات الدماء والأعراض والأموال والتحذير من التوسع والتسرع في التكفير .
7- محاورة الغلاة بالحجة الشرعية والرد على شبهاتهم والتمييز بيان ضحايا الغلو وبين المندسين. 
8- مشاركة أصحاب الرأي والإختصاص من مثقفين وإعلاميين وخبراء في معالجة هذا المرض برفق دون استعداء المريض .
9- بيان سماحة الاسلام ويسره واعتداله ووسطيته في كل المجالات لا سيما القتال في سبيل الله ...دون تمييع او تفلت مع التأكيد على وحدة الأمة ونبذ الفرقة المذهبية .
10- الدعاء والتضرع إلى الله تعالى : فغَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنه كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاة :(اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من عَذَاب الْقَبْر وَأَعُوذ بك من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال وَأَعُوذ بك من فتْنَة الْمحيا وفتنة الْمَمَات اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من المأثم والمغرم) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ.
والله الموفق و الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين .

..............................................
1-فتح الباري 13/278.
2- الإعتصام 3/304.
3- النساء 171 .
4- رواه البخاري ومسلم .
5- رواه أحمد وغيره وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .
6- رواه مسلم وأحمد .
7- شرح مسلم 16 /220.
8- سورة البقرة 143 .
9- رواه البخاري وأحمد .
10- جزء من حديث مرفوع عن عائشة رضي الله عنها .. رواه البخاري ومسلم . 
11- رواه البيهقي في سننه.

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

racamp news

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 وعضو في مجموعة تواصل الاعلامية والاتحاد الدولي للمواقع الالكترونية والاتحاد الدولي للصحفيين العرب ومنتدي الاعلاميين الفلسطينيين في لبنان - قلم. 

شارك موقعنا على شبكات التواصل الاجتماعي

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top