تحية إلى بسام الشكعة الجبل الثالث في نابلس فلسطين // طلال سلمان

25 تموز/يوليو 2019
(0 أصوات)

شرف لي أن امنح هذه الفرصة لتوجيه تحية تقدير وإكبار إلى بسام الشكعة.

ان سيرة هذا المناضل العربي العريق تسكن وجدان جيل بل جيلين من أبناء الأمة، اعتز بأن أكون من بينهم، جنباً إلى جنب مع اسم المباركة فلسطين، حتى لكأن بسام الشكعة احد عناوينها المضيئة ماضياً وحاضراً.

ومع أن نابلس التي نعرفها باسم “جبل النار” قدمت أرتالاً من المجاهدين من اجل حماية الأرض المقدسة وناسها، فان بسام الشكعة يحتل مكانة مميزة في تاريخ النضال الوطني من اجل حماية فلسطين بهويتها الأصلية، بل ومن اجل تحرير الأمة العربية جميعاً، معتبراً أن الوحدة هي الطريق إلى الغد الأفضل.

والفتى الذي دخل ميدان الجهاد مبكراً، عبر الانضواء في صفوف جيش الإنقاذ وهو في السابعة عشرة من عمره، ما زال في الميدان لم يغادره يوماً… وهكذا نزل الى الشارع مع المتظاهرين في أواسط الخمسينات للمطالبة بطرد الجنرال غلوب باشا من قيادة الجيش الأردني لتحرير هذا الجيش من رأسه البريطاني. وكان طبيعياً أن يطارده النظام فلجأ إلى سوريا في لحظة انبلاج حلم الوحدة بقيام دولتها: الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر. ولقد مكث في دمشق خمس سنوات طويلة قبل أن يغادرها مغضباً لينسحب من حزب البعث العربي الاشتراكي احتجاجاً على ما اعتبره تواطؤاً مع خصوم الوحدة لإسقاط دولتها.

وجاءت الهزيمة، في 5 حزيران 1967، لتصدم بسام الشكعة كما صدمت ملايين الملايين في أرجاء الوطن العربي، لكنه سرعان ما نهض ليتابع نضاله ضد الاحتلال الإسرائيلي بالوسائل المتاحة. وهكذا انتخب رئيساً لبلدية “جبل النار” نابلس فحاول أن يعزز صمودها مع جوارها في وجه المحتلين ومشاريعهم الاستيطانية.

لم يغادر فلسطين إلا بعد عشر سنوات، وفي سياق جولة عربية لشرح الأوضاع فيها في محاولة لدعم صمود شعبها تحت الحصار.. وكان طبيعيا أن تعتقله سلطات الاحتلال اثر عودته، فكان رد الفعل مميزاً إذ هب رؤساء البلديات في مدن الضفة الغربية وغزة جميعاً يتضامنون معه، وقدموا استقالاتهم مؤكدين أنهم لن يتراجعوا عنها حتى الإفراج عنه.

بعد الاعتقال، وفي محاولة للتعويض عن الفشل في إسكات هذا الصوت العالي بنبرته الجهادية، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى محاولة لاغتيال بسام الشكعة بتفجير سيارته.. ولقد أدى الحادث إلى بتر ساقيه، فكان تعليق المناضل العريق متسقاً مع سيرته المميزة، اذ قال: شكراً، لقد قربوني من ارضي!

تماماً كما كان منسجماً مع تاريخه حين اعتقلت سلطات الاحتلال إحدى كريماته، وهي طالبة في المرحلة الثانوية، ورفض أن يتوسط لها واعتبرها كغيرها من الشابات والشبان المعتقلين، وقال: إن الاعتقال في إسرائيل شرف للشباب العربي.

قدر المناضل في “الداخل” أن يواجه المحتل بمختلف الأساليب السلمية المتاحة: التظاهرات، إعلان المواقف المؤكدة للصمود، مصارحة من يتاح لقاؤهم من الدبلوماسيين الأجانب بحقيقة الأوضاع، ثم العمل على تثبيت إيمان المؤمنين بقضيتهم خوفاً من أن يهتز نتيجة للمساومات التي جرت مع قيادة منظمة التحرير، والتي أفضت إلى اتفاق اوسلو (الحكم الذاتي) الذي كان لا بد أن يعارضه أي مناضل من اجل التحرير..

وهكذا تصدى بسام الشكعة مع نخبة من أهل الرأي والموقف لهذا الاتفاق، خصوصاً وقد رأى الاستيطان يتوسع ويتكاثف بعده، بشكل لم يسبق له مثيل: “فقبل دخول السلطة كان الاستيطان بطيئاً ويلقى مقاومة عنيفة، حتى أن شعبنا نجح في إيقاف بعض المستوطنات، وكانت إسرائيل تجري حسابات كثيرة قبل التجرؤ على بناء مستوطنة..أما بعد السلطة فالأرض تذوب، يومياً والمستوطنات تلتهم فلسطين”.

أما “إعلان الدولة الفلسطينية” فقد رأى فيه بسام الشكعة “آخر خطوات التآمر على القضية الفلسطينية” مؤكداً “أن العودة إلى المقاومة المسلحة هي البديل الوحيد لتعديل المسار الفلسطيني”.

الإنسان بأرضه، وابن المدينة التي يعرفها الفلسطينيون باسم “جبل النار” والتي يسميها البعض “دمشق الصغرى” لوجوه التشابه وصلات القربى بين أهلها وبين العائلات الدمشقية يواصل المعركة ضد المحتل، مستنداً الى إيمانه بالأمة… ربما لهذا كان بسام الشكعة يرى في دمشق دائماً “المركز” في النضال القومي… ولهذا لجأ إليها، بل وأقام فيها لفترة. ودمشق قد ردت بتكريمه، فقلده الرئيس الراحل حافظ الأسد وشاح أمية المرصع في 27-12-1980.

لا تحتاج “جبل النار” تعريفاً، فجهادها محفوظ في ذاكرة العرب جميعاً، وليس في ذاكرة الفلسطينيين فحسب… ثم ان أهلها الذين عرفوا بحب العلم، منذ القدم، قد حملوا معهم خبراتهم وعلومهم إلى بلدان اللجوء. وهكذا عرفت دمشق وبيروت وعمان أعلاما من آل طوقان وعبد الهادي وزعيتر والمصري والنمر ودروزه وحماد والخماش والسائح والقمحاوي وغيرهم.

ان بسام الشكعة هو “الجبل الثالث” في المدينة التي تقع بين جبلي جرزيم وعيبال.

والحقيقة انه عنوان نضالي للنابلسيين، وليس “المناضل الفرد” في المدينة التي اشتهرت بـ”جبل النار” لانها لم تستكن للاحتلال، ولم تستسلم عندما قرع بعض المتعبين جرس الانصراف للمناضلين.. بل أنها ما تزال تقاوم في الداخل، وما يزال أهلها بغالبيتهم يقاومون في الخارج، بما ملكت أيديهم. وما زال أهل جبل عامل في جنوب لبنان يستذكرون تظاهرة اختراق الحدود التي انتظم فيها العشرات من شباب فلسطين، يتصدرهم بعض أبناء نابلس.. وقد سقط من بينهم شهداء، في حين عاد آخرون جرحى، معتزين أنهم كحلوا عيونهم بمشهد أرضهم الطاهرة وكتبوا صك ملكيتها بدمائهم.

ختاماً، لا أجد ضرورة لان أوجه مع التحية إلى أبناء جبل النار” بعنوانهم الجهادي بسام الشكعة، رسالة توكيد أن العرب خارج فلسطين، وفي لبنان تحديداً، مازالوا على إيمانهم بحق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه… بل لعلهم قد ازدادوا إيمانا حين قدمت مقاومتهم المجاهدة المثل والمثال على أن مواجهة العدو الإسرائيلي ممكنة، وعلى أن النصر ليس مستحيلاً، وها هو الجنوب الذي حررته المقاومة بدماء مجاهديها، المعززين بالعلم وتضامن شعبها ودعم المؤمنين بقضية الحرية، يقدم البرهان الساطع.

لقد أعطى شعب فلسطين نموذجاً فذاً في النضال من اجل التحرر واستعادة أرضه بهويتها الأصلية.. وقدر عليه أن يواصل هذا النضال برغم المصاعب والمؤامرات والمناورات التي يقدم عليها “بعض أهله”.

ولن يتأخر انتصار هذا الشعب طويلاً، وفي صفوفه مجاهدون من أمثال بسام الشكعة ورفاقه الذين سبقوا إلى الشهادة، أو الذين ينتظرون وما غادروا الميدان وما بدلوا تبديلا.

تحية إلى فلسطين ومجاهديها ممثلين بأحد رموزهم المضيئة بسام الشكعة، والى اللقاء في رحاب هذه القضية التي تختصر الجهاد العربي جميعاً وفيها يكون النصر، ومن دونها سنظل أقواما شتى على قارعة التاريخ.

§ غيب الموت، قبل يومين، المناضل الكبير الذي لم تُقعده الاصابات والجروح الكثيرة التي نالها في ميدان الجهاد، بسام الشكعة.. الذي حاول اهالي “جبل النار” ـ نابلس ـ تعويضه (معنويا) بأن جعلوه رئيساً لبلديتهم وقدوة لهم جميعاً.

رحم الله هذا الشهيد العظيم، ولعل مما يطمئن أن شعب فلسطين ما زال يقاوم الاحتلال الاسرائيلي والخيانات العربية.

وسيكون بسام الشكعة راية جديدة من رايات النضال.

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

Twitter

Has no content to show!

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top