طباعة

عقد من الفشل في الشرق الاوسط // إسرائيل اليوم– بقلم دان شيفتن،

11 كانون2/يناير 2020
(0 أصوات)

 

إسرائيل اليوم– بقلم  دان شيفتن، بروفيسور رئيس البرنامج الدولي للامن القومي في جامعة حيفا  – 10/1/2020

​” المجتمع العربي فشل في التصدي لتحديات القرن العشرين والواحد والعشرين لانه تنقصه المرونة والانفتاح القادرين على التكيف مع التغييرات وتجنيد الطاقة البشرية الكامنة اللازمة لذلك “.

​ثلاث محاولات ثورية لتغيير وجه الشرق الاوسط فشلت في العقد الاخير: الربيع العربي، الهيمنة الايرانية والخلافة الاسلامية.  نقطة الانطلاق للمحاولات الثلاثة هي فشل الدول العربية. لقد حاول الربيع العربي اصلاح سلوكها، وتعمل الهيمنة الايرانية كي تسيطر عليها وتآمرت الخلافة الاسلامية لتحل محلها. والدافع الذي غذى الثورات لا يزال مشتعلا، ودوافع اخرى لذات الميول ستعود للظهور من جديد، ولكن اخفاقات هذا العقد خلفت صدمة لمن احدثها ولحاضر المنطقة بأسرها.

​فشل الدول العربية مدوٍ. معظمها خرجت في منطقة القرن الماضي بعد حكم عثماني طويل وجيل من السيطرة الغربية الى استقلال سيادي، وتكاد كلها تترنح على شفا الدولة الفاشلة. وحتى النجاحات النسبية في الخليج تنطوي على مشكلة بنيوية لاقلية ذات حقوق محلية تقوم على اساس استغلال قوة العمل الاجنبية. والفشل ليس  فقط سياسيا واقتصاديا، بل ان المجتمع لا يؤدي مهامه جيدا. والتفسير للفشل هو ثقافي. يدور الحديث عن تنوع كبير من الدول: صغيرة وكبيرة؛ مكتظة وكبيرة؛ مكتظة وقليلة السكان؛ فقيرة وغنية؛ مع وبدون نفط؛ تلك التي كانت تحت الحكم الاستعماري، تلك (وعلى رأسها السعودية) التي لم تشهد ذلك وهذه التي ضمت الى دولة الام الاوروبية (الجزائر)؛ ملكية وجمهورية؛ تلك التي شهدت ولم تشهد الدكتاتورية العسكرية؛ دول وصفت “بالعلمانية” وتلك التي تبنت ظاهرا الشريعة؛ مؤيدة للغرب، مؤيدة للشرق، وتلك التي غيرت ميلها العالمي في عهد الحرب الباردة؛ انظمة مستقرة نسبيا مقابل تغييرات متواترة في الحكم. القاسم المشترك هو جملة من الثقافة السياسية العربية والفشل المتواصل والمثبت.

​ميزة هامة وباعثة على الاكتئاب في هذا الوضع هي الاعتراف العميق في اوساط دوائر واسعة وهامة من العرب أنفسهم بشدة فشلهم. ظاهرا، هذه خطوة اولى للاصلاح وللانتعاش، غير أنه رغم هذا الاعتراف بل وحتى رغم التشخيص السليم لمصدر الفشل، لا يوجد في التيار المركزي للمجتمع العربي استعداد لعمل ما يلزم لاجل الخلاص منه. وتتركز المشكلة في غياب تعددية وانفتاح في كل مجالات الحياة – من العائلة النووية ومكانة المرأة، عبر الخطاب الجماهيري والعلم وحتى الانظمة السياسية. لقد فشل المجتمع العربي في التصدي لتحديات القرن العشرين والواحد والعشرين كونه تنقصه المرونة والانفتاح اللذين يسمحان بالتكيف مع التغييرات وتجنيد الطاقة البشرية الكامنة اللازمة لذلك.

انقلاب خلق واقعا اصعب

​المفكرون المتنوعون في هذا المجتمع، بل وحتى بعض من حكامه، يعرفون ان هناك حاجة الى بنى اجتماعية وسياسية اكثر انفتاحا، ولكن في لحظة الحقيقة فان التيار المركزي في المجتمع ليس مستعدا لتبنيها. بدلا من التصدي للاخفاقات والتجند لجهد بناء لبناء امة ومجتمع، يدمنون على المعاذير حول ذنب الاستعمار، العولمة، الاحتلال، العنصرية وانعدام العدالة العالمية. وهم يستعينون بادمانهم بجملة من الصحافيين، الشخصيات “التقدمية” و “الخبراء” من الاكاديمية الغربية ممن تعلموا من ادوارد سعيد بان “ضحية” الاستعمار الغربي معفي الى الابد من المسؤولية عن افعاله وقصوراته. وحتى المراقبين الاقل جمودا من اولئك حصروا انتقادهم بـ “الحكام”، مع التشديد على “دمى الامبريالية الامريكية”.

​لقد دحض فشل الربيع العربي المعاذير. تبين أنه حتى عندما يعترف الجمهور بفشل المنظومة السياسية، ويتجرأ على الثوران ضد حكامه وينجح في اسقاطهم، لا يرفع من اوساطه بديلا تعدديا اكثر. وتكمن المشكلة في الثقافة السياسية التي تبناها التيار المركزي. هي التي فرضت في الدولة العربية الاكبر، الاكثر استقرارا واهمية، الاختيار بين الدكتاتورية العسكرية المتشددة وبين الحكم القمعي لـ “الاخوان المسلمين” الاسوأ بكثير حتى منها، حين اندحرت القوة الاكثر تعددية التي حمست الغرب في ميدان التحرير الى الهوامش غير ذات الصلة. هي التي نجحت في أن تخلق في ليبيا واقعا اصعب حتى من الحكم القمعي والمجنون لمعمر القذافي واثارت الحرب الاهلية في اليمن. هي التي طرحت في الحرب الاهلية الوحشية في سوريا الاختيار بين دكتاتور بربري ما وبين جملة محافل ارهابية سائبة اخرى. وعلى الحاكم الفرد المسؤول والمعتدل نسبيا في الاردن تهدد محافل الـ “الاخوان” الاسوأ منه بلا قياس من حث قمع حريات الفرد.

​في لبنان انعكس الميل المرغوب فيه لمنح وزن أكبر في الحكم للطائفة الشيعية الكبيرة المظلومة في سيطرة حزب الله وفي التهديد الذي يطرحه، بخدمة ايران، على مجرد بقائه كدولة تؤدي وظائفها. وحتى في تونس يتعلق النجاح الهش  لمحاولة التحول الديمقراطي الوحيدة للربيع العربي بالنية الطيبة لتنظيم “الاخوان” الذي هو مناهض للديمقراطية في اساسه. باختصار – في المراكز الهامة للعالم العربي، المجتمع اسوأ حتى من حكامه الفاشلين.

استقرار لانعدام الاستقرار

​لقد أجادت ايران في الفهم بان فشل وبؤس الدول العربية يعرضان عليها فرصة رائعة لاقامة هيمنة اقليمية على خرائبها. وقد عملت في العقد المنصرم بشكل نشط وذكي كي تثبت وجودها في العراق، في سوريا، في لبنان وفي اليمن على فرض مسنود بانه في اعقاب هذه الدول ستسقط في  ايديها محافل اخرى كثمار ناضجة.

​على محاولات اسرائيل منع ذلك بالقوة اعتزمت ايران التغلب من خلال خليط من الحصانة النووية وتهديد مئات الاف الصواريخ قرب اسرائيل على التجمعات السكانية وبناها التحتية المدنية والعسكرية. اما المقاومة الامريكية فقد نجحت ايران في تحييدها في اتفاق مع الرئيس الامريكي الذي لم يفهم خطورة تهديد الهيمنة الاقليمية، ورأى في ايران حليفة استراتيجية محتملة. وجاء تغيير الادارة في واشنطن ليغير من الاساس مكانة ايران. قدرتها الاقتصادية للسعي الى الهيمنة تضررت بشدة، اسرائيل تنجح، باسناد امريكي، في التشويش على خططها في سوريا، والدول السنية في المنطقة ترتبط بالولايات المتحدة واسرائيل في محاولة للجمها.

​يشرح فشل الدول العربية ايضا صعود الخلافة الاسلامية. كثيرون في المنطقة وخارجها  ممن سعوا الى استعادة مجد الماضي الاسلامي ولم يفهموا الاسباب العميقة الثقافية للفشل العربي، عزوه الى الابتعاد عن انظمة الشريعة. ومنحهم الفشل  العربي  الذريعة لاقامة الخلافة، والفرصة للسيطرة على مناطق واسعة فقدت الدول الفاشلة سيطرتها السيادية فيها. وسرعان ما يتبين أنه لا يكفي هذا الخليط من التزمت الديني، القمع الوحشي للسكان والمسرح الاعلامي للسلوك البربري من اجل التصدي للقوى الاقليمية والغربية التي هددها داعش.

​توقعان  يمكن ان نطرحهما بثقة للعقد القادم: الخلاص للفشل العربي لا يبدو في  الافق، والنظام في ايران سيواصل تهديد المنطقة  طالما بقي  في  طهران.  عدم ا لاستقرار الاقليمي – مضمون.

 

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

الموقع : racamp@live.com

جديد موقع مخيم الرشيدية