تحت سماء البحر المتوسط : آفاق لتعميق العلاقات الاسرائيلية – المصرية  

22 كانون2/يناير 2020
(0 أصوات)

 

معهد دراسات الامن القومي (INSS) – بقلم  أوفير فنتر – 21/1/2020

” تتشارك اسرائيل مع دول البحر المتوسط في مصالح تتجاوز الغاز. ولما كانت مصر رائدة في هذا المجال على اسرائيل أن تبحث عن السبل باللحاق بها ومشاركتها وتنمية ثقافة بحر متوسط تجمعها مع باقي الدول المحيط به “.

في 12- 17 كانون الاول 2019 انعقد في شرم الشيخ “منتدى الشباب العالمي” برعاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وبمشاركة نحو 7 الاف شاب من أرجاء العالم. وكان الموضوع الذي تركزت عليه مداولات المنتدى، والذي  تعقده مصر للسنة الثالثة على التوالي، توثيق التعاون بين دول البحر المتوسط في جملة من المجالات وعلى رأسها الطاقة، العمل، المناخ، العلوم، الهجرة غير الشرعية ومكافحة الارهاب. وتكرست جلسات المنتدى سواء للمصالح الملموسة لدول البحر المتوسط أم للجوانب الاكثر “رقة” بما فيها القواسم المشتركة التي تربط بين الشعوب التي تسكن شواطئه. وعكس جدول أعمال المنتدى الارتفاع الكبير الذي طرأ في السنوات الاخيرة على مكانة البحر المتوسط في سياسة الخارجية والامن والاقتصاد المصرية، ومحاولتها التموضع كدولة محور رائدة في المنطقة. 

ذكرت اسرائيل في المنتدى كشريك حيوي في صفقات الغاز مع مصر وكعضو كامل الى جانبها في منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط والذي تأسس في القاهرة في كانون الثاني 2019 بمشاركة قبرص، اليونان، ايطاليا، الاردن والسلطة الفلسطينية. ومع ذلك بقي دور اسرائيل هامشيا في مواضيع البحر المتوسط التي تخرج عن مجال الغاز، وبالتالي عليها أن تبلور سياسة بحر متوسط عامة تسمح لها باستنفاد مزيد من الفرص لتطوير علاقاتها مع مصر في حوض البحر المتوسط. 

مصر كـ “دولة بحر متوسط”

تعزو مصر للبحر المتوسط اهمية متزايدة في السنوات الاخيرة في ضوء ثلاثة تطورات أساسية: أولا، اكتشاف حقل الغاز “زوهر” الذي يوفر معظم احتياجات مصر في مجال الغاز؛ ثانية، اقامة منتدى الغاز في البحر المتوسط في كانون الثاني 2019 والذي يشق الطريق لجعل مصر مفترق الطاقة الاقليمي، ومن اهدافه اقامة سوق للغاز في الاقليم، تنمية المقدرات والبنى التحتية وتعميق التنسيق والحوار بين دول الاعضاء. في المؤتمر الثالثة لوزراء منتدى الغاز والذي انعقد في 16 كانون الثاني 2020 في القاهرة تقرر العمل على تطوير مكانة المنتدى الى منظمة دولية حكومية، طلبت فرنسا الانضمام اليه كعضو عادي اما الولايات المتحدة فكعضو مراقب دائم؛ ثالثا، التهديد الذي تشكله تركيا على تقدم التعاون الاقليمي في مجال الغاز بسبب رفضها الاعتراف بالحدود البحرية لقبرص. وتعظم التوتر بين القاهرة وانقرة منذ تشرين الثاني 2019 عقب اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعته تركيا مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا. 

في عدد نشره “المركز المصري للبحوث الاستراتيجية” على شرف منتدى الشباب الدولي اشير الى أن مكتشفات الغاز في شرق البحر المتوسط تخلق دينامية اقليمية جديدة، تتضمن اقامة كتل اقتصادية، علاقات متعددة الاطراف، احلاف واحلاف مضادة. كما شرح بان مصر تعرض على اسرائيل وقبرص البديل الاقل كلفة لتصدير الغاز الى  اوروبا واسواق اخرى بفضل شبكات تسييل وتسيير الغاز التي لديها، والتي يمكن توسيعها بكلفة متدنية نسبيا عند الحاجة. مصر، من جهتها، معنية بان تجترف نصيبا من الارباح وتعزز مكانتها الاستراتيجية كمفترق تصدير الغاز الى اوروبا. 

في اثناء منتدى الشباب العالمي أجريت تجربة من اتحاد دول البحر المتوسط، وهي منظمة حكومية تضم 43 دولة (بينها اسرائيل) هدفها تحقيق الحوار والتعاون في البحر المتوسط، ويترأسها منذ 2018 الدبلوماسي المصري ناصر كامل. وبحث المشاركون في التجربة في طرق التصدي لازمة التشغيل في المنطقة، التي 12.5 في المئة من سكانها عاطلون عن العمل (معظمهم شبان من بلدان جنوب البحر المتوسط) ولتحديات بيئية تتضمن ارتفاع درجات الحرارة بنحو 20 في المئة عن المتوسط العالمي. وأبلغ الرئيس السيسي الجلسة النهائية للتجربة عن نية مصر ترميم البحيرات الخمسة الواقعة على طول شواطئها الشمالية. كما أعلن عن خطة لتنمية منطقة “اوروبا – البحر المتوسط” للتعليم العالي في مدينة العلمين الجديدة، التي تبنى غربي الاسكندية ويفترض أن تضم نحو ثلاثة ملايين نسمة. كما يخطط في المدينة لمشاريع تكنولوجية وسياحية وكذا مشروع لتشجيع رجال الاعمال برقابة منظمة اتحاد دول البحر المتوسط وفي 2021 سيعقد فيها منتدى للشباب من دول البحر المتوسط. 

تحدٍ اقليمي آخر بحثه منتدى الشباب العالمي هو الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط. شددت مصر على نجاحها في منع عبور المهاجرين غير الشرعيين من اراضيها الى اوروبا منذ  2016. وبالتوازي زعم ان ثمة حاجة الى تشديد اواصر التعاون بين دول جنوب البحر المتوسط “الشابة” (نحو 60 في المئة من سكانها دون سن 30) الى دول شمال البحر المتوسط – “الشائخة”، بهدف خلق جواب على احتياجات سوق العمل في المنطقة. في نظر مصر، يتضمن الجواب ترتيب الهجرة القانونية من دول جنوب البحر المتوسط الى اوروبا، الى جانب تعزيز امن واستقرار دول جنوب البحر المتوسط بشكل يسهل عليها اجتذاب الاستثمارات وخلق اماكن عمل في نطاقها. 

تعمل مصر في السنوات الاخيرة على بناء “هوية البحر المتوسط” التي تعرض على الجيل المصري الشاب كأحد العواميد الفقرية لـ “الشخصية المصرية”. وفي المعرض الذي نظم على  هوامش منتدى الشباب العالمي، وجد عرض لثقافة البحر المتوسط، كتب الى جانبه أن الاتصالات التي اجرتها مصر على مدى التاريخ مع 21 دولة للبحر المتوسط في ثلاث قارات – في مواضيع التجارة، الفكر، الفن والعمارة، صممت صورتها. وتتوجت الاسكندرية في بداية المنتدى كمدينة “تضم ذكريات مصر، اليونان والرومان”، وكرمز للحلف المتواصل بين مصر واوروبا. 

ان تطوير هوية البحر المتوسط يعبر عن رغبة مصر في أن تبث الى الداخل والى الخارج فكرة اقليمية تكون برنامجا لتعظيم التفاعل في البحر المتوسط وتوسيع تصنيفها من مربض اقتصادي الى مربض ثقاقي –نقطة لقاء بيني القارات، الدول، الاديان والحضارات. في المنتدى نفسه بحثت الاساسات الثقافية والتاريخية التي تجعل البحر المتوسط “منطقة” وشعبها “جماعة”. وفي هذا السياق روت وزيرة ا لدولة المصرية لشؤون الهجرة، نبيلة مكرم عن “اسبوع احياء الجذور”، وهي مبادرة حكومية في اطارها دعي الى الاسكندرية في العام 2018 ما مجموعة 140 من أنسال العائلات اليونانية والقبرصية التي كانت تعيش في الماضي في مصر وترغب في الارتباط بها من جديد. 

معانٍ وتوصيات لاسرائيل

اسرائيل لا تغيب عن حوار البحر المتوسط الذي تعمل عليه مصر، ولكن مكانها بقي حتى الان هامشيا في المواضيع التي تخرج عن المصالح الاقتصادية في مجال الغاز. في النظرة المصرية، في قلب التعاون الاوسطي يوجد المثلث – مصر، اليونان وقبرص، في  الوقت الذي تشكل فيه اسرائيل شريكا ثانويا محدود ومضبوط الدور. وفي نشرة اصدرها المركز المصري للبحوث الاستراتيجية يتضح أن اسرائيل لا يمكنها أن تشارك في المناورات العسكرية الدورية التي تجريها مصر، اليونان وقبرص رغم أنها تشارك الثلاثة فكرا أمنيا مشابها، وألمح الى أن تواجدها يجعل تطوير اوجه التعاون متعدد الاطراف وتحويله الى “حلف” صعبا.

رغم التحفظات السياسية التقليدية التي ترافق علاقات الدول يوفر البحر المتوسط لاسرائيل سلسلة فرص جديدة لتعميق علاقاتها مع مصر: أولا، عليها أن تواصل العمل على توسيه مظاهر التعاون مع مصر في مجال الغاز والطاقة عبر تطوير المقدرات والشبكات، التنسيق الثنائي والمتعدد في اطار منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط وتشجيع الحوار المهني بين المحافل الحكومية، الشركات والخبراء من الطرفين. ان التحقق الحالي لصفقة الغاز والدعوة التي بعثت بها اسرائيل لمصر للانضمام اليها، الى اليونان والى قبرص في اقامة انبوب  الغاز الى اوروبا، هي خطوات في الاتجاه الصحيح لتثبيت مكانة قطاع الطاقة كجهة استقرار وتقريب في العلاقات بين الدولتين بشكل خاص وفي الجغرافية السياسية الاقليمية بشكل عام. 

ثانيا، على اسرائيل أن تبلور سياسة للبحر المتوسط تتضمن التطلع لتوسيع طيف المصالح المشتركة مع مصر ودول اخرى الى ما أبعد من مجال الغاز. لهذا الغرض عليها أن تفحص امكانية توفير القدرات الاسرائيلية في صالح مواضيع تتعلق بالبحر المتوسط مثل البيئة، الطاقة المتجددة، تحلية المياه، الاستعداد للطوارىء، التعليم، العلوم والتشغيل. ويمكن لمنظمة اتحاد دول البحر المتوسط ان تشكل اطارا مناسبا لانخراط اسرائيلي في مشاريع اقليمية من هذا القبيل، وعلى اسرائيل أن تفكر في تخصيص مقدرات وقوى بشرية اكبر لتعزيز نفوذها في اطار المنظمة (منذ 2016 اختارت اسرائيل لاعتبارات مالية الا تعين مندوبا عنها في مقر الاتحاد في برشلونة).

ثالثا، اسرائيل – مثل  مصر – يمكنها أن تستمد منفعة من تطوير هوية البحر المتوسط، تشدد على قواسم مشتركة مع دول المنطقة وقيم الانفتاح المتبادل، التسامح وقبول الاخر. بوسعها أن تعمل على تشجيع العلاقات المتبادلة بين شعوب البحر المتوسط، لقاءات الشبيبة والتبادل الثقافي التي تساهم في تصميم فكرة “المنطقة المشتركة” وتساعد على انخراطها في المجال. اسرائيل ومصر، من جهتهما، يمكنهما أن تفكرا بتطوير مبادرة بروح “اسبوع احياء الجذور” بمشاركة انسال الطائفة اليهودية في الاسكندرية، التي بلغ عددها في لحظات الذروة 40 الف نسمة. وترميم كنيست “النبي الياهو” في الاسكندرية من قبل الحكومة المصرية، والذي فتح هذا الشهر امام الزوار، يشكل هو أيضا مثالا باعثا على الالهام لكونية “اوسطية” ولاحتمال ترجمتها الى سياسة جديدة على الارض. 

 

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

الموقع : racamp@live.com

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top