هل تستطيع الفصائل الفلسطينية إفشال "صفقة القرن" // عبد معروف

14 شباط/فبراير 2020
(0 أصوات)


تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية ، الطرف الأشد عداوية وعدوانية تجاه الشعب الفلسطيني، اولا ، لأنها القوة الرئيسية المساندة للكيان الصهيوني ، وعملت وتعمل على دعمه بأنواع الأسلحة والمال ، والسياسة ، وفي الأروقة الدبلوماسية ، وتقف أمام أي محاولة لإدانة أعماله العدوانية في الأراضي العربية عامة والفلسطينية خاصة .
ثانيا، لأن الولايات المتحدة الأمريكية ، تنهب ثروات الشعوب العربية التي يمكن لها أن تساهم في دعم الشعب الفلسطيني ، وتساهم في تطورها وتقدمها وتصنيعها وانتاجها.
ثالثا، لأن الولايات المتحدة تدعم نظم الفساد والقمع والاستبداد في الوطن العربي .
رابعا ، لأنها تدعم قوى الارهاب والتطرف الديني في محاولة لتشويه الثورات الشعبية وحرفها عن مسارها باتجاه التخويف والترهيب وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية .
وقد أثبتت تجارب العقود الماضية ، خلال سنوات انفجار الصراع ، أن الولايات المتحدة ناصرت الكيان الصهيوني وقدمت له الدعم العسكري والمادي والتقني ، وفي سنوات المفاوضات مع الأطراف العربية ، أثبتت واشنطن منذ مؤتمر مدريد ، أنها ليست طرفا عادلا ونزيها في عملية التسوية وكانت دائما إلى جانب الاحتلال ، وتساند شروطه وتمارس الضغط على الأطراف العربية ومنها الفلسطينية لتقديم التنازلات .
لذلك ، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعمل ولا تتحرك ولا تطرح المشاريع ، إلا لمصلحة الكيان الاسرائيلي ، وبالتالي هي في مقدمة القوى المعادية للفلسطينيين ، وقضيتهم ، وتعمل بكل قوتها من أجل تصفية قضيتهم الوطنية ، ولا يمكن اعتبار الإدارة الأمريكية داعما لما أطلق عليها مسيرة السلام والمفاوضات على المسارات الاسرائيلية مع الدول العربية ومع الطرف الفلسطيني .
ولهذا فإن أي طرح أمريكي أو أي مشروع ومخطط أمريكي للتسوية على المسار الفلسطيني ، سيكون حتما مشروعا لمصلحة الكيان الصهيوني ، ويؤدي حتما إلى تصفية القضية الفلسطينية .
كما أثبتت تجارب الصراعات والحروب ومشاريع التسوية والمفاوضات أن الحكومة الاسرائيلية لا تريد السلام ولا تعمل من اجل التسوية ، ولم تتقدم خطوات جادة من اجل ما اطلق عليه السلام العادل والشامل استنادا لقرارات الشرعية الدولية التي كان يأمل بها الطرف الفلسطيني .
فالتجربة ، وبمنطق بنية الاحتلال ، يمكن التأكيد على أن هذا العدو لا يريد السلام ولا يعمل من أجل السلام وليس في بنيته ما يشير إلى أنه طرف يرغب بالسلام كما ترغب أو تعمل من أجله القيادة الرسمية الفلسطينية .
ولأن القيادة الفلسطينية كانت صادقة في مسار المفاوضات، لعدم إيمانها أو عدم قدرتها العسكرية في ظل المحيط العربي والدولي المأزوم ، فقط تخلت القيادة الفلسطينية عن الكثير من أوراق القوة وتراجعت في بنيتها كمقاومة عسكرية لمصلحة"السلام خيارا استراتيجيا".
وعملت القيادة الفلسطينية خلال العقود الماضية من اجل إثبات صدق نواياها اتجاه السلام مع الاحتلال ، من أجل كسب الرأي العام الدولي ، وإثبات للعالم أن الاحتلال هو الطرف الذي لا يريد السلام .
وبعد عقود ، من حلم السلام ، وتحويل معظم بنية الفصائل الفلسطينية (بما فيها بنية بقايا اليسار أو من ادعى أنه سيستمر بالمقاومة )، إلى بنية من المؤسسات الوظيفية والانشغال والخلاف حول استلام السلطة ، جاءت صفقة القرن من الرئيس الأمريكي رونالد ترامب كنتيجة طبيعية لمسار طويل من الرهان على السلام مع الاحتلال الاسرائيلي برعاية أمريكية.
وأعلن الرئيس محمود عباس صراحة ، أن سلطات الاحتلال الاسرائيلي لا تريد السلام وأوصلت مسار التسوية إلى طريق مسدود ، وبالتالي فإن تل أبيب لم تعد طرفا في عملية السلام على المسار الفلسطيني ، وأعلن الرئيس محمد عباس أن الولايات الأمريكية لم تعد طرفا نزيها في عملية المفاوضات ولم يعد يوافق على رعايتها وحدها للعملية السلمية .
وهذا يعني أن القضية الفلسطينية أصبحت أمام مرحلة جديدة ، وعليها اتباع سياسة جديدة تقوم على أن إسرائيل لا تريد السلام ، وأن رعاية التسوية يجب أن تكون رباعية ، وهذا يتطلب منهجا جديدا في العمل والتحرك من أجل التمسك بالثوابت والاستمرار بالنضال الفلسطيني حتى تحقيق الأهداف المشروعة وإفشال مشروع صفقة القرن الذي سيؤدي حتما إلى تصفية القضية الفلسطينية ، او يشكل الخطوة الأخيرة لتصفيتها في حال كانت جادة .
وهذا أيضا يتطلب سياسة فلسطينية رسمية جديدة وفريق عمل جديد وبنية جديدة تعمل من أجل وضع برنامج العمل لتنفيذ مشروع النضال الفلسطيني القائم على المقاومة الشعبية ، والتحرك الدبلوماسي اتجاه المجتمع الدولي .
هذا برنامج السلطة الفلسطينية الرسمية ، في مواجهة صفقة القرن واستمرار التحرك الفلسطيني من أجل سلام أعربت عن أملها بأن يكون عادلا وشاملا .
هو برنامج السلطة السياسية الفلسطينية ، التي ارتبطت منذ العام 1993 بالاتفاقيات والقرارات والاعلانات ، لكن يبقى الرهان اليوم على الفصائل الفلسطينية أيضا ، تلك الفصائل وبدون استثناء ، التي لم ترتبط ولم توقع ولم تبدد في برامجها السياسية وشعاراتها "النضالية" رغم ترهلها وضعف بنيتها وارتهان العديد منها إلى أطراف خارجية .
القضية الفلسطينية اليوم ، امام منعطف خطير ، منعطف ليس بسبب عدوان عسكري ، أو بسبب مشروع سياسي يساهم في إضعافها ، بل لأنها أمام مشروع تصفيتها ، فما هو دور الفصائل الفلسطينية في مواجهة صفقة القرن ، والاستمرار بالنضال الفلسطيني .
من المفروض أن يكون دورها ثوري ، أي تعزيز دورها النضالي وتأهيل نفسها وتغيير بنيتها ، والعمل على وضع البرامج والمشاريع النضالية استنادا إلى أن هذا العدو لا يريد السلام ، ولا يفهم إلا لغة الثورة والمقاومة .
فهل باستطاعت الفصائل ذلك ؟
من الواضح أن الفصائل الفلسطينية مأزومة ، ووصلت إلى مرحلة لم يعد في مقدورها حماية الشعب والقضية ولم يعد باستطاعتها حتى المحافظة على نفسها .
فزيارة مكاتب الفصائل والاجتماع مع قياداتها تشير بوضوح إلى أنها تعيش في وضع لا تحسد عليه ، وهي ليست مكاتب لقوى قادرة على صنع التغيير وإفشال صفقة القرن.
كما أن أوضاع الشعب الفلسطيني ليست أفضل حالا ، فالوضع الاجتماعي والتربوي والاقتصادي والنفسي يدعو الى القلق ، وانتشار المخدرات بصورة غير مسبوقة ، وتراجع مستوى الثقافة والوعي والمستوى التعليمي لا يشير إلى أن هناك قدرة على المواجهة ، وترامب ومن خلفه الامبرياليات العالمية وسلطات الاحتلال تعلم كل ذلك ، لهذا لا يمكن المراهنة على بنية الفصائل الفلسطينية الحالية بأنها ستواجه صفقة القرن والتحديات التي تواجهها القضية ، لكن الثورة ضرورة ، والمواجهة حتمية ، والخطر القادم ينذر بالخطر الشديد ، ولم يبق أمام الشعب الفلسطيني إلا خيار واحد ، هو خيار الثورة ، ثورة تقوم على مقاومة الاحتلال الاسرائيلي ، وتقوم على الثقة بقدرة الشعب والعمل على تنظيمه ورفع مستوى وعيه والدفاع عن مصالحه وإخراجه من نفق اليأس والاحباط الذي يمر به ، ثورة تعيد القضية الفلسطينية إلى مسارها الطبيعي ، أن فلسطين من النهر إلى البحر ، ولا يمكن تحرير الأرض إلا بالكفاح الشعبي المسلح . هذا الاتجاه يعيد للشعب الفلسطيني ثقته وقوته وعزته .
وإذا كان من مصلحة الشعب الفلسطيني اليوم ، هو إفشال صفقة القرن والمحافظة على قضيته الوطنية ، فإن السبيل الوحيد لذلك هو الثورة والتغيير ، هنا يأتي السؤال ، هل في مقدور الفصائل الفلسطينية جميعا ، استعادة حيويتها ودورها ؟ هل يمكن للفصائل التي نامت على حرير العجز والسلام أن تنهض وتصنع الثورة ؟
الشعب الفلسطيني شعب عظيم ، ولديه القدرات والطاقات وأثبتت تجارب التاريخ أن باستطاعته أن يقدم التضحيات من أجل وطنه وقضيته ، لكن الشعب يبحث عن قيادات صادقة ، والأمر لا يعالج بتنظيم مسيرات واعتصامات ، ولا حشود في الساحات والزيارات المتبادلة والتصويرات واصدار البيانات والخطابات ، هذا كله مفيد في إطار عملية متكاملة لمواجهة صفقة القرن والاستمرار بالنضال ، وليس أن تقتصر العملية النضالية على تحركات لا تسمن ولا تغني من جوع .
وإذا كانت فلسطين أرض عربية وتحريرها مهمة كل العرب ، فإن مهمة الفلسطينيين هي وضع قضيتهم في إطارها العربي ، وربط القضية بالمسار النضال العربي العام الذي يؤدي إلى بناء العدالة الاجتماعية وضرب بؤر الفساد والاستبداد .
هذه ليست شعارات فضفاضة خارج منطق التاريخ ، انه مسار التاريخ دون وهم .. فطريق فلسطين هو طريق الثورة التي أطلقتها حركة فتح عام 1965 وسقط من أجلها الشهداء، ورغم الانشقاقات والتفتتات التي أصابت الحركة تحت شعارات استمرار الكفاح المسلح والتمسك بالسلاح ، إلا أن المنشقين الذين انفصلوا عن القيادة الرسمية لحركة فتح أوهموا الشعب بصدقيتهم، ولم يستطيعوا الاستمرار بالشعارات التي أطلقت ولم يحققوا من شعاراتهم إلا الوهم.
اليوم على الشعب الفلسطيني والنخب الفلسطينية الصادقة أن تبحث سريعا عن مسار النضال الوطني في المرحلة القادمة ، فالقارب الذي يركبون به جميعا مهدد بالغرق .

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

الموقع : racamp@live.com

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top