جدران المخيم .. تخفي أسرار النساء // حنان مطير

09 كانون1/ديسمبر 2019
(0 أصوات)

جدران المخيم .. تخفي أسرار النساء

عدسة وقلم/ حنان مطير


كانت ليلةً بلا قمر، غمرت الظلمةُ البيوتَ والشوارعَ الضيّقة في مخيم جباليا شمال قطاع غزّة، فتدفّق الأطفال لبيوتهم بملل، وبدأت حكايات أهل المخيّم تُروَى على أضواء الشموع والبطاريات الخافتة، فخطوط التيار الكهربائي مقطوعة كالعادة.

حكاية الوجع مغلفة بالأمل ترويها الجدّة أم إبراهيم جاد الله قبل النوم لحفيديها زكي وبسمة اللذان يعيشان بعيدان عن أمهما المُطلَّقة " لم تحتمل زوجةُ ابني العيش في بيتٍ ينقصه الكثير من الضروريات فنشبت الخلافات مرارًا والتي انتهت بطلاقِها" أم إبراهيم تروي بأسف.

في غرفة الجدّة، الغرفة الوحيدة المضاءة بضوء البطارية الضعيف في البيت والذي لا تزيد مساحته على 60 مترًا ؛ ينصت الصغيران بشغفٍ لخُرافة الفقيرين وحيد ووحيدة على لسان جدّتهما التي كثيرًا ما غطّت في نومٍ عميق قبل أن يَغْفُوا.

تقول :" إنهما لا يملان من الاستماع للقصص فما إن أنتهي من قصة حتى يطلبان أخرى، فأحرص على أن أوصل لهما رسائل الأخلاق بين ثناياها، وأهمها القناعة والرضا، والصبر على الفقر لحين الفرج".

فلطالما خرج زكي إلى مدرسته التابعة لوكالة الغوث باكيًا شاكيًا لجدّته والدَه الذي لم يفلح في توفير مصروف المدرسة "شيكل واحد"، فتَعِدُه أنها هي من ستعطيه مصروفَه حين تطلبُها تلك العائلة لتخدم في بيتِها.

فإحدى العائلات ذات الوضع الاقتصادي الجيد تتصل بأم إبراهيم بين فترة وأخرى وتطلبها كي تنظف بيتها وتطهو الطعام بمقابل مادي.

توضح:" تساعدني ابنتي إخلاص، وكانت بالبداية تخجل من الخدمة معي في بيت الأغراب، لكنها اعتادت الأمر وتجاهلت الخجل لتعينني خاصة وأنني أعاني من الضغط وآلام في المفاصل".

*تنمّر الصغيرات*
وإخلاص صبيةٌ تبلغ 23 عامًا، كانت تعاني من حولٍ في عينها منذ الصغر، ما اضطرها لترك المدرسةَ بعد تعرضها للتنمّر من قبل الطالبات حين كانت في المرحلة الإعدادية. تقول:" كل نصائح أمي لم تقنعني في العدول عن قراري، فقد كنت حساسةً في ذلك السن، لكنني اليوم أندم بشدة".

وتضيف:" أحاول تعويض ما فقدت من التعليم في تعليم ابن أخي زكي، وكذلك أخته بسمة التي فُصِلَت من الروضة بعد شهرٍ من دخولِها بسبب عدم قدرتنا على دفع باقي الرسوم".

أما إبراهيم المُطلّق، الذي خطب منذ عامٍ ولم يوفّ مهر مخطوبته الذي يسدده من "شك الشئون" فيعمل ثلاثة أيام في الأسبوع في محلٍ للدجاج، يحصل في اليوم على 15شيكل فقط، لا تكفي لتوفير قوت يوم أطفاله ووالدته وأختِه، فكيف يمكن توفير الغاز وبطاريات الكهرباء والكثير من الاحتياجات الأساسية للعائلة؟

لا بديل أمامهم عن استخدام بابور الكاز القديم الذي يملأ بدخانه البيت، فيخنقهم، أو إشعال الحطب لطهو الطعام.

*النوم مع الجرذان*
أم إبراهيم ليست الوحيدة التي تعاني الفقر وسوء الوضع الاقتصادي في المخيم، فهناك "خ.ت" البالغة 37عامًا، أم لسبعة أبناء، تعيش في بيت بالإيجار، تنتشر فيه الجرذان والعِرَس مع حلول الظلام، التي استفردت ذات يومٍ برضيعتها ابنة العام وقضمت يدها.
كانت الساعة الواحدة بعد الظهر حين التقتها – نوى- لتخبرنا أن بيتها فارغ من أي نوع من من الطعام وأنهم جميعًا لم يتناولوا ما يقيت بطونهم منذ الصباح.

"هل أنت جائع يا صغير؟" سألتُ ابنها البالغ تسعة أعوام والذي تغيّب عن المدرسةِ بسبب نوبةِ صرعٍ أصابته بالتشنّج فأنهكت جسدَه، فكانت إجابته السريعة "لا"، وأمام إجابته تبكي الأم وتربت على كتفِه ثم تخبرني:" واللهِ ما تناول شيئًا لكن عزّة نفسِه تمنعه من الاعتراف بجوعِه".

في هذا البيت المكتئب بجدرانه المعتمة ورائحته الرطبة، وثلاجته الفارغة وملامح أهله الحزينة، حيث لا كهرباء ولا مياه حلوة، ولا ابتسامة صغير لقطعة حلوى، ولا ملابس شتاء دافئة وأغطية، تعيش العائلة بلا أملٍ مع أبٍ مريض بالضغط والسكر لا يعمل، لكنها تحلم حلمًا بعيدًا بحياةٍ آدمية ووجبة طعامٍ عادية.

وفي كل جُمعةٍ تذهب "خ.ت" لإحدى قريباتِها تنظف بيتها وتعمل كل ما يُطلب منها مقابل "60 شيكل".
تروي وعيناها لا تتوقفان عن البكاء:" تلك الليلة لم أنم وأنا أمسك بربيشًا وأحرس غرفة أولادي، على ضوء الشمعة، خوفًا من أن تغزو العِرس غرفتهم، إنها تتساقط علينا من فوق سطح الزينجو في المخيم، ومن فتحةٍ في الجدار".

وتقول:" كلما تذكرت حديث جدي عن بلدتي "المجدل" المهجرة على يد الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وعن أراضينا الواسعة التي هجّروا منها أنقم على المخيم وعلى الاحتلال الذي وأَد أحلامَنا وحياتنا الكريمة وتركنا فقراء نعيش في تلك العلب المتسخة".

وعلى جدار بيتها المتشقق جراء القصف الصهيوني عام 2012 على القطاع، تركز الأرملة أم محمود أبو سلطان ظهرها جالسةً قرب "لعبة القفز" التي يطير فوقها الأطفال في الهواء فرِحين فتبتسم لهم رغم أمراض جسدها المتعددة.

لقد تركها لها صاحبُ اللعبة، فيتقاسمان ما يدفعه الأطفال مقابل لعبهم، إنه مبلغ ضئيل للغاية لكنه يمنعها من مد اليد والسؤال بجانب ما تأخذه من الشئون الاجتماعية -وفق قولِها-.

ولشدة ما ضاقت بيوت المخيم وأظلمت، تخرج بعض النساء يلتمسن هواءً طبيعيًا فيفترشن الأرض بين الأزقة، ويرتكزن على جدرانها المتهالكة، فتتقارب وجوه النساء والجدران، لتكشف الصورةُ تشابهًا وحزنًا خطّه عليهم الزّمان.
#قصص_خلف_جدران_المخيم

 

موقع مخيم الرشيدية

المواقف الواردة في جميع المقالات والاخبار  تعبر عن رأي مصدرها  فقط 

الموقع : racamp@live.com

حول الموقع

   موقع مخيم الرشيدية الاخباري مستقل يهتم بأخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات يشرف عليه مجموعة من الاعلاميين المتطوعين لخدمة القضية الفلسطينية. مرخص من المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان تحت علم وخبر رقم 252 .

Template Settings

Theme Colors

Blue Red Green Oranges Pink

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top