حكم شهوان
يبدو أنّ المفوّض العام لوكالة «الأونروا» ملتزم بتفكيك وكالة الغوث الدولية من الداخل، حتى وهو في أسابيعه الأخيرة، قبيل نهاية فترة عقد عمله التي استمرّت لستة أعوام، كانت مليئة بالتخريب والدمار.
فهذه المرة اتّخذ المفوّض العام قراراً، بالشراكة مع مسؤول الأمن والحماية (بريطاني الجنسية ومتورّط في عدد من قضايا فساد إداري مثبتة بوثائق رسمية)، باستبدال موظفي الأمن والحراسة في مقرّ رئاسة «الأونروا» في العاصمة الأردنية عمّان. ومع بداية هذا العام، توجّه عدد من موظفي هذا القسم إلى مقرّ عملهم، ليجدوا أمامهم القرار بإيقافهم عن العمل، وشطب وظائهم بذريعة الأزمة المالية، وإعلامهم بتبديلهم بشركة أمن وحماية خاصة. عدد هؤلاء 20 موظفاً، وهم من لاجئي فلسطين، مدّة عملهم في «الأونروا» تُراوِح بين 8 و25 عاماً.
عشرون عائلة، أي ما لا يقل عن 100 شخص من لاجئي فلسطين، أصبحوا بلا مصدر دخل، لمجرد أن شخصين، أحدهما بريطاني وآخر سويسري/إيطالي، تآمرا عليهم من دون أي سبب مقنع، ومن دون وجه حق. هذا مع العلم أن رواتبهم مجتمعة سنوياً قد لا تصل إلى 120 ألف دولار، بينما العقد مع الشركة قد يصل إلى التكلفة نفسها. الجدير بالذكر أن تكلفة هذا المسؤول الأمني البريطاني وحدَه، تصل إلى حوالي 280 ألف دولار سنوياً، أي أكثر من ضعف تكلفة الموظفين العشرين لسنتين.
التصرّف بحق الموظفين كان بوليساً، وافتقر إلى أدنى مستويات الأخلاق والآداب، أو حتى الإنسانية. وهو يعكس نظرة وتعامل هؤلاء المسؤولين تجاه اللاجئين الفلسطينيين، الذين من المفترض أنهم يعملون لخدمتهم، ويتقاضون رواتبهم بسبب قضيتهم.
إنّ الرسالة المباشرة والفورية التي يجب أن تصل إلى كل مَن يحاول التلاعب بحقوق اللاجئين الفلسطينيين من مسؤولي «الأونروا» بأنها ليست شركة خاصة تابعة لهم
وذريعة التصرّف «البوليسي» هي التمويل، لكنها كاذبة للأسباب التالية:
1. ليس هناك ما يثبت أن الشركة الأمنية سوف تقدّم الخدمات بالجودة والخبرة ذاتيهما، وبتمويل أقل. عدا الغموض التام في القرار، وفي اختيار البديل.
2. لم يؤخذ في الاعتبار وضع الموظفين الذين خدموا المؤسسة لعشرات السنين بكل إخلاص وحرفية، ومعظمهم ملتزمون بقروض مالية بسبب رواتبهم المتدنية. كل ذلك، على الرغم من أن تفويض «الأونروا» بحد ذاته يفرض عليها تشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
3. لم يكن هناك أي تشاور مع الموظفين أو ممثليهم، ولم يتم تقديم أي دراسة، لا بشفافية ولا غيرها. فهذا القرار تعسفي كيدي.
4. تمّ إبلاغ الموظفين بأنهم سيتقاضون رواتب لمدة 3 أشهر من دون أن يعملوا، وهذا بحد ذاته هدر للتمويل. ففي الفترة ذاتها سوف يتم دفع مبالغ إضافية للشركة، لتغطية جزء من العمل، أي تكلفة مضاعفة، فأين التوفير. في حين أن من الممكن، وبسهولة، توفير ملايين الدولارات بحكمة، ومن دون تأثير سلبي على اللاجئين أو العاملين، بوقف أو تخفيض تكاليف السفر والنقليات واللقاءات والفنادق، عدا تكاليف أخرى لا داعي لها.
5. أشار القرار إلى أن أحد الأسباب، أن المؤسسات الأممية الأخرى في المنطقة، تتعاقد مع شركات أمن خاصة. هذا السبب يشكّل وصمة عار على هؤلاء المسؤولين، لأن «الأونروا» لا تقارن بتلك المؤسسات. فمثلاً عندما يُطرح موضوع رواتب الموظفين في المؤسسات الأممية الأخرى الذين يتقاضون أضعافاً مضاعفة مقارنة مع موظفي وكالة الغوث، فالرد يكمن دائماً بأن طبيعة عمل «الأونروا» مختلفة، والرواتب تقارن بالدول المضيفة.
6. لو كانت الضائقة المالية هي السبب، لتمكّنت الإدارة من تغطية تكاليف قسم الأمن والحماية بالكامل من الميزانية الثابتة المُقدّمة من مقرّ الأمم المتحدة، والمُخصّصة لرواتب الموظفين الدوليين، علماً أنّ المقرّ الأممي في نيويورك قد أشار في مرات عديدة إلى إمكانية وجود ليونة في استخدام تلك الميزانية. ما يعني إمكانية تغطية رواتب مصاريف الرئاسة العامّة كافة من تلك الميزانية، من دون أي تأثير سلبي على ميزانية البرامج في «الأونروا».
هذا الحدث الكبير، وغيره من أحداث مماثلة على صعيد «الأونروا»، مؤشرات تدلّ على تقليصات خدماتية قادمة، وكأنها الحل الوحيد للعجز المالي المزعوم. كما أن المعطيات تؤشّر إلى وصول عدد الموظفين المحليين إلى ما يقارب الـ 22 ألف موظف، مقارنة بـ 32 ألف موظف كانوا على رأس عملهم قبل 3 سنوات من الآن، بتقليص يقارب 30% من القدرة البشرية. واللاجئ الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن، سواء بالتوظيف أو بالخدمات المُقدّمة له. والقرار المشار إليه أعلاه، هو مؤشّر إلى بداية خطيرة، قد تصل إلى باقي الأقاليم وباقي الخدمات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، «اليونيسف» اليوم تقدّم مساعدات مباشرة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، بينما كانت في الماضي تشارك «الأونروا» من خلال تقديم تمويل لها، وليس خدمات بديلة.
إنّ الرسالة المباشرة والفورية، التي يجب أن تصل إلى كل مَن يحاول التلاعب بحقوق اللاجئين الفلسطينيين من مسؤولي «الأونروا»، بأنها ليست شركة خاصة تابعة لهم، وكل مَن يعمل فيها يجب أن يكون خادماً لأصغر طفل لاجئ فلسطيني، وأن مجتمع اللاجئين يرفض التعامل مع أيّ من القرارات المشبوهة الهادفة فقط إلى إضعاف المؤسسة.
*رئيس سابق للمكتب التنفيذي وهيئة العاملين لدى «الأونروا»