آخر الأخبار

أزمة الإعلام العربي: حين يختلّ المنهج وتضيع الحقيقة..

603836563_10173401589990360_4481521817271096579_n-rgvxozvrlhmgrkahx4fp438ertnly8on0jyjbud7cg
بقلم :د. عبدالرحيم جاموس
يشهد الإعلام العربي، بمختلف وسائطه المقروءة والمسموعة والمرئية، إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي، أزمة عميقة تتجاوز الشكل والأدوات إلى جوهر الوظيفة والدور. وهي أزمة لا ترتبط فقط بهوامش الحرية أو سرعة التطور التكنولوجي، بل تتصل أساسًا باختلال المنهج، وتراجع المهنية، وانحراف الخطاب الإعلامي عن دوره الطبيعي في نقل الحقيقة وتفسيرها بموضوعية ومسؤولية.
ففي كثير من الحالات، بات الخطاب الإعلامي العربي قائمًا على ثلاثية واضحة المعالم: القدح والردح، والمدح والذم، والتعصب والتطرف. وهي أنماط لا تُنتج معرفة، ولا تُسهم في الفهم، بل تقوم على الانفعال والاصطفاف، وتُغيب التحليل لصالح الأحكام المسبقة. ونتيجة ذلك، تضيع الحقيقة بين الضجيج، وتتراجع الموضوعية، ويغيب الفهم العميق للسياقات السياسية والاجتماعية المعقّدة.
الإعلام، بوصفه أداة تشكيل وعي عام، يفترض أن يلتزم بمعايير مهنية واضحة، في مقدمتها:
التحقق من المعلومات، الفصل بين الخبر والرأي، واحترام عقل المتلقي.
غير أن الممارسة السائدة في عدد غير قليل من المنابر العربية تكشف عن تداخل خطير بين المعلومة والموقف، وبين التحليل والدعاية، ما يحوّل الإعلام من مساحة للفهم إلى ساحة صراع سياسي وإيديولوجي.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا حين يخضع الإعلام لمنطق التمويل والولاءات والاصطفافات الإقليمية.
فعندما تفقد المؤسسة الإعلامية استقلاليتها، ويتحوّل الخطاب إلى انعكاس لموقف سياسي مسبق، تتعطل وظيفة الإعلام الرقابية والمعرفية، ويصبح الهدف ليس تفسير الحدث، بل إعادة صياغته بما يخدم رؤية بعينها.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا جرى؟ بل: كيف نُقدّم ما جرى؟
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فرغم دورها في كسر احتكار المعلومة وتوسيع هامش التعبير، فقد ساهمت في تعميق الأزمة بدل معالجتها.
فسرعة النشر، وغياب التدقيق، وانتشار الخطاب الانفعالي، كلها عوامل عززت ثقافة الانطباع السريع، وقدّمت الرأي على المعلومة، وأضعفت التحليل المتزن، ما انعكس سلبًا على وعي الجمهور وقدرته على التمييز بين الخبر والتأويل.
تكمن خطورة هذا الواقع في آثاره على الوعي الجمعي، حيث يُسهم الإعلام الاستقطابي في تعميق الانقسام، وإضعاف ثقافة الحوار، وتكريس منطق التخوين بدل النقاش.
وبدل أن يكون الإعلام أداة لتفكيك التعقيد، يتحوّل إلى وسيلة تبسيط مُخلّ، تُغذي الانفعال وتُضعف التفكير النقدي.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لدور الإعلام العربي، تنطلق من إعادة الاعتبار لمبدأ المسؤولية الاجتماعية للإعلام، الذي يربط حرية التعبير بالواجب المهني والأخلاقي.
كما تفرض هذه المراجعة الفصل الواضح بين الخبر والرأي، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، واحترام التعدد في الآراء دون تخوين أو تشويه.
ويظل تعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية شرطًا أساسيًا لأي إصلاح حقيقي، إلى جانب إخضاع الخطاب الإعلامي نفسه للمساءلة المهنية والنقدية، بما يعيد الثقة بين الإعلام والجمهور، ويُرسخ دور الإعلام كمساحة للفهم لا أداة للتحريض.
خلاصة القول :
لا يمكن لإعلام مأزوم أن يُنتج وعيًا سليمًا، ولا لخطاب قائم على الانفعال والاصطفاف أن يخدم قضايا الناس أو مصالحهم.
والإعلام العربي اليوم أمام اختبار حقيقي:
إما استعادة دوره كأداة معرفة ومسؤولية، أو الاستمرار في تعميق الأزمة على حساب الحقيقة والوعي العام.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة