في خطوة مفاجئة أعلنت وكالة “أونروا”، إنهاء خدمات موظفيها المحليين التابعين لمكتب إقليم غزة والمتواجدين حاليًا خارج القطاع، بقرار دخل حيز التنفيذ الفوري.
وبررت “أونروا”، قرارها بـ” استمرار الأزمة المالية الحادة التي تواجهها، والتي أثرت على قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها التشغيلية”.
وبحسب تعميم داخلي صادر عن القائم بأعمال مدير شؤون “أونروا” في غزة، سام روز، فإن هذا الإجراء يُعد استكمالًا لقرارات سابقة اتُخذت في فبراير 2025، شملت إيقاف ترتيبات العمل عن بُعد ومنح الموظفين إجازات استثنائية.
فصل تعسفي ظالم
المتحدث باسم موظفي العقود في وكالة “أونروا”، أبو عدي الطلاع، قال إن قرار الوكالة القاضي بالفصل النهائي لـ757 موظفًا فلسطينيًا ممن اضطروا لمغادرة قطاع غزة خلال حرب الإبادة، يمثل إجراءً تعسفيا وتمييزيا يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة الوظيفية والإنسانية.
وأوضح “الطلاع”، في حديث خاص لـ”المركز الفلسطيني للإعلام”، أن الغالبية العظمى من الموظفين المفصولين، وعددهم 620 موظفًا، يعملون في برامج التعليم والتنمية والخدمات، مشيرًا إلى أن خروجهم من القطاع جاء اضطراريا بحثًا عن النجاة في ظل القصف الشامل وانعدام مقومات الحياة، وليس تخليا عن وظائفهم أو تنصلا من التزاماتهم المهنية، وفق تعبيره.
وبين أن الموظفين حصلوا على إجازة استثنائية معتمدة رسميًا من “أونروا”، كانت سارية حتى الأول من آذار/مارس 2025، وكان من المفترض أن تُمدد حتى عام 2026، لا سيما مع الحديث المتكرر عن قرب فتح المعابر وعودة الموظفين إلى قطاع غزة، إلا أن القرار جاء مفاجئا وصادما عند أبواب المعابر، بفصل نهائي دون سابق إنذار أو إجراءات قانونية منصفة.
وأكد “الطلاع” أن الأخطر في هذا القرار هو التمييز الواضح في تطبيقه، حيث تم استثناء موظفي الصحة من قرارات الفصل، في حين طُبّق القرار بشكل صارم على موظفي التعليم والخدمات، ما يكشف، بحسب وصفه، ازدواجية المعايير وغياب العدالة داخل الوكالة، ويؤكد أن ما جرى لا يستند إلى أسس مهنية، بل إلى حسابات انتقائية.
ويرى “الطلاع” أن القرار عقوبة جماعية وإعدام وظيفي لمئات الموظفين وأسرهم، ويفاقم من الأوضاع المعيشية الكارثية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل الحرب والحصار، محذرًا من أن “أونروا” تبرر هذه السياسات بحجج واهية لا تصمد أمام أي مراجعة قانونية أو أخلاقية.
وشدد “الطلاع” أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن محاولات مستمرة لتقويض دور “أونروا” وإنهاء ملف قضية اللاجئين الفلسطينيين، عبر ضرب الاستقرار الوظيفي لموظفيها وإضعاف بنيتها المؤسسية.
وأشار إلى أن اجتماعات مفتوحة ودائمة تُعقد مع المؤتمر العام لموظفي “أونروا” وموظفي العقود، وأن الموقف موحد برفض هذا القرار رفضًا قاطعًا ونهائيًا، مؤكدًا التوجه نحو كافة الأطر النقابية والقانونية والإعلامية للدفاع عن حقوق الموظفين المفصولين ووقف هذا القرار التمييزي.
محاولات لشطب حق العودة
تأتي هذه القرارات في وقت تواجه “أونروا” حملة سياسية وإعلامية وقانونية غير مسبوقة، تقودها دولة الاحتلال الصهيوني بدعم أمريكي مباشر، في مسعى واضح لتفكيك الوكالة وإنهاء دورها، باعتبارها الشاهد الدولي الأبرز على نكبة الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي في العودة.
ولم يعد الاستهداف محصورًا في تقليص التمويل أو توجيه الاتهامات، بل تطور إلى إجراءات ميدانية وقانونية تهدف إلى شطب الوكالة من المشهد السياسي والإنساني، وطيّ ملف اللجوء الفلسطيني بشكل نهائي.
وتتناغم المواقف الإسرائيلية والأمريكية كعادتها، حيث تلتقي الرؤى وتتقاطع المصالح لتصب في خدمة الأهداف الإسرائيلية.
وباتت “أونروا” هدفًا مركزيًا لهجمة مشتركة، وُصفت بأنها الأخطر منذ إنشائها، في وقت تؤكد فيه مؤسسات مختصة بشؤون اللاجئين أن عام 2025 مثل ذروة الاستهداف المنهجي للوكالة وقضية اللجوء الفلسطيني.
هيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين قالت، في بيان سابق لها، إن عام 2025 هو الأخطر على الإطلاق في تاريخ عمل الوكالة، نتيجة التقاء الضغوط السياسية والمالية مع الاعتداءات الميدانية، ومحاولات تفريغ الوكالة من مضمونها القانوني والإنساني، معتبرة أن ما يجري يتجاوز أزمة عابرة ليصل إلى محاولة شاملة لشطب حق العودة وضرب أحد أعمدته الأساسية.
وحملت “الهيئة” المفوض العام الحالي فيليب لازاريني مسؤولية ما وصفته بـ”الانحدار غير المسبوق” في أداء وكالة “أونروا” ودورها.
وقالت “الهيئة”، إن “التاريخ سيسجل أن أسوأ مرحلة مرت بها أونروا هي تلك التي ترأس فيها لازاريني إدارة الوكالة لفترتين متتاليتين (2020–2026)”، مشيرة إلى أن قرارات اتُّخذت خلال ولايته “أضرت بالوكالة وموظفيها واللاجئين، وتقاطعت مع الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية والاحتلال تجاه مستقبل الوكالة”.
وترى أن المؤشرات الحالية تدل على أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر سوء، ما لم تحدث مفاجآت تعيد الوكالة تدريجيًا من حافة الهاوية.
وأكدت “الهيئة” أن “أونروا” تقف أمام خطر وجودي حقيقي، موضحة أن هذا الخطر لم يعد احتمالًا، بل مسارا يتسارع، وأن مستقبل الوكالة بات مرهونًا بقدرة المجتمع الدولي على حماية تفويضها وضمان تمويلها والحفاظ على حيادها.
وحذّرت “الهيئة”، من الوصول إلى ما وصفتها بـ”اللحظة التي لا عودة منها”، داعية الدول المانحة والأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لمنع انهيار الوكالة التي تشكل شريان حياة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.