آخر الأخبار

مجرد تحليل: ماذا وراء تراجع ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران؟*

eedac57b-2842-4086-9f48-bf51b1ba3bef-rfx3mcbkmr99tubqo8ejqovb0broxblfxd0pjxrer4-rgiz69ilgowgdtksd0a1nojx9mr58dreachrbu30q8
أبو شريف رباح
16\1\2026
شهدت الأسابيع الماضية تصعيدا لافتا في لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، بلغ حد التلويح العلني بتوجيه ضربة عسكرية سريعة وحاسمة ضد النظام الإيراني في ظل اضطرابات داخلية شهدتها بعض المدن الإيرانية وسقوط قتلى من المتظاهرين وعناصر الأمن.
وبدت هذه التهديدات جدية لا سيما مع مؤشرات ميدانية تمثلت في سحب جزء من القوات الأميركية من بعض القواعد في المنطقة لتأمينها من الرد الإيراني، وإعادة تموضعها في أماكن أخرى بالتوازي مع إبقاء قوات أميركية بالقرب فنزويلا في سياق يعكس ضغطا استراتيجيا متعدد الاتجاهات.
في اجتماع لفريق الأمن القومي الأميركي عبر ترامب صراحة عن رغبته في تنفيذ ضربة عسكرية محدودة لا تؤدي بحسب تعبيره إلى إشعال حرب طويلة الأمد قد تمتد لأسابيع أو أشهر غير أن المفاجأة تمثلت في تراجعه السريع عن هذا الخيار مبررا قراره بأن عمليات قتل المتظاهرين في إيران قد توقفت، وأن واشنطن ستكتفي في المرحلة الراهنة بمراقبة الوضع بعد تلقيها تطمينات من أطراف مطلعة على مجريات الأحداث في إيران.
غير أن هذا التبرير الأميركي يثير الكثير من علامات الاستفهام، إذ يبدو من الصعب القبول بأن اعتبارات إنسانية مفاجئة هي التي أملت على الإدارة الأميركية التراجع عن خيار عسكري كانت تلوح به بقوة، فالسياسات الأميركية تاريخيا نادرا ما تبنى على دوافع أخلاقية بل تحكمها موازين القوة والحسابات الاستراتيجية المعقدة.
من هنا يمكن قراءة التراجع الأميركي من زوايا أخرى أكثر واقعية، أولها أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة رغم اتساعه قد لا يكون كافيا أو جاهزا لخوض مواجهة مباشرة مع إيران وهي دولة تمتلك قدرات صاروخية وشبكة حلفاء ونفوذا إقليميا واسعا يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وأي ضربة لإيران حتى وإن وصفت بأنها محدودة قد تتحول سريعا إلى مواجهة إقليمية مفتوحة لا يمكن ضبط إيقاعها.
ثاني هذه العوامل يتمثل في التحذيرات الإيرانية الصريحة إذ أكدت طهران أن أي استهداف لأراضيها سيقابل بضرب القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، فضلًا عن تهديدها المباشر لدول الجوار وخصوصًا دول الخليج ما يضع واشنطن أمام معادلة شديدة الحساسية، هل هي مستعدة لتحمل كلفة انفجار إقليمي واسع قد يهدد أمن حلفائها ويضرب استقرار أسواق الطاقة العالمية؟
ثالثا، لا يمكن فصل الموقف الأميركي عن الحسابات السياسية الداخلية لترامب نفسه الذي طالما قدم نفسه للناخب الأميركي على أنه رئيس لا يريد جر بلاده إلى حروب جديدة مكلفة، ويفضل سياسة الضغط الأقصى بالعقوبات والتهديدات بدل الانخراط العسكري المباشر.
في ضوء هذه المعطيات تبدو إمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران مستبعدة في الوقت الراهن على الأقل بصيغته التقليدية، غير أن ذلك لا يعني انتهاء المواجهة بل انتقالها إلى أشكال أخرى، كتشديد العقوبات والحرب النفسية والإعلامية والضغوط الدبلوماسية، وربما عمليات غير مباشرة تدار عبر أطراف إقليمية.
وهنا يبرز السؤال المركزي، هل تصريحات ترامب حول توقف قتل المتظاهرين مجرد كلمات معسولة لامتصاص التوتر وشراء الوقت أم أنها تعبير عن تريث أميركي حقيقي فرضته تهديدات إيران واحتمالات الانفجار الإقليمي؟ الإجابة تبقى رهن تطورات المرحلة المقبلة لكن المؤكد أن التراجع الأميركي لا يعكس بالضرورة تراجعا في الصراع بل إعادة تموضع في معركة مفتوحة الأدوات ومتعددة المسارات.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة