بقلم : عصام الحلبي
لم تعد سياسات الضمّ والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية مجرد أدوات ضغط تفاوضي، بل تحوّلت إلى استراتيجية متكاملة لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية للصراع. ما يجري اليوم يعكس انتقالاً واضحاً داخل “إسرائيل” من منطق إدارة الصراع إلى محاولة حسمه أحادياً، عبر فرض وقائع ميدانية تجعل أي تسوية مستقبلية محكومة بسقف إسرائيلي منخفض، إن لم تكن مستحيلة.
الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، وبشراكة سياسية وفكرية مع بتسلئيل سموتريتش، تتبنى مقاربة تقوم على “الضمّ الزاحف” لا الضمّ المعلن. فبدلاً من قرار رسمي شامل قد يستجلب ضغوطاً دولية واسعة، يتم توسيع المستوطنات تدريجياً، شرعنة البؤر الاستيطانية، تعزيز السيطرة القانونية والإدارية على مناطق (ج)، وإعادة رسم الخريطة على الأرض بحيث يصبح التراجع عنها مكلفاً سياسياً وأمنياً لأي حكومة مقبلة. بهذه الطريقة، يتحول الاحتلال من وضع مؤقت في القانون الدولي إلى واقع دائم بحكم الأمر الواقع.
في موازاة السيطرة على الأرض، تتقدم سياسات إعادة هندسة الواقع الديمغرافي. الهدم المتكرر للمنازل، التضييق الاقتصادي، القيود على البناء، سحب الهويات في القدس الشرقية، كلها أدوات تضغط على الوجود الفلسطيني وتدفع باتجاه تهجير صامت، يتحقق عملياً عبر خلق بيئة طاردة تجعل البقاء أكثر كلفة من الرحيل. والنتيجة المتوخاة ليست فقط تقليص الحضور الفلسطيني، بل تثبيت أغلبية يهودية حاسمة في المناطق ذات الحساسية السياسية والدينية.
أما على المستوى السياسي، فتتعرض السلطة الوطنية الفلسطينية إلى عملية إنهاك ممنهجة. احتجاز أموال المقاصة، تقليص الصلاحيات، وتوسيع التدخلات الأمنية الإسرائيلية، جميعها تؤدي إلى إضعاف قدرة السلطة على القيام بوظائفها الأساسية. تقويض السلطة لا يعني فقط إضعاف خصم سياسي، بل يفتح الباب أمام فراغ خطير يمكن توظيفه لتبرير سيطرة إسرائيلية أوسع أو لإعادة إنتاج إدارة مدنية وأمنية مباشرة للمناطق الفلسطينية. المفارقة أن انهيار السلطة، لن يقود إلى إنهاء الاحتلال، بل قد يمنح “إسرائيل” حرية حركة أكبر في فرض وقائع نهائية.
هذه السياسات تجد سندها في تحوّل عميق داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يتقدم الخطاب القومي الديني المتشدد على حساب التيارات التي كانت تؤمن بإمكانية التسوية. الصراع يُعاد تعريفه بوصفه صراعاً وجودياً لا سياسياً، ما يجعل أي تنازل يبدو تهديداً للهوية لا مجرد تسوية حدودية. في هذا المناخ، يصبح خطاب “إسرائيل الكبرى” أكثر قبولاً، ويتحول من شعار أيديولوجي إلى برنامج سياسي يحظى بشرعية انتخابية.
أمام هذا المشهد، يبدو الردّ العربي دون مستوى التحدي. البيانات السياسية لا تتحول إلى أدوات ضغط فعلية، والانقسامات الإقليمية تضعف أي إمكانية لبناء موقف موحد قادر على التأثير. أوروبياً، يتكرر التمسك بحل الدولتين، لكن من دون ترجمة عملية تربط العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل بكلفة واضحة لأي خطوة ضمّ أو تهجير. وهكذا، تتسع الفجوة بين الموقف المعلن والسياسة الفعلية.
القضية الفلسطينية اليوم تقف عند لحظة مفصلية. ما يُبنى على الأرض ليس مجرد توسع استيطاني، بل إعادة صياغة كاملة لمعادلة الصراع. وإذا استمرت سياسة فرض الوقائع بلا كلفة سياسية حقيقية، فإن الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة قد يتحول إلى شعار تاريخي أكثر منه مشروعاً قابلاً للتحقق. بين مشروع حسم إسرائيلي أحادي وردود فعل عربية ودولية مترددة، يبقى السؤال مفتوحاً، هل يتحول الإجماع النظري على الحقوق الفلسطينية إلى إرادة سياسية ضاغطة، أم أن المنطقة تتجه نحو تكريس واقع جديد يُغلق أفق الحل لعقود مقبلة؟