آخر الأخبار

مخيّمات في الريح

1 (1)

أيهم السهلي

«كَمْ مرةً ستسافرونْ
ولأيِّ حُلمْ؟
وإذا رجعتم ذات يومْ
فلأيِّ منفى ترجعونَ
لأيِّ منفى ترجعونْ؟» ــــــــ محمود درويش، «مديح الظل العالي»

لا بطولات في مخيمات مدينة صور الثلاثة (الرشيدية وبرج الشمالي والبص) والتجمّعات الفلسطينية الـ21 هناك. جاء إنذار الإخلاء، ولم يخرج الأهالي من هناك، ظلّ معظمهم في منازلهم. أحد أسباب ذلك أنهم لا يعرفون إلى أين سيذهبون. كان في بالهم، أنهم في وقت من الأوقات سيعودون من حيث أتى أجدادهم، سيتحرّكون نحو الجنوب، سيتخطون الحدود، ومن هناك كل واحد سيجد طريق قريته أو مدينته ويذهب إليها.

لكنّ الحرب الحالية، تدفعهم إلى الذهاب شمالاً، عكس اتجاه فلسطين، وعكس الحلم، فأملهم الجديد سيكون العودة إلى المخيم، الذي لن يعود قائماً. فهذه الحرب في أفقها الواسع، تطمح إلى إغلاق ملفات المنطقة كافة، ومنها تصفية الباقي من فلسطين وقضيتها، وإنهاء قضية اللاجئين من الأولويات، ليس في الشتات فحسب، بل حتى في فلسطين، وقد بدأ ذلك في قطاع غزة وشمال الضفة والقدس. لذا فهذه الحرب طويلة، ومستمرة، وساحاتها عديدة، وستزيد. وهي بينما تشتعل في لبنان، تنتظر اشتعالاً في أماكن أخرى. فالمُراد الآخر من هذه الحرب، أن تتسع إسرائيل خارج فلسطين، إلى البلاد المحيطة، إلى حيث تصل قدم الجندي الإسرائيلي ودبابته.

ولأن إسرائيل طالما كانت هكذا، لم تعرف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أيام هناء كثيرة. فذاكرة أهلها مليئة بالدم والقتل والحصار، بالمجازر التي انتهكت أقصى درجات الإنسانية خلال ذبح رقابهم في صبرا وشاتيلا 1982، وقلعهم في تل الزعتر، وفي كل مرة كانت إسرائيل هي الفاعل المباشر في مخيم النبطية، أو غير المباشر في كل موت آخر.

هذه الذاكرة المُثقلة بالوجع، لا تعرف كيف تصنع لنفسها ذاكرة أخرى أقلّ ألماً، فلا حل أمام الفلسطيني في مثل هذه الحرب، إلا البقاء والصمود والاستمرار. فقد يكون البقاء في المخيم أحد أسباب عدم تدمير المخيم، إلا إذا قرّرت إسرائيل إرغامهم على الخروج والتوجه شمال الجنوب، وإسرائيل لن ترغم المخيم إلا بالنار.

الحرب الحالية، تدفعهم إلى الذهاب شمالاً، عكس اتجاه فلسطين، وعكس الحلم، فأملهم الجديد سيكون العودة إلى المخيم، الذي لن يعود قائماً

خلال الأشهر الماضية بعد توقّف الحرب عام 2024، شهد مخيم الحلوة عدة غارات إسرائيلية، في واحدة منها في تشرين الثاني 2025، قتلت 13 شاباً كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، قالت إسرائيل إنها استهدفت مركز تدريب يتبع لـ«حماس»، في حين أن الأخيرة أكّدت أن إسرائيل استهدفت ملعباً مُغلقاً «ميني فوتبول» معروفاً لدى سكان مخيم عين الحلوة. وقبل ذلك استُهدف المخيم، في حرب تموز وأكثر من مرة. ومثله مخيم الرشيدية، والبرج الشمالي الذي لن ينسى يوم 7 حزيران 1982، الذي استشهد فيه أكثر من 125 من سكان المخيم نساء وشيوخاً وأطفالاً، ففي ملجأ نادي الحولة وحده 94 شهيداً، وفي مغارة على الرميض/ أبو خنجر 21 شهيداً، وفي ملجأ روضة النجدة الاجتماعية 7 شهداء، وفي مغارة حي المغاربة 3 شهداء، هذا عدا شهداء آخرين، لم يوثّقوا بالاسم.

في مقتلات سابقة، كان الفلسطيني واقفاً في وجه الريح، لديه القدرة والقوة، والقوى التي هو منها وهي منه، فصائل مناضلة مقاتلة، أنتجت ظاهرة «أطفال الأر بي جي»، التي عطّلت جيش الاحتلال عن تقدّمه في أكثر من موقع خلال اجتياحه لبنان عام 1982، ودمّرت بعض دباباته، وقتلت من جنده وضباطه. وهي ذاتها هذه القوى التي تمكّنت من الصمود 80 يوماً في بيروت مع أهل لبنان وقواه.

ولمّا خرجت من بيروت، وقال قائدها العام ياسر عرفات مجيباً أحد الصحافيين الذي سأله إلى أين، فأجاب عرفات إلى فلسطين، وصدق قوله، وعاد إلى فلسطين. لكن بعد ذلك، بقيت هذه المخيمات في الريح، ومع السنين، انشغلت القوى الفلسطينية بكثير من السياسة، ونامت الثورة في الخارج، وأخرج بعض قادتها الفدائي من رؤوسهم، والبعض أخرجوه من قلوبهم. وفي النتيجة لم يعد للاجئين إلا البحر، يركبونه نحو الأفق، ويأملون بالوصول إلى «بر الأمان» في أوروبا، ليحيوا كما يريدون.

واليوم في هذه الحرب التي لا يملك أحد تقديراً لنهاياتها، يُطلب من مخيمات مدينة صور وتجمعاتها الإخلاء، وربما في القريب سيُطلب من مخيمات صيدا ذلك. وهذه المخيمات التي يعيش أهلها حياتهم يوماً بيوم، لا يبحثون عن موت مجّاني، ولا يرغبون بأن يلحق أولادهم أذى. لذا من الممكن أن يضطروا إلى الخروج في آخر المطاف، إن اشتدت الحرب، وإن استهدفت القذائف المخيمات، منذرة الناس للخروج. لكن والحقيقة مرة، لن يجد الفلسطيني مأوى يكفي لعشرات الآلاف، وسيجد اللاجئ نفسه في مواجهة تحدّيات كبرى، منها أن لا أحد سيكون إلى جواره ويسانده في محنته، لا الفصائل الفلسطينية، ولا السفارة الفلسطينية، ولا «الأونروا»، ولا الدولة اللبنانية التي يُفترض أن تكون مشغولة بمواطنيها قبل كل شيء.
لكن مرة أخرى ودائمة، إلى أين سيذهب الفلسطيني بنفسه، فهو بلا وطن، وبلا منفى، وبلا مخيم سوى مخيم تأخذه الظروف، تبقيه وتنهيه، تغلقه القوانين، وتدمّره الحروب.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة