آخر الأخبار

ليس للفلسطيني إلا الأرض والوثائق

1

أيهم السهلي

لم تكن ذاكرة الفلسطينيين ومحاولات محوها إلا مصدر قلق وخوف، مرات بطردهم وقتلهم ومرات بتدمير وثائقهم وأرشيفاتهم والدلائل الإضافية على وجودهم التاريخي في أرضهم وتاريخهم. فكم من مرة طاولتها الحروب فتدمّر بعضها أو سُرق. بدءاً من النكبة، خرج بعض الفلسطينيين بأوراق ثبوتية وهي المُسماة «كواشين»، بينما كثر خرجوا خائفين أو حُرقت بيوتهم أو قُتلوا أو سُرقوا. كانت في حينها سجلّاتهم الرسمية لدى سلطات الانتداب البريطاني، ولمّا أنهت انتدابها على فلسطين، قامت دولة إسرائيل في اليوم التالي، وباتت الأوراق بين أيدي المحتلين.

أمّا الضفة وغزة، فأوراق سكانهما الجديدة باتت لدى السلطتين الجديدتين على المكانين، الأردنية والمصرية. لكن مع احتلالهما 1967، باتت الأوراق بين أيدي سلطات الاحتلال، إلا أنه من المفروض أن لدى القاهرة وعمّان أوراقاً للفلسطينيين.

ولاحقاً خلال اجتياح لبنان وحصار بيروت سنة 1982، نهب جيش الاحتلال مركز الأبحاث الفلسطيني، بما فيه أرشيف المركز، ورغم أنه استعيد بعد سنوات ضمن عملية تبادل أسرى بين منظمة التحرير والاحتلال، إلا أن الأرشيف أُهمل، وهو حتى اليوم في الجزائر، ولعل أحد أسباب عدم نقله إلى الضفة الغربية بعد «أوسلو» هو أن كل شيء كان سيمر عبر الاحتلال، وسيكون مُعرّضاً لخطر السيطرة مجدّداً.

وخلال الحرب المستمرة على قطاع غزة، قُصفت بلدية غزة، وانتهى أرشيفها الذي تعود بعض وثائقه إلى سنة 1887 حتى ما قبل الحرب المستمرة على غزة، إلا المرقمن. كذلك قصف الاحتلال دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني (مركز التخطيط الفلسطيني سابقاً) وكانت مكتبته تحتوي على أرشيف يعود إلى تاريخ المركز الذي تأسّس سنة 1968. وبذلك يكون هذا المركز قد تدمّر للمرة الثانية، فالأولى كانت سنة 1982 في بيروت، فأعيد افتتاحه في تونس سنة 1985، ونُقل إلى غزة سنة 1994.

عدا هذه الأرشيفات المهمة للفلسطينيين ولتاريخهم وتاريخ حركتهم الوطنية، دمّر الاحتلال أرشيفات أخرى كانت في غزة، منها أرشيف وزارة التربية والتعليم منذ إنشاء السلطة، وأرشيف المحاكم الشرعية في القطاع، وأرشيف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وضمنه مخطوطات يعود بعضها إلى القرن الرابع عشر الميلادي وصولاً إلى أوائل القرن العشرين، وأرشيف المعاهد الأزهرية، وأرشيف الطابو، وأرشيف متحف قصر الباشا، وغيرها.

طاول التدمير أيضاً بعض الأرشيفات الخاصة، فتدمّرت مكتبات خاصة، ومكتبات منزلية بعضها كان يشمل جمع عشرات السنين مثل مكتبة عبد الكريم الحشاش، وأرشيفات صور تخص تاريخ الفلسطينيين، كأرشيف المصوّر في منظمة التحرير عمر الرشيدي، وهو الذي واكب ووثّق مراحل كثيرة في تاريخ الثورة الفلسطينية، وفي تاريخ الشهيد ياسر عرفات.

أنقذ موظفو «الأونروا» هذه الوثائق بسرّية تامة، في عملية استمرت عشرة أشهر، عبر إخراجها من خلال معبر رفح، مستعينين بالموظفين الأجانب

نجا في غزة أرشيف «الأونروا»، فقبل أيام فقط، نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية مقالة عن عملية إنقاذ قامت بها «الأونروا» لإنقاذ ملايين الوثائق التي تخصّ ملايين اللاجئين الفلسطينيين؛ كانت هذه الوثائق في غزة، وتعود إلى ما بعد النكبة مباشرة وصولاً إلى الأجيال الحالية، وقال المسؤول الكبير في «الأونروا» والمشرف على عملية الإنقاذ روجر هيرن: «كان تدميرها سيكون كارثياً… إذا وُجد يوماً حل عادل ودائم لهذا الصراع، فهذه هي الأدلة الوحيدة التي يمكن للناس استخدامها لإثبات أن فلسطينيين كانوا يعيشون يوماً ما في مكان معيّن».
بعض هذه الوثائق ممسوحة رقمياً، لكن هناك مئات الآلاف كان من الممكن ألّا يعود لها أثر، ويوضح هيرن أنه «كانت هناك فترة خطيرة جداً كنا نتعرض خلالها للعديد والعديد من الهجمات الإلكترونية يومياً، وكنا نعتقد فعلاً أننا قد نشهد تدمير النسخ الأصلية وأي نسخ رقمية قمنا بإعدادها، حينها كان كل شيء سيضيع إلى الأبد».

أنقذ موظفو «الأونروا» هذه الوثائق بسرّية تامة، في عملية استمرت عشرة أشهر، عبر إخراجها من خلال معبر رفح، مستعينين بالموظفين الأجانب. وبحسب قول القائم بأعمال مدير شؤون «الأونروا» في غزة سام روز إنه «كان هناك خطر حقيقي من أن يدخل الإسرائيليون ويدمّروا الوثائق، أو أن تُدمّر ببساطة في حريق أو انفجار أو أي شيء آخر».

تمت العملية عبر نقل الأرشيف عبر ثلاث رحلات بشاحنات صغيرة قام بها موظفو «الأونروا» من مقرّهم في مدينة غزة، إلى مستودع غذائي في رفح على الحدود مع مصر. بعد ذلك أُخرجت الوثائق سراً نحو مصر، عبر الموظفين الأجانب، وبعد ذلك نُقلت إلى عمّان بواسطة جمعية خيرية أردنية على متن الطائرات العسكرية الأردنية في أثناء عودتها إلى قواعدها بعد إيصال المساعدات إلى غزة. ومثل هذه العملية تمّت في القدس، حيث كانت تهديدات الاحتلال للسيطرة على مقر الوكالة الأممية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين في القدس تتصاعد، وهذا ما حدث لاحقاً. فعملوا أيضاً على إخراج الوثائق والأرشيف منه نحو عمّان حيث مقر «الأونروا».

قبل سنوات ثار جدل في أوساط الجهات الفاعلة الفلسطينية بخصوص نقل «الأونروا» أرشيف اللاجئين الفلسطينيين إلى مقر «الإسكوا» في بيروت. واعتبر البعض أن هذه العملية المُعلنة لها أهداف سياسية قد تضرّ بحقوق الفلسطينيين. لكنها عملية قامت برقمنة نحو عشرين مليون وثيقة من أصل ثلاثين مليوناً من وثائق اللاجئين الفلسطينيين المُسجّلين لديها، والتي تقوم بتحديثها منذ تأسيسها عام 1949.

لم تشر «الغارديان» ولا «الأونروا» إلى ما إذا كان الأرشيف المُنقذ من غزة، هو ضمن الأرشيف الموجود في بيروت، ولذلك ربّما من الضروري أن توضح الوكالة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين هذا الأمر، وتبيّن أيضاً محتويات أرشيفها، وأين تودع نسخه، وهل لدى المؤسسة الفلسطينية الرسمية أو البحثية نسخة عنه.

أُنقذ أرشيف «الأونروا»، وتدمّرت أرشيفات أخرى، بعضها لا يمكن ترميمها، والسبب المباشر والأساسي لذلك هو الاحتلال الإسرائيلي. وفي الرحلة الفلسطينية منذ النكبة وحتى اليوم، بينما أُنقذت بعض الأرشيفات، تدمّرت أخرى، بسبب الاحتلال الإسرائيلي أولاً وأخيراً، وبسبب الإهمال وعدم التخطيط وعدم الاكتراث أحياناً أخرى، كما حصل بعد الخروج من بيروت سنة 1982، حين تركت بعض الفصائل والمؤسسات الفلسطينية أرشيفاتها في المقرات من دون تأمينها، فذهبت هدراً، لتتابع بعدها الأجيال عملية البحث عن تلك المواد، أو ما تم إنقاذه من القمامة، وتشهد شوارع الفاكهاني في بيروت على هذا، وبعض من لملموا ما تمّ رميه.

أدّى ما سبق مجتمعاً ومتفرّقاً إلى إهدار ذاكرة الفلسطينيين القانونية والتاريخية. ولولا دور بعض المؤسسات التاريخية في حفظ الذاكرة وتأريخها لانمحى الكثير الكثير. فمثلاً مؤسسة الدراسات الفلسطينية صاحبة الباع الطويل في حفظ الأرشيف والوثائق، تحتفظ بأرشيف هائل يشمل آلاف الصور والوثائق والأوراق الخاصة وكذلك الكتب والصحف ما قبل النكبة، والتي أنتجت وتنتج من خلالها كتباً وأبحاثاً شكّلت ذاكرة وهوية فلسطينيتين، إذ ساهمت في نسج الهوية الوطنية الفلسطينية، وكذلك أرشيفات ووثائق الثورة الفلسطينية، وباقي المراحل الفلسطينية، وحتى هذا الوقت، إذ تستمر بتوثيق الحرب على قطاع غزة بحسب القطاعات المختلفة (صحة، تعليم، ثقافة، رياضة، صحافة، زراعة…).

فضلاً عن مشروع «ذاكرة فلسطين» في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي يتيح بدوره أيضاً عشرات الآلاف من الوثائق المرتبطة بالثورة الفلسطينية وفصائلها، ومشروع المتحف الفلسطيني الذي يتيح آلاف الصور والوثائق في موقعه «أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي»، ومشروع «خزائن»، وغيرها.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة