أبو الشريف رباح 

يدخل قطاع غزة عامه الثالث تحت وطأة حرب مدمرة وحصار خانق خلف واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، ثلاثة أعوام متواصلة من القتل والإبادة والتجويع والنزوح والدمار والتهجير، فيما يعيش حوالي مليوني إنسان أمام واقع قاسي تتداخل فيه المأساة الإنسانية مع العجز السياسي ليبقى السؤال الذي يطرحه كل الفلسطينيين وكل اصحاب الضمائر في العالم إلى متى سيبقى أهل غزة بين الموت والإبادة والحصار والجوع والنزوح والتهجير؟

لقد تحولت غزة إلى منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى مدن وأحياء كاملة اختفت معالمها ومربعات سكنية سويت بالأرض، ومعظم مباني القطاع تحولت إلى ركام وأنقاض، فمدينة غزة التي كانت تعج بالحياة لم تعد كما كانت وخانيونس تعرضت لدمار هائل ورفح تحولت إلى أكوام من الركام، فيما لم يسلم شمال القطاع ولا شرقه ولا غربه ولا جنوبه من آلة التدمير الإسرائيلية، وفي مشهد لم يعرف له التاريخ الحديث مثيلا بهذا الحجم باتت مساحات واسعة من القطاع أشبه بمدن أشباح خالية من المنازل والبنى التحتية ومقومات الحياة الإنسانية.

ولم تقتصر المأساة على الدمار المادي فحسب بل امتدت إلى الإنسان الفلسطيني نفسه، فمئات الآلاف من النازحين يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة يعانون من نقص الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، فيما يواجه الأطفال والنساء وكبار السن أوضاعا إنسانية قاسية تهدد حاضرهم ومستقبلهم، كما أن الانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي والتعليمي والخدماتي جعل الحياة اليومية معركة مستمرة من أجل البقاء.

ومع استمرار هذه الكارثة فإن الحل لا يمكن أن يكون عسكريا بل سياسيا بالدرجة الأولى، فالمطلوب أولا وقف العدوان بشكل كامل وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة وفتح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية دون قيود أو شروط بما يضمن إنقاذ ما تبقى من حياة أهالي القطاع.

كما أن عودة النازحين إلى مناطقهم ومنازلهم يجب أن تكون أولوية إنسانية ووطنية عاجلة تترافق مع إطلاق خطة دولية شاملة لإزالة ملايين الأطنان من الأنقاض، وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية من مساكن ومستشفيات ومدارس وشبكات مياه وكهرباء وطرق ومرافق عامة، وفي هذا السياق يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية في ممارسة ضغط حقيقي وجاد لإنهاء العدوان ووقف معاناة الشعب الفلسطيني وعدم الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة التي لم تنجح حتى الآن في حماية المدنيين أو وضع حد لهذه المأساة الإنسانية المستمرة.

وفي الوقت ذاته فإن المسؤولية العربية والإسلامية تفرض العمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية لدعم صمود الشعب الفلسطيني والضغط من أجل إنهاء الانقسام وتوحيد شطري الوطن (الضفة الغربية وقطاع غزة) تحت سلطة وطنية واحدة بما يعزز المشروع الوطني الفلسطيني ويقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، لأن غزة ليست مجرد بقعة جغرافية تتعرض للدمار بل نصف الوطن وعنوان لمعاناة شعب يناضل من أجل حقه في الحرية والحياة الكرامة.

وبعد ثلاثة أعوام من الموت والجوع والنزوح والخراب لم يعد المطلوب إدارة الأزمة أو التكيف معها بل إنهاؤها بشكل كامل عبر حل سياسي عادل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني ويعيد لأهل غزة وأمنهم ومستقبلهم، فالشعوب لا يمكن أن تعيش تحت الأنقاض وغزة التي دفعت الثمن الباهظ تستحق أن ترى نهاية لهذه المأساة وبداية لمرحلة جديدة من السلام والاستقرار.