آخر الأخبار

التعليم في مدارس “أونروا” بلبنان بين الحرب والنزوح وفاقد تعليمي متصاعد

SgDJh
فاديا منصور – بوابة اللاجئين الفلسطينيين

لم يكن العام الدراسي 2025-2026 عامًا عاديًا بالنسبة إلى طلاب مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في لبنان، إذ فرضت الحرب والتصعيد الأمني والنزوح الجماعي الذي شهدته المخيمات والتجمعات الفلسطينية واقعًا تعليميًا استثنائيًا، انعكس على عشرات آلاف الطلاب والمعلمين والأهالي.

وبين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد، وتحويل بعض المرافق التعليمية إلى مراكز إيواء للنازحين، والضغوط النفسية والاقتصادية التي عاشتها العائلات الفلسطينية، برزت تساؤلات عديدة حول مدى نجاح “أونروا” في حماية حق الطلاب في التعليم، وضمان استمرارية العملية التعليمية بصورة عادلة وفعالة.

ووفق تقارير الطوارئ الصادرة عن “أونروا”، تأثر نحو 34,541 طالبًا بالإغلاقات المرتبطة بالأحداث الأمنية. وبحلول 31 آذار/مارس، كانت المدارس الستون التابعة للوكالة قد عادت إلى العمل، إلا أن 18 مدرسة فقط كانت تعتمد التعليم الحضوري، فيما استمرت 42 مدرسة بالتعليم عن بعد. وفي الثاني من حزيران/يونيو، ارتفع عدد المدارس العاملة حضوريًا إلى 34 مدرسة، مقابل 24 مدرسة عن بُعد، ومدرستين بنظام التعليم المدمج.

كما شكّل استخدام بعض المدارس والمراكز التدريبية كمواقع لإيواء النازحين تحديًا إضافيًا أمام العملية التعليمية، في وقت تزايدت فيه شكاوى الأهالي والمعلمين من الاكتظاظ، وتقليص أيام الدراسة، والفاقد التعليمي، وضعف الدعم النفسي والتربوي للطلاب.

 

التعليم في عام طوارئ: إدارة الأزمة تحت المجهر

وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ إبراهيم مرعي، المعلم السابق في وكالة “أونروا” والمطّلع على الواقع التربوي في مدارسها في لبنان، أن العام الدراسي الحالي لا يمكن اعتباره عامًا طبيعيًا، بل هو “عام طوارئ بامتياز”، مؤكدًا أن تداعيات الحرب لم تكن العامل الوحيد المؤثر، بل إن طريقة إدارة الأزمة من قبل قسم التعليم في “أونروا” ساهمت في تعميق المشكلات القائمة.

ويقول مرعي، في حديث لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، إن الحديث عن استمرار العملية التعليمية لا يعكس بالضرورة حقيقة ما جرى داخل المدارس والمخيمات، مشيرًا إلى وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

وأضاف مرعي: “لا نستطيع وصف هذا العام بأنه عام دراسي طبيعي. المشكلة لم تكن فقط بالحرب والنزوح، بل أيضًا بطريقة إدارة قسم التعليم للأزمة. كان هناك ارتباك واضح في اتخاذ القرارات، وتأخر في الاستجابة للمتغيرات الميدانية، ومحاولة مستمرة لتقديم صورة توحي بأن التعليم يسير بصورة طبيعية، بينما الواقع داخل الصفوف كان مختلفًا تمامًا”.

ويتابع مرعي أن “أونروا” تعاملت مع العام الدراسي وكأن المطلوب هو إبقاء المدارس مفتوحة شكليًا، وإظهار أن التعليم مستمر، أكثر من التركيز على ضمان تعليم فعلي ذي جودة، مع تجاهل واضح للظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية للطلاب والمعلمين، وفق قوله.

واعتبر مرعي أن السياسات المتبعة كشفت ضعف الجاهزية للطوارئ، وقال: “للأسف يمكن القول إن أونروا وقسم التعليم لم ينجحا في إدارة الأزمة بالشكل المطلوب، بسبب ضعف التخطيط المسبق، وغياب التجهيزات، والتردد في اتخاذ القرارات، والعشوائية في التطبيق”.

أزمة تتجاوز الصفوف، وفاقد تعليمي غير محسوب

وأشار مرعي إلى أن التحديات تجاوزت العملية التعليمية لتتحول إلى أزمة إنسانية ونفسية شاملة، في ظل النزوح والتهجير والضغوط النفسية.

وأوضح لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” أن “أبرز التحديات تمثلت في النزوح والخوف وانقطاع الدوام وضعف الإنترنت والكهرباء وصعوبة التعليم عن بعد، إضافة إلى الاكتظاظ ونقص المعلمين، لكن التحدي الأكبر كان الضغط النفسي الهائل على الطلاب والمعلمين”.

وأضاف: “المعلم كان يتعامل مع طالب نازح أو خائف أو فقد منزله، أو يعيش في مركز إيواء، ومع ذلك لم نشهد خطة دعم نفسي وتربوي تتناسب مع حجم الكارثة”.

كما انتقد مرعي غياب البيانات الدقيقة حول حجم الفاقد التعليمي، وقال: “حتى اليوم لم تقدم أونروا أرقامًا واضحة حول عدد الأيام أو الساعات التعليمية الضائعة، أو عدد الطلاب المنقطعين فعليًا”، مضيفًا: “نحن نتحدث عن فاقد تعليمي ممتد، وليس انقطاعًا محدودًا. المطلوب إعلان هذا الفاقد بوضوح ووضع خطة لمعالجته”.

التعليم عن بعد: فجوة رقمية واجتماعية

ويرى مرعي أن التعليم عن بعد كان حلًا اضطراريًا كشف فجوات عميقة بين الطلاب، وقال: “من يملك هاتفًا وإنترنت وأهلًا داعمين استفاد نسبيًا، بينما وجد كثير من الطلاب أنفسهم خارج العملية التعليمية فعليًا”.

كما أشار إلى ضعف التأهيل التقني لدى بعض الكوادر، مضيفًا: “جزء من التدريب كان نظريًا، ما انعكس على قدرة بعض المعلمين على إدارة التعليم الإلكتروني”.

ومن بين أبرز الإشكالات، تحويل بعض المدارس والمراكز إلى أماكن إيواء للنازحين. وفي هذا الصدد، قال مرعي: “هذه قضية أساسية. مراكز مثل سبلين ومدرسة بتير في نهر البارد استخدمت كمراكز إيواء، ما أثر مباشرة على العملية التعليمية”.

وأضاف: “طلاب التعليم المهني في سبلين حُرموا من التدريب العملي لفترات طويلة، والاكتفاء بالتعليم النظري لا يكفي”.

كما أكد مرعي أن الاكتظاظ ودمج الصفوف تفاقما خلال الأزمة، لافتًا إلى أن الصفوف المكتظة لا تسمح بمتابعة حقيقية، ولا تساعد على معالجة الفاقد التعليمي أو المشكلات النفسية.

وختم مرعي حديثه لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” بالإشارة إلى أزمة ثقة، قائلًا: “لا شفافية كافية ولا مشاركة حقيقية للمعلمين والأهالي. المدرسة ليست مجرد تعليم، بل جزء من الهوية الفلسطينية”، مضيفًا أن “المطلوب ليس إدارة الحد الأدنى، بل حماية حق الطالب في تعليم آمن وعادل وذي جودة”.

الطلاب: قلق دائم ومستقبل غامض

الطالبة مريم مراد، في الصف الحادي عشر، أوضحت في حديث لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” واقع الدراسة تحت ضغط الخوف جراء حرب الاحتلال على لبنان.

وتقول مريم، وهي من مخيم نهر البارد، إن العام كان مرهقًا نفسيًا، موضحة: “كنا نعيش حالة قلق دائم، ولا نعرف إن كانت الدراسة ستستمر أم ستتوقف”، ولفتت إلى أن المشكلة لم تكن في المواد فقط، بل في الظروف المحيطة بالطلاب.

وأضافت: “رغم كل ما مررنا به، حاولت أن أبقى ملتزمة بدراستي، وأن أبذل جهدي حتى لا أتراجع. هذه التجربة علمتني أن أكون أكثر قوة وصبرًا، لكنها في الوقت نفسه كانت تجربة مرهقة نفسيًا”.

وعبّرت مريم عن تمنياتها بأن يواصل المسؤولون عن التعليم دعم الطلاب، وأن يأخذوا بعين الاعتبار حجم الضغوط التي يعيشونها، وقالت: “التعليم بالنسبة لنا ليس مجرد دراسة، بل هو أمل ومستقبل، ونحتاج إلى بيئة مستقرة تساعدنا على تحقيق أحلامنا”.

أما الطالبة حلا المليجي، فأكدت لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” أن الحرب غيّرت كل شيء، وأن التعليم عن بُعد لم يعوض الخسائر النفسية والتعليمية، موضحة أن “كثيرًا من الطلاب نزحوا بلا كتب أو دفاتر، وبعضهم فقد منزله أو أقاربه أو مصادر رزقه”.

وبحسب المليجي، فإن “الحرب ليست عذرًا كما يعتقد البعض، بل هي سبب مباشر في تعطيل حياة الطلاب. هناك طلاب فقدوا منازلهم أو أقاربهم أو مصادر رزق عائلاتهم، وهناك من عاشوا أشهرًا طويلة من القلق والخوف. في مثل هذه الظروف يصبح التركيز على الدراسة أمرًا بالغ الصعوبة”.

وأكدت المليجي أن “كثيرًا من الطلاب خرجوا من منازلهم من دون كتب أو دفاتر، وبعضهم نزح إلى أماكن مكتظة وغير مهيأة للدراسة. كما أن عددًا من العائلات لم يعد قادرًا على تحمل تكاليف الدروس الخاصة أو تأمين احتياجات التعليم الأساسية”.

وأضافت أن الأثر النفسي للحرب كان حاضرًا بصورة يومية، وقالت: “كنا نعيش على وقع الأخبار والتحذيرات والاستهدافات، وهذا انعكس على نفسية الطلاب وعلى قدرتهم على التفكير بالمستقبل أو التركيز على الدراسة كما في الظروف الطبيعية”.

طلاب الشهادات تحت ضغط مضاعف

أما الطالبة نغم سعدي، في الصف الثاني عشر، من أبناء مخيم الرشيدية، فتصف العام الدراسي الحالي بأنه من أكثر الأعوام صعوبة على طلاب الشهادات الرسمية.

وتقول لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” إن القلق كان يرافق الطلاب منذ بداية العام؛ بسبب كثافة المناهج والضغوط المرتبطة بالشهادة الرسمية، قبل أن تتفاقم هذه المخاوف مع تدهور الأوضاع الأمنية.

وأوضحت: “منذ بداية السنة كنا نحاول اللحاق بالدروس وبالمواد المطلوبة، وكثير من الطلاب كانوا يعتمدون على الدروس الخاصة لتعويض النقص الحاصل نتيجة الإضرابات والانقطاعات السابقة”.

وتابعت: “هناك عائلات كانت بالكاد قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، فكيف يمكنها أن تتحمل تكاليف الدروس الخاصة أو المستلزمات التعليمية الإضافية؟”.

وأشارت إلى عدم كفاية كثير من الدروس التي تلقاها الطلاب عن بعد، وخاصة بالنسبة إلى الطلاب الذين لم يتمكنوا من الاستعانة بأساتذة خصوصيين.

وأكدت أن ما أثار القلق لدى طلاب الشهادات الرسمية هو الغموض الذي أحاط بمصير الامتحانات، مشيرة إلى أن الظروف جعلت الطلاب يتمنون أن ينتهي العام الدراسي بسلام، لا أن يحصلوا على معدلات مرتفعة كما جرت العادة. وشددت على أن الأزمة أثرت كثيرًا في الصحة النفسية والجسدية للطلاب.

الأهالي: التعليم لم يعد الهم الوحيد

تقول أم خليل لوباني، من مخيم البداوي، لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، إن العام الدراسي الحالي كان من أكثر الأعوام تعقيدًا على الطلاب الفلسطينيين وعائلاتهم، في ظل تراكم الأزمات التعليمية والمعيشية.

وتوضح أن الاكتظاظ داخل الصفوف كان من أبرز المشكلات منذ بداية العام، حيث تجاوز عدد الطلاب في بعض الصفوف الأربعين طالبًا، ما “يؤثر مباشرة على قدرة الطالب على الفهم والمتابعة، ويحد من قدرة المعلم على إعطاء كل طالب حقه من الاهتمام”.

وأشارت إلى ما وصفته باستهداف الهوية التعليمية، قائلة إن “قضية حذف اسم فلسطين من بعض الشهادات والمضامين التعليمية أثارت استياءً واسعًا بين الأهالي والطلاب، لأن المدرسة بالنسبة للاجئ الفلسطيني ليست مجرد مكان للتعليم، بل مساحة لحفظ الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية”.

 

ولفتت إلى أن الإضرابات والانقطاعات المتكررة، ثم الانتقال إلى التعليم عن بعد في بعض المناطق، عمّقت الفجوة التعليمية بين الطلاب، فيما زاد اعتماد نظام الدراسة لأربعة أيام أسبوعيًا من الضغط على التلاميذ.

وقالت لوباني: “تراكم الدروس والواجبات في أيام أقل جعل الطلاب يعيشون ضغطًا إضافيًا، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية والنفسية الصعبة التي كانوا يواجهونها أساسًا”.

أما أم جمال القدح، من مخيم عين الحلوة، فقالت لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” إن معاناة الأهالي خلال العام الدراسي لم تكن أقل من معاناة أبنائهم. وأوضحت أنها أم لأربعة طلاب في مدارس “أونروا”، وأن الظروف الاقتصادية الناتجة عن الحرب انعكست بصورة مباشرة على قدرة العائلات على تأمين متطلبات التعليم.

وأشارت إلى أن تراجع فرص العمل أجبر العائلات على إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، وقالت: “اضطررت إلى إلغاء اشتراك ابنتي في حافلة المدرسة بسبب الظروف المادية، وأصبحت أوصلها وأعيدها يوميًا بنفسي”.

وتؤكد أن الحرب خلّفت آثارًا نفسية عميقة على الأطفال، حيث “كان الخوف والقلق حاضرين بشكل دائم داخل البيوت، وأطفالي تأثروا نفسيًا مثل كثير من الأطفال، ما جعل التركيز على الدراسة أكثر صعوبة”.

وترى أن استمرار العملية التعليمية كان ضرورة رغم كل الظروف، مضيفة: “الخطر لم يكن مرتبطًا بالمدرسة وحدها، بل كان موجودًا في كل مكان، لذلك كان من الأفضل استمرار التعليم قدر الإمكان رغم العقبات”.

وختمت بالتأكيد أن الحاجة الأساسية اليوم هي الاستقرار، قائلة: “نتمنى أن تنتهي الحروب وأن يعيش أطفالنا حياة طبيعية، فالطالب يحتاج إلى الأمان والاستقرار حتى يتمكن من التعلم وبناء مستقبله”.

مطالب بخطة تعليمية طارئة

في ظل هذه التحديات، تتصاعد الدعوات لإطلاق خطة طوارئ تعليمية شاملة لمعالجة الفاقد التعليمي، وتعزيز الدعم النفسي، وتحسين البنية التحتية، وإشراك المعلمين والأهالي في القرارات، إلى جانب حماية الهوية الوطنية داخل المناهج.

وكشف العام الدراسي 2025-2026 في مدارس “أونروا” بلبنان عن واقع تعليمي بالغ التعقيد، تداخلت فيه الحرب مع النزوح والأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى فاقد تعليمي واسع وضغوط نفسية غير مسبوقة.

وبينما نجحت “أونروا” في إبقاء التعليم قائمًا، تشير شهادات المعلمين والطلاب والأهالي إلى أزمة أعمق تتعلق بجودة التعليم، والعدالة التعليمية، والاستعداد للطوارئ. وتبقى التحديات مفتوحة أمام الوكالة للانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة تعليمية قادرة على حماية حق الطلاب الفلسطينيين في تعليم آمن وعادل ومستقر.

 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة