آخر الأخبار

مستقبل لبنان على ضوء الاتفاق مع إيران

583e22e8-3a1d-441b-8dbb-9987c800d278

آلان علم الدين

الحرب فعل سياسي محفوف بالمخاطر يهدف إلى تغيير موازين القوى. فما هي الموازين التي سعت الولايات المتحدة إلى فرضها حين أطلقت حربها على إيران وماذا حققت؟ وكي لا يكون التحليل في خانة المشاهدة الخاملة: ما العمل في لبنان على أثر الاتفاق؟
ماذا كانت أهداف العدوان؟
لم تخضِ الإدارة الأميركية الحرب بسبب شخصية ترامب الفريدة، إذ للسياسيين هامش من الحرية لكنه محدود بالمشروع السياسي الذي وافق على حمله لمصلحة الكتل المجتمعية المنظمة الداعمة له. ولا لصرف الانتباه عن ملفات إبستين، خاصة نظراً لمحدودية تأثير الرأي العام في واقع الولايات المتحدة الرأسمالي. ولا لأن الكيان يتحكّم بها، وهي فكرة مبسّطة تتجاهل واقع أن في كل من الكيان والولايات أطرافاً عدة مع مصالح مختلفة ومتضاربة، فالديناميكية بين كل هذه الأطراف تشكّل شبكة دقيقة من التأثير والتأثّر.
بل صرحت الإدارة الأميركية في تشرين الثاني 2025 عن تحوّل تاريخي في سياستها الخارجية. فقد أعلنت في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» أن الصين تشكّل التهديد الأبرز للولايات المتحدة وأن 35 عاماً من السياسات الأميركية لاحتوائها لم تفلح. ونصت على أن أولوية الولايات المتحدة الآن هي بناء القدرة الاقتصادية والعسكرية لمواجهة الصين، عبر زيادة الإنتاج المحلي وفرض الهيمنة التامة على القارة الأميركية وتقليل أهمية ساحات أخرى.
وقد حدّدت الولايات المتحدة ما تسميه الشرق الأوسط كإحدى المناطق التي تسعى فيها إلى «استقرار نهائي» يمكّنها من تحويل مواردها نحو مواجهة الصين. واعتبرت أن إيران وحلفاءها العامل المزعزع فطرحت أربعة أهداف متعلقة بإيران: جعلها دولة خاضعة لا تشكّل تهديداً عسكرياً أو نووياً، ولا تدعم تنظيمات مسلحة في المنطقة، وغير قادرة على إغلاق مضيق هرمز، وتنخرط في عملية تطبيع مع الكيان. فسعت لفرض هذه الشروط على إيران، لكن الأخيرة لم ترضخ، فكان العدوان، وأُبرِم اتفاق.
ماذا حقق العدوان؟
تلتزم الولايات المتحدة بحسب الاتفاق برفع أشكال العقوبات كافة وفك تجميد الأموال المسروقة. وتتعهد بوضع خطة بالتعاون مع شركائها الإقليميين تحصّل إيران بموجبها على 300 مليار دولار. كما تتعهد بسحب قواتها من المناطق المجاورة لإيران، دون تحديد هذا «الجوار». وتعترف بحق إيران في تحديد الشكل المستقبلي للإدارة والخدمات البحرية في مضيق هرمز، على شرط أن يكون هذا بالحوار مع عمان والتشاور مع أنظمة «الخليج الفارسي» (نعم، الفارسي!) الأخرى وتحت سقف القانون الدولي، مما يسمح عملياً بخوضها نقاشات شكلية مع جيرانها وفرضها رسوماً مقابل «خدمات».
لكن الأهم أن الاتفاق لا يأتي على ذكر قدرة إيران العسكرية ودعمها لحلفائها وتطبيعها مع الكيان. وفي حين يتضمّن تأكيداً على عدم حيازة إيران القنبلة النووية وفتح مضيق هرمز (وهما ليسا بجديدين)، فإن اللافت أنه لا يذكر آليات جديدة لضمان ذلك. وعليه، بعيداً عن الخطاب الانتصاري وعن ثنائية النصر والهزيمة، يبدو أننا أمام تبدّل في علاقات القوة يصب بوضوح في مصلحة إيران.

المواجهة ليست ضد عون وسلام فقط بل ضد نظام الطوائف بأكمله وقد رأينا عجز هذا النظام مرة تلو الأخرى

ماذا عن لبنان؟
لا يتضمن الاتفاق «الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان» فحسب، بل أيضاً «ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته»، دون ذكر آلية لفرض انسحاب العدو. من ناحية أخرى، لا نزال أمام رئاستي جمهورية وحكومة جرّمتا المقاومة وقبلتا انسحاب لبنانيين من أرضهم وطرحتا «السلام» مع إسرائيل، وهاتان الرئاستان ماضيتان في تطبيعهما. فكيف نواجه؟
أولاً، لا ننسى أيضاً أن هذه الحكومة حائزة على ثقة كل الطوائف. ولا ننسى أن مسار التطبيع مسار قديم وليس مستجداً، إذ إن لبنان تبنّى خيار «السلام» عام 2002 واعترف بـ«حقوق إسرائيل» في اتفاق ترسيم الحدود عام 2022. لذا، فالمواجهة ليست ضد عون وسلام فقط بل ضد نظام الطوائف بأكمله. وقد رأينا عجز هذا النظام، مرة تلو الأخرى، ولا سيما منذ إطلاق «طوفان الأقصى»، ليس عن الدفاع عن أرضه فحسب، بل أيضاً عن صون مجتمعه.
طرحت بهذا الخصوص حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، في بيان «المواجهة مع الخارج داخلية بغاياتها وبوسائل خوضها، فلنُقم دولة اليوم»، ثلاثة خيارات سياسية:
أولاً، تفعيل خدمة مدنية وعسكرية إلزامية، لنقل خبرات المقاتلين اللبنانيين المنخرطين في حزب الله منه إلى الدولة ولانخراط كامل المجتمع في الدفاع، وتشمل صناعة السلاح.
ثانياً، تفعيل نظام ضريبي لتمويل التسليح ولفك تبعية الجيش لمموليه الحاليين، أي قطر والولايات المتحدة.
وثالثاً، إعلان شرعية مدنية للدولة اللبنانية يصبح الانتماء إلى الطائفة فيها اختيارياً، لمواجهة توظيف العدو للهويات بغية تفتيتنا وتحصين المجتمع من الاقتتال.
ليس الكلام هنا عن طرح شفهي، كدعوة الشيخ نعيم قاسم رئيس الجمهورية «للكلمة والحوار والمناقشة الهادئة»، أو تصريحات بري وجنبلاط وباسيل، الداعمة للحق بالمقاومة ولإقامة الدولة. بل عن مشروع سياسي يُطرَح في مجلس الوزراء، فإن قبِله شكّل أساس عمله، وإن رفضه عرّى ارتهان مدّعي السيادة وشكّل مشروع معارضة سياسية تسعى لإسقاط هذه الحكومة وتشكيل حكومة أخرى ترسي شرعية دولة.
في الأمر مواجهة، نعم. لكن العدوان، والتخاذل أمامه، يستدعيان المواجهة. عوض أن تكون هذه المواجهة طائفية وبائسة كالعادة، لنبرز، هذه المرة، خط تماس مصالِحي: لإرساء شرعية دولة عوض التفكك والتطبيع. ولتتحمل كل الأحزاب والنخب الحاملة عنوان العداء لإسرائيل مسؤوليتها في المواجهة.
* كاتب

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة