سعد الله مزرعاني
لعلَّ الذريعة الأبرز ضد المقاومة اللبنانية، بعد مسألة الارتباط بالخارج، هي الخسائر والتكلفة في المجالات البشرية والعمرانية. تتصل بهاتين الأخيرتين، حكماً، مسائل التهجير والتشريد وتدمير البنى التحتية والحصار. يتصل بهما، أيضاً، ضياع المواسم وتعطيل مصادر عدة للإنتاج والنشاط. تضاف كذلك السنوات الضائعة من هدر الوقت في حقول التربية والدراسة مما سيكون تعويضه شبه مستحيل.
في اليوميات وفي السجالات العامة في وسائل الإعلام والتواصل المتنوعة، وخصوصاً في حلقات وبرامج «التوك شو» الموجَّهة والمموّلة بسخاء، يجري استحضار تلك الخسائر المتنوعة، وهي كبيرة وفادحة بالتأكيد، لتبرير سياسة ووجهة وخيار، ضد سياسة ووجهة وخيار من النوع النقيض.
يغذّي ذلك أن العدو الصهيوني قد اختار وأدمن نوعاً متفرداً من الحروب الموجَّهة، بالدرجة الأولى، ضد المدنيين. هذا النوع ليس جديداً بالنسبة إلى الحركة الصهيونية وإلى مشروعها الإحلالي والاغتصابي في فلسطين. توسّل حملة هذا المشروع المجازر والتشريد والإرهاب أداة محورية لتحقيق أهدافهم. منذ ثلاث سنوات، يشهد العالم نسخة جديدة من هذا النهج، هي الأوسع والأشمل والأكثر فتكاً وتدميراً ووحشية: الإبادة الشاملة للمدنيين، والتفجير والتدمير الكاملين للعمران. يجري تكرار ذلك في الجنوب اللبناني وفق «نموذج غزة».
ما مارسته وتمارسه دول عظمى استعمارية، غربية خصوصاً، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، هو التبرير بذريعة «الدفاع عن النفس»، ودعم المعتدي بكل أسلحة القتل والدمار والإبادة.
بالتأكيد ليست الخسائر، من كل نوع، وخصوصاً البشرية منها، مسألة يمكن تجاهلها. رغم ذلك، هي ليست وحيدة في تقرير المسارات والخيارات، وخصوصاً، النتائج.
ينبغي القول، في امتداد ذلك إن المجالات والحقول، موضوع «التقريش»، ليست متماثلة في كل الأحيان أو الحالات. ما ينطبق على التنافس التجاري والصفقات، لا ينطبق، ولو بدرجة ضعيفة، مثلاً، على مسألة بحجم الدفاع عن الوطن وعن سيادته واستقراره ووحدته الوطنية وحقوق شعبه، أو عن تراثه ومقدساته وثرواته.
في التجارة تتحدّث الأرقام والمخاطر والفرص. تكون مسائل الإقدام والمغامرة، أو الإحجام والتراجع، محكومة ببارومتر الربح والخسارة فحسب. لا يصح ذلك إطلاقاً، عندما يتعلق الأمر بخطر يتهدّد الوطن أو بعض مقوماته الأساسية، بشراً وحجراً وسيادة وقيماً، بالضياع أو الفناء. ليس بالمصادفة أن الاجتماع البشري قد اشتقّ صيغة بناء الجيوش وجعل الدفاع عن الحدود والمصالح الوطنية المتنوعة، واجباً تسهل من أجله الأرواح والخسائر مهما بلغت وكانت مؤذية وباهظة ومديدة. ليس مصادفة أيضاً أن وصف الخيانة قد أسبغ في هذا الصدد، حصرياً، على المتهاونين أو المتخاذلين أو المفرطين أو حتى العاجزين.
الحروب تحمل، في كل الظروف الكثير من الخسائر لكل المنخرطين فيها. تكون الخسائر، طبعاً، أكبر وأفتك، في الطرف الأضعف. في حالات الاحتلال الناجم عن عدوان في نطاق صراع أو في مجرى محاولة حسمه، قد تُدمر جيوش أو تضعف جزئياً أو كلياً. ينشأ فوراً، أو تباعاً، ميزان قوى راجح أو حاسم لمصلحة المتعدّي الأقوى. عندما يعجز أو يضعف المستوى الرسمي النظامي، يأتي دور المستوى الشعبي غير النظامي. هذا الدور قد ينطلق بمبادرة رسمية أحياناً. هو يتخذ شكل التكامل مع المستوى الرسمي.
أبرز مثال حرب «الأنصار» السوفياتية التي تحملت عبئاً أساسياً في المواجهة من خلف خطوط العدو. الاحتمال الثاني هو انهيار المستوى الرسمي كلياً، ما يضاعف من الأعباء التي تلقى على المستوى الشعبي منفرداً. ثمة حالة ثالثة هي الأسوأ، عندما تتواطأ سلطة البلد المستهدف مع العدو نتيجة سياسات منحرفة أو خاطئة أو فئوية، فتصبح المهمة الدفاعية منوطة حصرياً بالجهد الشعبي وعليه تُعلّق الآمال في المقاومة وفي التحرير.
الحالة الأخيرة المتصلة بالمقاومة غير الرسمية، تمّ تناولها في الاتفاقات الدولية لجهة اعتبارها حقاً ثابتاً ومشروعاً دون لَبس. هي تكتسب ضرورتها وشرعيتها من الاحتلال نفسه بوصفها نقيضاً له في واجب وحق الدفاع معاً. تندرج المقاومة الشعبية للمحتل في نطاق حق الشعوب في تقرير مصيرها. أعضاؤها الذين يقاتلون المحتل هم أسرى حرب في حال اعتقالهم أو استسلامهم. هذا بعض ما تنص عليه القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل قاطع.
تنطلق المقاومة الشعبية التي هي واجب وحق إذاً، من نسبة مختلة في التوازن. هي، تلقائياً، في حال قيامها، محكومة بأن تنطلق من مبدأ الواجب، لا من واقع التوازنات، ومن سمو ومصيرية الهدف لا من كلفة وأثمان تحقيقه. أما إذا كان المنطلق هو ميزان القوى (وهو مختل)، وحسابات التكلفة (وهي باهظة دائماً)، فالنتيجة ستكون، بالضرورة، الاستسلام والرضوخ والمهانة والخسارة.
بين الكفاح من أجل الهدف، وبين الانطلاق من التكلفة والخسائر، تتحدّد مصائر وتلوح آمال وتجترح معجزات، أو ترتكب أخطاء ويتحكم محتل وتضيع أوطان وشعوب وحقوق. الأمثلة عدة: الجزائر، فيتنام، جنوب أفريقيا… الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية تكبّد أكبر نسبة خسائر في التاريخ. لكنه، في المقابل، قدّم أعظم مساهمة في إنقاذ البشرية عموماً من الوحش النازي والفاشي.
اختبرت المقاومة اللبنانية ظروفاً متنوعة. تعايشت مع سلطات محايدة أو متعاطفة. واجهت المحتل وداعميه والسلطة التي فرضها عام 1982. واجهته عام 2006. تواجه الآن المحتل وسلطة تراهن عليه وعلى داعميه لتحقيق أهداف داخلية تتعارض مع المصلحة الوطنية! في كل تلك الحالات، قدّمت المقاومة اللبنانية، بكل مسمياتها ومراحلها (وتقدّم الآن)، نماذج باهرة في الشجاعة والتضحية والمواجهة و… الانتصار!
* كاتب وسياسي لبناني