أبو الشريف رباح
لم يعد السؤال متى يتوقف العدوان على قطاع غزة بل متى تبدأ عملية إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية بعد سنوات من القتل والدمار والتجويع والتهجير، فبعد ما يقارب ثلاثة أعوام من حرب غير مسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عاد الحديث مجدداً عن خطط لوقف العدوان وإطلاق مرحلة إعادة الإعمار إلا أن الواقع السياسي لا يزال أكثر تعقيداً من كل التصريحات والوعود.
ورغم الحديث عن مبادرات أميركية وما يتداول بشأن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب وإعادة إعمار غزة وعودة النازحين إلى مناطقهم فإن تنفيذ أي خطة يصطدم بعقبة أساسية تتمثل في حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي لا تخفي معارضتها لأي خطوة يمكن أن تفتح الباب أمام حل سياسي يعيد الاعتبار للحقوق الوطنية الفلسطينية.
فبنيامين نتنياهو يدرك أن أي التزام حقيقي بوقف الحرب والدخول في مسار سياسي قد يهدد مستقبل ائتلافه الحكومي الذي يعتمد على قوى اليمين المتطرف وفي مقدمتها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش إضافة إلى شخصيات أخرى تتبنى مواقف ترفض قيام دولة فلسطينية وتدعو إلى فرض وقائع جديدة على الأرض سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية والقدس.
من هنا فإن غزة تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية فإما أن تتحول التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تضع حداً للعدوان وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة إلى القطاع وإما أن تبقى مجرد عناوين إعلامية تصطدم بسياسات الاحتلال لتدخل المنطقة في دورة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تكون مشروعاً هندسياً أو اقتصادياً فحسب بل هي قضية سياسية بامتياز، فلا قيمة لإعادة بناء المنازل إذا بقي شبح الحرب قائماً ولا جدوى من تشييد المدارس والمستشفيات إذا كانت عرضة للتدمير في أي مواجهة جديدة ولا معنى لعودة النازحين إذا لم يشعروا بأن الأمن والاستقرار أصبحا حقيقة لا وعداً مؤقتاً.
إن المجتمع الدولي الذي تعهد مراراً بإعادة إعمار القطاع مطالب اليوم بأن يربط أي خطة إعمار بضمانات سياسية وقانونية تمنع تكرار المأساة وتلزم الاحتلال باحترام القانون الدولي ووقف الاعتداءات لأن إعادة البناء من دون معالجة أسباب الصراع لن تكون سوى هدنة مؤقتة بين حربين.
وفي المقابل فإن الشعب الفلسطيني الذي صمد في وجه واحدة من أكثر الحروب قسوة في العصر الحديث لن يقبل بأن تكون إعادة الإعمار ثمناً للتنازل عن حقوقه الوطنية، فالإعمار حق إنساني وليس منحة سياسية ولا يجوز استخدامه وسيلة لفرض حلول تنتقص من حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
لقد أثبت التاريخ أن كل المشاريع التي حاولت تجاوز الحقوق الفلسطينية أو الالتفاف عليها انتهت إلى الفشل لأن السلام الحقيقي لا يصنع بالقوة العسكرية ولا بالإملاءات السياسية وإنما بالاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب، ومن هذا المنطلق فإن أي خطة لا تنطلق من إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لن تحقق استقراراً دائماً مهما حظيت بدعم القوى الكبرى.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فإما أن تتحول إعادة إعمار غزة إلى بداية مسار سياسي ينهي عقوداً من الاحتلال والصراع، وإما أن تضيع الفرصة مرة أخرى تحت وطأة الحسابات الإسرائيلية الضيقة والانقسامات الدولية ليبقى الفلسطينيون يدفعون الثمن الأكبر.
ويبقى السؤال الذي ينتظر العالم إجابته، هل تمتلك الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي الإرادة الكافية لإلزام حكومة الاحتلال بتنفيذ أي اتفاق يقود إلى وقف دائم للحرب وإعادة إعمار غزة، أم أن القطاع سيظل رهينة للمماطلة الإسرائيلية لتتأجل إعادة الإعمار مرة أخرى ويبقى ملايين الفلسطينيين أسرى الدمار والنزوح والمعاناة؟