أيهم السهلي
جميل شعر تميم البرغوثي، وجميل إلقاؤه للقصيدة، والأجمل أن الزمن الحاضر يتيح تداول القصيدة على الصفحات والألسن بعدد الشاشات وملايين المتابعات والمتابعين.
يكتب الرجل بقلم ينهل من دم التاريخ شعراً، يغوص الشاعر في التاريخ، ويغوص التاريخ في الشاعر، يتماهيان، فيكتبان معاً رحلة الشاعر العربي، أو يستلّان الشعر من غمده، ويفتحان في الروح نوافذ تطل على حلم، فتكون القصيدة، أو يكون الشعر وقد تجلى باسم كاتبه.
هذا حال الشعراء، أولي ألباب القلوب، حملة الكلام الذين يصطحبون الحياة إلى منازلهم، وبينما تنال الحياة قسطها من الدهشة، ينام العالم ليستريح من تعب الشمس والقمر، إلا الشعراء من طينة تميم البرغوثي ومحمود درويش وسميح القاسم والمتنبي وبشار بن برد، يبقون في يقظة، يقطفون من كل ضوء نوراً، ومن كل حلم حلماً، ومن كل ماء ماءً، وتكون القصيدة.
كتب تميم البرغوثي قصائد تسرّ العين في رؤاها، والقلب في تأملاتها، والأذن في لحنها، قصائد تجعل الساري في ليل المدينة يضحك ويبحث عن اسم ومعنى للأشياء حوله.
وكتابته هي خلاصة تجربة صاحبها، وهي مختلفة عن تجارب شعراء فلسطينيين وعرب عاشوا زمن الثورة الفلسطينية. فتميم يعيش في زمن قامت فيه ثورات على حكّام في العالم العربي، وزمن قامت فيه المقاومة في فلسطين بعملية كبيرة، أيدتها أطراف وأنكرتها أطراف، والبعض اعتبرها مغامرة ما بعدها مغامرة، ولأن تميم ابن هذا الزمن، وحصيلة تاريخ فلسطيني وعربي وإسلامي كبير، قال «تحريرها كلها قد بدأ».
في هذا الواقع، وهذه الأحداث الكبرى، بما فيها الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، لا يعيش تميم البرغوثي في عالم شعري موازٍ، ولا يجرب قول الهراء إرضاء لهذا وذاك، لكنه يقول ما يراه صواباً في المعطى التاريخي والسياسي، يقوله شعراً جميلاً ويلقيه على زمان تتصارع فيه القيم والمبادئ بعضها ببعض، فلا يلقي أصحابها بالاً إلا للشتيمة والقدح والذم بالحاضر والماضي والمستقبل.
وهذا الزمن الذي نتفرج فيه على مصائرنا من دون قدرة على تحديد مآلاتها، لا يشبه زمن بيروت الاجتياح والحصار قبل أكثر من أربعين عاماً، وإن كان يشبهه في المجازر في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وقانا لاحقاً. في الماضي كانت بيروت حلماً، وكان الشعراء من كل حدب وصوب يأتون إليها، كأنها «وادي عبقر»، في هذا الزمن تكون حيث تكون، ترى وتسمع، وإن كنت شاعراً تكتب، وتسافر حيث الحرب وتكتب، وهذا ما فعله تميم البرغوثي حين زار بيروت خلال حرب 2024.
ليبدو الكلام السابق مدافعاً عن شاعر لا أعرفه إلا من كلِمه، لكنه ليس دفاعاً عنه، فلديه من الشعر ما ينصفه، ويتركه أثراً بين الناس بعد مئات السنين، وهذا عهد البشرية مع الشعر العظيم. لكن الدفاع هو عن إمكانية أن يسمح للناس بأن تقرر ما يعجبها، فهي أكثر حساسية لما هو في غير مصلحتها ولا يتلاءم مع توجهاتها. ولعل السبب في كل ما سبق، كثير من التخوين وغيره طاول شعراء الأرض المحتلة في يوم من الأيام، وتهمة شعراء البلاط التي طاولت أحمد شوقي والمتنبي. ماتوا جميعاً وظل شعرهم خالداً وسيخلد ما بقيت الأرض.
في هذا الزمن الذي يعيش فيه تميم، الشاعر المعاصر والتراثي معاً، نجد أولئك الذين يتكرر حضورهم في كل عصر؛ الذين يشوّهون السمع ويقتلون الجمال. إنهم أصحاب الآراء الذين يريدون للناس أن يكونوا على مزاجهم، فيقسّمون البشر إلى وطنيين وغير وطنيين، ومقاومين وغير مقاومين، وثوريين وغير ثوريين، وخونة وغير خونة.
والعجيب كل العجب أن كارهي شعر تميم البرغوثي، وربما شخصه، يكرهون بعضهم بعضاً، ومن الصعب أن يلتقوا على رأي واحد. لكنهم اجتمعوا على شاعر تلتقي في شعره الثورة والمقاومة، فتمتزجان كأنهما قدر الوجود، وقدر الشعوب، وقدر القيامة التي لا قيامة بعدها إلا بحرّية ثمنها الموت والحياة في سبيلها.
* كاتب فلسطيني