حمزة البشتاوي*
لم يتخلَّ الكتّاب والأدباء الفلسطينيون، منذ النكبة واللجوء القسري، عن الثقافة الوطنية الفلسطينية بوصفها موقفاً ورسالةً وانتماءً، جاعلين من الكتابة وسيلةً للحفاظ على الهوية الوطنية، وتوثيقاً للذاكرة والمعاناة ومسيرة كفاح الشعب الفلسطيني وثورته من أجل العودة والخلاص من الاحتلال.
ومنذ تأسيس اتحاد الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين عام 1966، وانعقاد مؤتمره الأول عام 1972، ساهم الكتّاب الفلسطينيون في لبنان، من خلال الصحافة والشعر والرواية والأبحاث والدراسات، في بناء ذاكرة جماعية للشعب الفلسطيني، وأثروا بإبداعهم الحياة الثقافية والفنية في لبنان، بعد أن تحوّلت بيروت إلى أحد أهمّ مراكز الإنتاج الفكري والثقافي والفني الفلسطيني في العالم.
احتلّ الكتّاب الفلسطينيون الذين أقاموا في بيروت مكانةً بارزةً في تاريخ الثقافة الفلسطينية المعاصرة، ولا سيما بين عامي 1970 و1982، لكن هذه المكانة تراجعت بعد الخروج من بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والدخول في غياب طويل امتدّ حتى عام 1995، حين قام عدد من الكتّاب بتأسيس اتحاد كتّاب وصحافيّي فلسطين في لبنان، بعيداً عن أيّ مرجعية أو تبعية للاتحاد الموجود في رام الله أو الموجود في دمشق. واستمرّ في نشاطه إلى أن اتجهت الأمور نحو الانضمام إلى الاتحاد الموجود في دمشق، وعُقد مؤتمر لفرع بيروت عام 1998، في خضمّ التشتّت الذي عانى منه الجسم الثقافي الفلسطيني بين الداخل والشتات، وسط وجود اتحادين من دون أيّ رابط تنظيمي بينهما، في تعبير واضح عن حالة الانقسام والافتراق التي طالت الاتحادين، واستمرت حتى عام 2010، حيث انتُخبت في الوطن أمانة عامة جديدة للاتحاد أخذت على عاتقها العمل على توحيد الاتحاد بين الوطن والشتات، انطلاقاً من أن الكتّاب واتحادهم يمثلون وجدان الشعب الفلسطيني، ويعبّرون عن السقف الأعلى لتطلعات شعبنا بكامل حقوقه، بمعزل عن كل السياسيين وخياراتهم.
ووقّعت، من أجل ذلك، اتفاقيات مع الاتحاد العام للكتّاب والصحافيين الفلسطينيين في دمشق، والاتحاد العام للكتّاب والأدباء العرب، وأكدت الالتزام بالثوابت الوطنية، والعمل على ترسيخ ثقافة المقاومة ورفض التطبيع. وبعد زيارة مفصلية قام بها الأمين العام للاتحاد مراد السوداني، برفقة الآباء المؤسسين للاتحاد: الشاعر الراحل خالد أبو خالد، والأديب الراحل رشاد أبو شاور، والروائي والناقد وليد أبو بكر، إلى بيروت عام 2017، شُكّلت لجنة تحضيرية مهمتها متابعة العضوية والإعداد لمؤتمر فرع لبنان.
غير أنّ ما جرى في عام 2018 أدى إلى قطع جسور التواصل مع ما تمّ إنجازه، إلى أن عاد العمل مجدداً في هذا الإطار التوحيدي عام 2019، وصولاً إلى عقد مؤتمر فرع سورية عام 2026، تحت اسم الشهيد الكاتب سليم النفار وكلّ الشهداء الكتّاب، وانتُخبت أمانة للفرع أكدت، في بيانها الأول، وحدة المؤسسة والمرجعية، والعمل ضمن رؤية وطنية تستلهم نضالات شعبنا وقيمنا الوطنية والإنسانية والحقوقية، التي جسّدها الميثاق الوطني الفلسطيني منذ انبثاق منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني.
ويشكل فرع لبنان في الاتحاد ركيزةً أساسيةً في الحركة الثقافية الفلسطينية، مستفيداً من المكانة التي تحتلها بيروت بوصفها مركزاً ومنارةً ثقافية، إضافةً إلى وجود الكتّاب والأدباء الفلسطينيين ودورهم ومساهمتهم في صناعة الوعي، والحفاظ على الرواية الفلسطينية، والدفاع عن الهوية، وهم الذين يتحلّون بصدق الانتماء وتحمّل المسؤولية، باعتبارهم أحد أذرع الثقافة الفلسطينية في الشتات. ويتجلى ذلك عبر الكتابة والإبداع، وتنظيم الأنشطة الأدبية والفكرية، وإصدار البيانات، والمشاركة في المؤتمرات والملتقيات، والتعاون مع اتحاد الكتّاب اللبنانيين والمؤسسات الثقافية، حيث يبرز دور الكاتب والأديب الفلسطيني في لبنان على صعيد الإبداع، وحمل رسالة المقاومة في مواجهة محاولات التصفية والتشويه، إضافةً إلى دوره في رعاية وتشجيع الكتّاب الشباب في المخيمات، والحفاظ على التراث الفلسطيني وتوثيقه.
وهذه من أبرز مسؤوليات ومهام الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، خاصةً بعد إنجاز مؤتمرهم، الذي لن يتمّ فيه إقصاء أو استبعاد أحد، امتثالاً للمواقف الوطنية العالية لفلسطين وخارطتها وبنادقها، وللجهود المبذولة، رغم الإمكانات البسيطة.
وفي استمرار لهذه الجهود، شُكّلت لجنة تحضيرية بالمهام نفسها التي أوكلت إلى اللجنة السابقة، والتي كان من بين أعضائها الكاتب الراحل نافذ أبو حسنة، والشاعر الراحل إسكندر حبش، على أن يُعقد مؤتمر فرع لبنان في الثالث والعشرين من شهر آب الحالي، وفقاً للأصول، وانطلاقاً من قناعة الكتّاب بالدور والمهام المطلوبة منهم، والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، حاملين سيرة ومسيرة الأدباء والكتّاب المؤسسين، ومنهم غسان كنفاني، وكمال ناصر، وخالد أبو خالد، ورشاد أبو شاور، وحنا مقبل، الذي قال:
“أن تكون فلسطينياً يعني أن تكون مقاتلاً، ففي الوقت الذي يحاولون فيه الفصل بين القضية والثورة، يكون الانتماء للثورة المعيار الوحيد للمواطنة، فالثورة، في غياب الوطن، هي الوطن”.
*كاتب وإعلامي