آخر الأخبار

رسائل فلسطين من بلاد الرافدين

1

أحمد الصباهي

مدينة قرّر أهلها أن تبقى كما تركها الشهيد الحسين، متواضعةً في مبانيها، حتى تكاد تشعر أنك في مخيم برج البراجنة، بأهله الفقراء، وشوارعه الشعبية، وخيامه المنتشرة على جانبي الطريق لتقديم الطعام والشراب لزوار الحسين. تتلمّس الأجواء الشعبية، من محالّها إلى مساكنها وأهلها وروّادها، فيشعر الإنسان أنه قريب من الناس.

أمّا الفلسطيني، فله ميزة مختلفة جداً؛ إذ يحظى بحب من نوع آخر يُظهِره العراقيون بطرق متعددة. لقد اضطررت إلى إهداء الشال الفلسطيني الذي كان يلتف حول عنقي عدة مرات لمن طلبه مني في الطرقات، أثناء مسير الزوار إلى الحسين، وأثناء زيارتي مقامه مع وفود إعلامية من مختلف أنحاء العالم. فقد تحلّق حولي عدد من الأشخاص، وأخذ أحدهم يتمسّح بي عندما عرف أنني من فلسطين، الأمر الذي أثار دهشتي، ولم أجد بداً من أن أهديه شيئاً، فخلعت الشال ووضعته حول رقبته، كما طلب مني كثيرون التقاط صور تذكارية معهم.
كان مؤتمر «نداء الأقصى» الدولي الخامس، المنعقد في كربلاء، حدثاً مهماً أتاح لي أن أعاين عن قرب قصصاً شاهدتها، وأحاديث خضتها مع شخصيات عربية وإسلامية حول فلسطين وغزة. ولن أخوض في تفاصيل هذا المؤتمر، على أهميته، وإنما سأروي بعض القصص التي خرجت بها من خلال اللقاءات العامة والشخصية.

من اللقاءات المهمة التي حضرتها، ذلك اللقاء مع ما يُطلق عليه «المتولّي الشرعي» لإدارة العتبة الحسينية، الشيخ الكربلائي، وهي مرجعية كبرى في العراق. ولم يكن الحديث من طرف واحد، بل كان نقاشاً اتّسم بالأخذ والرد. ومن أجمل ما قيل فيه، ما طرحه عضو الوفد الإسباني، النائب الأوروبي السابق مانويل بينيدا، ممثل أحد الأحزاب الشيوعية، في حديثه مع الشيخ الكربلائي؛ كان لدى بينيدا الجرأة ليقول إن شخصية تشي غيفارا حوّلها اليسار إلى رمز عالمي في مواجهة الظلم، ولم تعد محصورة ببلد معين، وأضاف: «وعليكم أنتم أن تُخرِجوا الحسين من نطاق الشيعة إلى العالمية».

جاء ردّ الكربلائي بأن الحديث عن الحسين لا ينفصل عن الحدث الحقيقي الذي يجري اليوم في غزة، وفي كل مكان يُرتكب فيه الظلم. وقال إن أوجه التشابه بين ما تعرّض له الحسين وما تتعرّض له غزة كثيرة، بدءاً من عدم الرضوخ للجبروت، وقلة الناصر، والتضحية، وهي معانٍ جسّدها شعب غزة ومقاومتها. وأضاف أن على الجميع، كل في بلده، أن يتحدّث عن فلسطين، وأن المرجعيات الشيعية في العراق مُجمِعة على أولوية العمل من أجل فلسطين، ولذلك فإن شخصية الحسين هي شخصية عالمية.

وكانت فرصة أيضاً للقاء أبناء قطاع غزة، الذين تلقّى بعضهم خبر استشهاد ذويهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد انقطاع الاتصالات. رووا قصصهم في المؤتمر؛ فقد قُصفت منازل عائلاتهم، واحتُجزوا تحت الأنقاض، وخرج بعضهم بأعجوبة، فيما استشهد الآخرون. وكان سؤالي الدائم: ما الذي يمكن أن تضيفه قصصهم، وقد رأينا وسمعنا منها الكثير؟ وبقدر ما فاجأني الجواب، احترمت حجم المسؤولية الإنسانية التي حملوها على عاتقهم. فمن باب إيصال الرسالة التي أوصاهم بها ذووهم، نقلت هنادي صيام، التي فقدت والديها و65 من أفراد عائلتها، وصية شقيقها عن حي الزيتون في غزة: «حدّثي العالم عن حي الزيتون يا هنادي». كما نقل عبد الرحيم العروق رسالة والده، الذي كان يسأله باستمرار: «هل يعلم العالم ما يجري بنا؟»، وهو الذي فقد والدته و32 من أفراد أسرته، وما زال كثير منهم تحت الأنقاض.

وعندما سألتهم عن أثر وصول رسالة غزة إلى العالم، أجمعوا على أن هذه الحاجة تخصّ العالم قبل أن تخص أهل غزة، وأن أهالي القطاع، وهم يعيشون هذه المأساة، يريدون فقط أن يدرك العالم حجم معاناتهم، وأن هناك كثيراً من القصص التي لم تُروَ بعد.
أمّا القس الإنجيلي المصري رفعت فكري سعيد، فتمثّلت رسالته في ضرورة التفريق بين الإنجيليين في العالم العربي والإنجيلية الصهيونية التي تدعم كيان الاحتلال الإسرائيلي: «الإنجيلية لا يمكن أن تبرّر ما يقوم به الاحتلال، وفلسطين ليست قضية المسلمين وحدهم، بل هي أيضاً قضية المسيحيين، ومعاناتهم معروفة، وهم من أصحاب الأرض».

ومن خارج سياق المؤتمر، تعرّفت مصادفة إلى شاب عراقي اقتحم مكان إقامتنا، بعدما وجدها فرصة للالتقاء بفلسطينيين من غزة ومن خارجها، وقرّر أن يكتب رواية عن غزة من خلال إجراء لقاءات مباشرة مع المشاركين. شاب مهندس في الثامنة والعشرين من عمره، يُدعى ميرزا حيدر، يعشق فلسطين. وكانت غزة بالنسبة إليه مناسبة للحديث عن مبادراته الفردية في مقاطعة بضائع الشركات التي تتعامل مع الاحتلال، عبر نشر الملصقات في المحال التجارية، وتشجيع أصحابها على المقاطعة، مستنداً إلى الحديث المأثور الوارد في بعض أسانيد الشيعة: «لا تلبسوا لباس أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تشاكلوا بما شاكل أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي».

في بداية «طوفان الأقصى»، تبرّعت عائلة حيدر بكل ما تملك من مال لغزة، حتى مدّخرات شقيقته الشخصية. وقال لي: «لقد رفعتم رؤوس الأمة عالياً». عندها شعرت، وأنا اللاجئ الفلسطيني في لبنان، البعيد مئات الكيلومترات عن غزة، ولم أعش معاناتهم المباشرة، بشيء من الحياء أن يُنسب إليَّ شيء من تضحيات أهل غزة.

أغادر العراق ممتناً لهذه التجربة، ولهذه اللقاءات، وما كدّرها إلا ضياع دفتر مذكّراتي الشخصية، الذي يرافقني في أسفاري لتدوين الملاحظات والخواطر والذكريات. وهو دفتر خاص أهدتني إياه زوجتي. أرجو أن تجد لي عذراً في ضياع هذه الهدية العزيزة على قلبي. ولمن سيقع هذا الدفتر بين يديه: قد لا يجد فيه اسمي ولا رقم هاتفي، لكنه سيجد قصصاً ومواقف شخصية، ربما أفتخر ببعضها، وربما لا أفتخر ببعضها الآخر، لكنه، إن كان عراقياً، فسيعتز بما دوّنته عنكم.

* إعلامي فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة