حسين قاسم
ما من فلسطيني عاقل إلّا ويتمنى أن يكون للشعب الفلسطيني دورٌ فعّال في اختيار القيادة التي تمثّله، وتنطق باسمه، وتتّخذ القرارات التي تمسّ جميع جوانب حياته بما في ذلك طموحاته ومصالحه وحقوقه المشروعة. وما من شك في أن الانتخابات العامة هي من أهم الوسائل للقيام بهذا الدور. ولا يخفى على أحد أن الانتخابات، ولكي تؤدّي الدور المرجوّ منها، يجب أن تجري ضمن شروطٍ تضمن حريتها ونزاهتها. لذلك، عند الحديث بشأن الانتخابات الفلسطينية، لا بدّ من التأكّد من توفّر هذه الشروط.
حرية الانتخابات وتقرير المصير والسيادة
لا يمكن أن تكون الانتخابات حرة إذا كان الشعب الفلسطيني لا يتمتّع بالحرية. فالاحتلال ما زال جاثمًا على صدره، واتفاقيّات أوسلو، التي تجري على أساسها الانتخابات في الضفة والقطاع، لا تعترف بحقه المشروع في تقرير مصيره. وهذا يعني أن الشعب لا يتمتّع بحريته السياسية. يُضاف إلى هذا، أن الوقائع التي كُرِّست بعد مرور 33 سنة من عمر أوسلو، مثل التنسيق الأمني وانتشار السرطان الاستيطاني والإبادة، قد جعلت الحديث عن حرية الانتخابات، حتى النسبية منها، ضربًا من الخيال. قد يقال إن انتخابات 2006 قد أدّت إلى فوز «حماس»، المُعارِضة لأوسلو، وبالتالي يمكن لإرادة الشعب أن تخرق جدار هذه الاتفاقيات المُذِلّة.
هذا الأمر رغم صحته شكلًا، يظلُّ بلا مضمونٍ عملي بسبب قدرة الكيان الصهيوني على تعطيل مفاعيل نتائج الانتخابات إذا لم تأتِ على هواه. وفي محصّلة الانتخابات المذكورة، لم تتمكن «حماس» من ممارسة السلطة بسبب تحكُّم الاحتلال الصهيوني والدول المانحة بمقوّمات هذه السلطة (الحدود، الاقتصاد، الثروات الطبيعية، الأمن، حركة الناس،…). وهذا دليل ساطع على أن التعويل على الانتخابات، في غياب السيادة وممارسة حق تقرير المصير، هو إضاعة للجهود والتضحيات، وكذلك انحراف عن الاتجاه النضالي الصحيح.
الفلسطينيّون وحق الاقتراع والترشّح
تمّ الحديث، في الفقرة السابقة، عن الانتخابات العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبار أن ولاية السلطة الفلسطينية تقتصر عليهما. لكن عند الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية والدعوة إلى انتخاب أعضاء المجلس الوطني، تبرز عدة معضلات إضافية لا بدّ من حلّها قبل الشروع في هذه العملية:
1- من هو الفلسطيني الذي يحقّ له المشاركة في الانتخابات؟ الفلسطيني، بحسب الميثاق الوطني (المُلغى)، هو كلّ شخص مُتحدِّر من أصول فلسطينية بغضّ النظر عن مكان إقامته والجنسية التي يحملها. لذلك، ومن أجل إجراء انتخابات فلسطينية عامة لا بدّ من توفّر «سجلّ وطني للناخبين». وبما أن هذا السجلّ غير موجود إلّا في الضفة والقطاع، حيث الولاية الرسمية للسلطة، فإن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة قبل إنجازه لا يتعدى الأمنيات. وأمام إنجاز هذا السجلّ تحدّيات كبيرة، بعضها يعصى على الحل في هذه الظروف، وأهمّها استحالة شموله فلسطينيّي الأرض المحتلة عام 1948، ما سيُعتبَر إقرارًا رسميًّا وعمليًّا بأنهم ما عادوا فلسطينيين.
أمّا بالنسبة إلى الأردنيين من أصل فلسطيني، فالتفاهمات الضمنية بين القيادة الفلسطينية والأردن، وذلك من أجل تمرير قرار القمّة العربية في عام 1974 الذي ينص على الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، أدّت إلى اعتبار أن الولاية السياسية والتمثيلية للمنظمة لا تشمل الأردنيين من أصل فلسطيني، وقد تكرّس هذا عمليًّا ورسميًّا عندما فكّ الأردن ارتباطه مع الضفة الغربية عام 1988. وبالنسبة إلى الفلسطينيين في الشتات، فإن الأمر وإن بدا للوهلة الأولى سهلًا، فإنه أبعد ما يكون كذلك.
فالساحتان اللبنانية والسورية هما الوحيدتان اللتان توجد فيهما سجلّات ووثائق ثبوتية خاصة بالفلسطينيين، لكنّها ملك للدولتين المضيفتين و«الأونروا» ولا تملك المنظمة إمكانية استخدام قاعدة البيانات الخاصة بجهات أخرى. إضافة إلى هذا، فإن تعريف الفلسطيني في هذه السجلّات لا يتطابق مع ما كان قد حدّده الميثاق الوطني، إضافة إلى أن العديد من الفلسطينيين لا يملكون هذه الوثائق. وفي نهاية الأمر، إنّ استحداث المنظمة للسجلّ الوطني للناخبين عملية مُعقّدة وتتطلّب وقتًا طويلًا. أمّا ما جاء في قرار لجنة الانتخابات بأن السفارات ستقوم بإعداد سجلّ الناخبين خلال أسبوع فدليلٌ على الاستهتار والنوايا السيئة.
2-الافتقار للدستور طعنٌ في الشرعية
ما أعطى منظمة التحرير شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني هو انخراط جميع الفصائل فيها واتفاقها على هذه الشرعية بناءً على الميثاق الوطني، أي الدستور، واعتراف الدول بهذا. أمّا اليوم، وبعد فشل مسلسل الحوارات الوطنية على مدى عقودٍ من الزمن، فإن فصائل أساسية هي خارج المنظمة، أو غير مُمثّلة بلجنتها التنفيذية. وبالنسبة إلى الميثاق الوطني، فقد بات في حكم المُلغى بعد أن تمّ إلغاء أهم موادّه في دورة المجلس الوطني عام 1996 الذي انعقد بحضور كلينتون لتعديل «الدستور» بما يتناسب مع اتفاق أوسلو. وللعلم، وإلى الآن، لم يقم المجلس الوطني بهذا التعديل ولم يتخذ أيّ خطوة باتجاه ذلك. هذا الواقع يعرّض كل قرارات القيادة الحالية للمنظمة، بما في ذلك الدعوة إلى انتخاب المجلس الوطني، والنتائج التي يمكن أن تترتّب عليها، للطعن في شرعيتها.
بالنسبة إلى قيادة منظمة التحرير و«فتح» وكل الملتحقين بمسار أوسلو، تجري التحضيرات لانتخابات المجلس بحسب الأصول وبشكلٍ طبيعي، إذ إن همّها الأساسي إرضاء المموّلين بغضّ النظر عن الحقوق والمصالح الوطنية. في المقابل يبدو أن القوى «المعارضة» لأوسلو مُصِرّة على التمترس في دائرة ردّ الفعل، إذ هي لم تبادر حتى الآن إلى ترتيب أوضاعها ورسم استراتيجيتها وخططها. يبدو الوضع الذاتي الفلسطيني مُظلِمًا رغم أن فلسطين باتت تنير العالم. وا أسفاه.
* باحث وكاتب فلسطيني