سامر توفيق عجمي
أثار مقال الشيخ محمد موسى حيدر العاملي، «فلسطين: حين تتحول قضية أمة إلى عبء طائفة»، مجموعة من الأسئلة الحاضرة في النقاش حول علاقة شيعة لبنان بالقضية الفلسطينية. ومن أهمها: هل يبقى الالتزام بالدفاع قائماً مع تغير الظروف السياسية وانتقال معظم الدول العربية والإسلامية من منطق المواجهة إلى منطق التسوية؟ وهل يمكن لفتاوى جهادية صدرت في ظروف تاريخية معينة أن تؤسس التزاماً مستمراً بعد تغير تلك الظروف؟ ثم، بأي منطق يتركز العبء العسكري وما يستتبعه من كلفة بشرية واجتماعية واقتصادية وأمنية في البيئة الشيعية اللبنانية؟
وهذه الأسئلة تحمل ضمناً اتجاه الإجابة التي يبني عليها الكاتب موقفه. فهو ينطلق من التحول الذي طرأ على البيئة العربية والإسلامية، ومن اختلاف الظروف التي صدرت فيها المواقف والفتاوى السابقة، وطبيعة العبء الذي تحمّلته البيئة الشيعية اللبنانية، ليرتّب على ذلك، من وجهة نظره، أن الدفاع العسكري لم يعد هو مقتضى موقف المقاومة من فلسطين، مع بقاء التزامها بالقضية بأشكال أخرى، إنسانية وسياسية وحقوقية وإعلامية.
وهذه الأسئلة مشروعة، بل إن بيئة المقاومة نفسها معنية بطرحها ومناقشتها. فالسؤال لا يفقد مشروعيته لأن الباحث توصّل إلى نتائج لا نوافق عليها. وثمة فرق بين مساءلة الكلفة والأثمان، وبين الانتقال من هذه المساءلة إلى القول إن الدفاع العسكري لم يعد يدخل في دائرة المسؤولية تجاه فلسطين.
وهنا يبدأ البحث الفقهي، مَن هو المخاطَب بالتكليف قبل البحث في كلفة الدفاع.
تنطلق المقاربة الفقهية من تمييز حاضر في كلمات الفقهاء بين الدفاع وبين نصرة المظلوم، ومنهم الشهيد الثاني (مسالك الأفهام، ج3، ص9). فنصرة المظلوم والإغاثة قد تتحقق بالمال، والعمل الإنساني، والدعم الطبي والإعلامي والسياسي والحقوقي. أما الدفاع، فيتصل بدفع العدوان عسكرياً حين يقع على المسلمين.
ولهذا لا يصح جعل كل صور النصرة دفاعاً، كما لا يصح، في المقابل، جعل النصرة الإنسانية والسياسية بديلاً عن مقتضى الدفاع.
وموضوع الدفاع هو الاعتداء على المسلمين أو بلادهم أو مقدساتهم أو أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ومن صوره الاحتلال والقتل والتهجير والأسر وسلب الأموال وتدنيس المقدسات. وهذه العناوين متحققة في القضية الفلسطينية، إذ لم تترك إسرائيل صورة من صور هذا الاعتداء إلا مارستها.
وثبوت الموضوع يفتح باب سؤال آخر: من الذي يتوجه إليه خطاب الدفاع؟
يتميز خطاب الدفاع بعمومه للمسلمين كافة، من دون تمييز بين ذكر وأنثى، كبير أو صغير، غني وفقير، ومريض أو سليم. وكذلك لا يتحدد المخاطَب بالانتماء السياسي أو القومي أو المذهبي.
كل مدار المسألة على القدرة الفردية وعدم العجز.
في المنطق السياسي المعاصر، يمكن القول إن فلسطين قضية الشعب الفلسطيني في المقام، لكن الفقه لا يبدأ من الجنسية أو حدود الدولة الوطنية في تحديد من يتوجه إليه الحكم.
ولذلك ميَّز الفقهاء بين أمرين: من وقع عليه الاعتداء مباشرة، ومن يتوجه إليه خطاب الدفاع. فأهل البلد المعتدى عليه هم في مقدمة من يتوجه إليهم الدفاع، لكنهم ليسوا وحدهم المخاطَبين به. كما أن عامل القرب له دخالة في مراتب التكليف.
يقول الشهيد الثاني: إن الدفاع لا يختص بمن قصدهم العدو من المسلمين، بل يجب على من علم بالحال النهوض إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة، ويتأكد الوجوب على الأقربين فالأقربين (مسالك الأفهام، ج٣، ص٧).
وعليه، لا يمكن استبدال مفهوم «المقصودين بالاعتداء» في البحث الفقهي بتوصيف سياسي حديث «الفلسطينيين» ثم بناء النتيجة على أن مسؤولية الدفاع تنحصر بهم.
كما أنّ عموم الخطاب لا يعني تساوي مراتبه؛ فوجوب الدفاع يتأكد على «الأقربين فالأقربين». ومن ثم تصبح الجغرافيا والقرب من محلّ العدوان عنصراً في ترتيب المسؤولية، لا مجرد تفصيل سياسي.
فقرية المنارة، وهي من قرى جبل عامل تاريخيّاً، وملكيتها تعود إلى السادة آل الأمين في شقرا جنوب لبنان، تقع ضمن المناطق التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1948. فإذا كان الكلام في تحديد الأقرب إلى محل الاعتداء، فمَن الأقرب إلى أهل هذه المنطقة، سكان مركبا ورب ثلاثين والعديسة في جنوب لبنان مثلاً، أم أهل رام الله وطولكرم في الضفة الغربية أو غزة ورفح في جنوب فلسطين؟
هنا يظهر البعد الخاص بموقع الشيعة في هذا النقاش. فالسؤال عن مسؤولية شيعة لبنان لا يُغلق بابه بالقول إن فلسطين قضية الفلسطينيين أولاً؛ لأن المركزية الوطنية والسياسية لا تحدّد دائرة التكليف الشرعي.
ويبرز السؤال المفهومي الذي تثيره عبارة «قضية أمة تحولت إلى عبء طائفة»، من ثنائيات: الأمة/الطائفة، الأكثرية/الأقلية، الأصيل/الملحق، صاحب القضية/المشارك فيها. وأنّ هناك جماعة تكون فلسطين قضيتها «بالأصل»، وأخرى تدخل فيها «بالتبع». فإذا كان البحث يتعلق بالتكليف الشرعي، فهل يصح أصلاً بناء المسؤولية على هذه الثنائيات؟ وما المقصود بهذا الأصل، أهو سياسي وطني، أم قومي، أم ديني وتكليفي؟ وإذا كان المقصود تحديد المسؤولية الشرعية، فما الدليل على أن الأصل السياسي أو الوطني يساوي الأصل في دائرة التكليف؟
نعم الشيعة أقلية عددية مقارنة بالسنّة في العالم الإسلامي، لكن القلة العددية لا تجعلهم جماعة ثانوية في الأمة، كما أن الأكثرية لا تمنح مذهباً معيناً صفة الأمة في مقابل غيره. والتكليف لا يُبنى على المذهب. فالشيعي لا يدخل في دائرة الدفاع لأنه شيعي، كما لا يخرج منها لأنه أقلية. وكذلك السنّي لا يكون مخاطَباً لأنه ينتمي إلى الأكثرية المذهبية. مدار المسألة، في أصل الخطاب، هو تحقق موضوع الدفاع والقدرة ومراتب القرب وسائر الشروط المؤثرة.
لذلك، فإن مشاركة الشيعة في الدفاع عن فلسطين لا تعني، فقهياً، أنهم دخلوا في قضية «غيرهم»، ولا أنهم حملوا مسؤولية بالنيابة.
قد يقال إن الدفاع واجب كفائي، وإن قيام الفلسطينيين به يُسقط التكليف عن الآخرين. لكن الكفائية لا تعني أن المسؤولية تسقط بمجرد وجود من يقاتل، بل إن السقوط يرتبط بتحقق الكفاية التي يزول معها الغرض الذي من أجله شُرِّع الدفاع. وهنا ينبغي التمييز بين سقوط التكليف عن بعض المكلّفين مع بقاء موضوع الدفاع قائماً، وبين زوال فعلية الحكم بزوال موضوعه. فما دام الاحتلال والقتل والتهجير والأسر والحصار قائماً، يبقى موضوع الدفاع قائماً من حيث الأصل.
لذلك، لا يكفي أن يقال إن دولاً عربية خرجت من خيار الحرب أو انتقلت إلى التسوية السياسية، لكي يقال إن موضوع الدفاع قد زال. فتغير مواقف الدول شيء، وزوال العدوان شيء آخر.
وهنا يستند النقاش أحياناً إلى أن فتاوى علماء الشيعة التاريخية بشأن فلسطين صدرت في زمن كانت فيه الدول العربية في حال مواجهة مع إسرائيل، وأن تغير الواقع السياسي العربي ينبغي أن يؤدي إلى إعادة النظر في تلك المواقف.
لكن المنهج الأصولي يفرض سؤالاً سابقاً: هل كان موقف الدول العربية جزءاً من موضوع الحكم، أم مجرد ظرف تاريخي أحاط بصدور الفتوى؟
فهناك فرق بين أن يكون الشيء حاضراً في زمن صدور الحكم، وأن يكون مأخوذاً قيداً في موضوعه. والفتوى التي تقول بوجوب الدفاع عند تحقق العدوان مطلقة، وغير مشروطة ببقاء موقف سياسي معين.
لذلك لا يكفي التزامن بين الفتوى وظرفها السياسي لإثبات أن تغير الظرف يؤدي إلى تغير الحكم. بل يجب إثبات أن ذلك الظرف كان مأخوذاً أصلاً في موضوع الحكم أو في شروط فعليته.
هذا لا يعني أن المتغيرات السياسية والاستراتيجية لا قيمة لها في البحث الفقهي. لكن أهميتها بوضعها في مرتبتها الصحيحة.
فثمة فرق بين سؤال: هل يجب الدفاع عند تحقق العدوان؟ وبين سؤال: كيف يمارس هذا الدفاع؟
الأول بحث في أصل الحكم وموضوعه، أما الثاني فبحث في الامتثال، وفي التزاحم بين الأهم والمهم والمصلحة والمفسدة.
ويظهر من عبارة الكاتب بوضوح، بلغة أصولية، أن نقاشه لا يقف عند شروط الامتثال، بل يمتد إلى أصل الحكم وتحقق موضوعه؛ بدليل قوله: لو سلّمنا كبروياً بوجوب النصرة. و«لو سلّمنا كبروياً» في الاصطلاح الحوزوي تعني أنه لا يسلّم بأصل القاعدة، وإنما يتنزّل ويفترضها جدلاً ليمضي في مناقشة ما يترتب عليها.
ومن هنا، فإن السؤال عن كلفة ما تحمّلته البيئة الشيعية في لبنان لا يصح التعامل معه على أنه سؤال ينبغي أن يبقى خارج دائرة النقاش، لكنه لا يكفي لتحويل الكلفة إلى دليل على سقوط أصل التكليف ووجوب دفاع الشيعة عن فلسطين.
نعم، بما أنه قد ثبتت الكبرى، وثبت موضوعها، ينتقل النقاش إلى الصغرى، وينفتح باب البحث في واقعة بعينها، كحرب الإسناد: هل كانت الوسيلة المختارة هي الأنسب؟ وهل كان التوقيت صحيحاً؟ وهل كانت الكلفة متناسبة مع النتائج؟ وهل وجدت بدائل أقل كلفة وأكثر فاعلية؟
وهذا بحث مشروع، لكنه خارج غاية هذا المقال.
فغاية المقال كانت تحرير موضع النزاع في الكبرى نفسها. فإذا كان العدوان هو موضوع الحكم، وكان هذا الموضوع متحققاً، ثبت وجوب الدفاع على الشيعة بالأصل. وبما أن الظروف السياسية ليست قيداً في موضوع الحكم، وأن العلاقة بين الفتوى بالجهاد وظرفها التاريخي لا تتجاوز التزامن ما لم يثبت أخذ ذلك الظرف قيداً في الحكم، فلا يتغير أصل وجوب الدفاع عن فلسطين بتغير موقف الدول العربية والإسلامية منه، فسواء شاركت في المواجهة أم تخلّت عنها، وسواء بقيت فلسطين حاضرة في سياساتها أم خرجت من حساباتها.
* كاتب وأكاديمي