آخر الأخبار

فاقدو الأوراق الثبوتية من اللاجئين الفلسطينيين بين التهميش والتطنيش والهروب من المسؤولية

4a93f460-3589-41f1-8c7d-55f8d0757e45

كتب عصام الحلبي
منذ سنوات وقضية فاقدي الأوراق الثبوتية من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تراوح مكانها، وكأنها قضية لا يريد أحد أن يفتح بابها بشكل جدي، رغم أن أصحابها يعيشون بيننا ويواجهون يومياً مشكلة أساسية تتعلق بأبسط حقوق الإنسان، وهي أن يكون للإنسان ورقة تثبت من هو وتفتح أمامه أبواب الحياة.
هؤلاء ليسوا أرقاماً في ملف إداري ولا حالة عابرة يمكن تأجيلها من سنة إلى أخرى. هم فلسطينيون يعيشون في لبنان منذ سنوات، ولهم عائلات وأولاد وحياة يومية، لكنهم يجدون أنفسهم أمام واقع صعب بسبب عدم امتلاكهم أوراقاً ثبوتية واضحة تمكنهم من الوصول إلى كثير من الخدمات والحقوق التي يحتاجها الإنسان في حياته الطبيعية.
المشكلة لا تتوقف عند الورقة نفسها، بل تتوسع لتطال التعليم والعمل والعلاج والتنقل والاستفادة من الخدمات والمساعدات، وتضع العائلة كلها أمام حالة من القلق الدائم، خصوصاً عندما يكون الأب أو الأم أو أحد أفراد الأسرة عاجزاً عن إنجاز معاملة بسيطة بسبب غياب المستند الذي يثبت وضعه.
والسؤال هنا ليس جديداً، كما أن أصحاب القضية لم يكتشفوا مشكلتهم بالأمس. القضية طُرحت أكثر من مرة، وجرى الحديث عنها مع جهات فلسطينية ولبنانية ومع وكالة الأونروا، لكن المشكلة ما زالت قائمة، فيما يمر الوقت على حساب هؤلاء الناس.
الأكثر إيلاماً أن فاقد الأوراق الثبوتية يجد نفسه أحياناً في منطقة رمادية. لا هو قادر على الاستفادة بشكل طبيعي من الخدمات، ولا هو قادر على تسوية وضعه بسهولة، وفي كل مرة تبدأ رحلة جديدة بين هذه الجهة وتلك، وبين طلب وآخر، وبين لجنة وأخرى، بينما يبقى الحل بعيداً.
وهنا يأتي دور الأونروا، ليس باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن القضية، وإنما باعتبارها الجهة الدولية التي يفترض أن تكون على تماس مباشر مع اللاجئين الفلسطينيين وأن تتعامل مع احتياجاتهم الإنسانية من دون أن تترك فئة منهم خارج دائرة الاهتمام.
وفي المقابل هناك مسؤولية فلسطينية أيضاً، لأن القضية تتعلق بأبناء الشعب الفلسطيني في لبنان، ولا يجوز أن تبقى ملفاتهم معلقة من دون متابعة حقيقية مع الجهات اللبنانية والدولية المعنية.
كما أن المسؤولية لا يمكن أن تتحول إلى كرة تتقاذفها المؤسسات. فعندما تكون هناك مشكلة يعيشها آلاف الأشخاص، يصبح المطلوب تحديد الجهة التي تستطيع أن تتحرك، ووضع آلية واضحة للمتابعة، وإبلاغ أصحاب العلاقة بما يجري بدلاً من تركهم ينتظرون من باب إلى آخر.
المشكلة ليست في أن تكون الإجراءات معقدة أو أن الحل يحتاج إلى وقت. المشكلة عندما يصبح الوقت نفسه وسيلة لتأجيل القضية، وعندما يتحول الصمت إلى جواب، ويصبح التطنيش أسهل من مواجهة المشكلة.
فاقدو الأوراق الثبوتية لا يطلبون امتيازات خاصة، ولا يبحثون عن وضع مختلف عن بقية اللاجئين الفلسطينيين. هم يريدون أن يعرفوا أين يقفون، وما هو وضعهم، وكيف يمكن معالجة مشكلتهم، وكيف يمكن لأبنائهم أن يعيشوا حياة طبيعية بعيداً عن الخوف من المستقبل.
ومن حق هؤلاء أن يسمعوا جواباً واضحاً من كل جهة معنية. ماذا فعلنا حتى الآن؟ وما الذي يمكن فعله؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومتى يمكن أن تنتهي هذه المعاناة؟
السكوت عن المشكلة لا يلغيها، وتأجيلها لا يحلها، وتحويلها إلى ملف إداري لا يغير من حقيقة أن وراء كل ورقة مفقودة إنساناً وعائلة ومستقبلاً معلقاً.
لقد آن الأوان لأن تنتقل قضية فاقدي الأوراق الثبوتية من دائرة التهميش والتطنيش إلى دائرة المعالجة الجدية، وأن تتوقف عملية الهروب من المسؤولية، لأن الناس لا تعيش على الوعود ولا تستطيع أن تبني مستقبلها على كلمة “لاحقاً”.
القضية إنسانية قبل أن تكون إدارية، ومن حق أصحابها أن يجدوا من يسمعهم ويتابع قضيتهم حتى تصل إلى حل.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة