آخر الأخبار

“المكان الوسط” بين المطالب الأميركية والايرانية حافز الوسطاء والمخرج

62f620a5-2ad8-4215-b56b-90310f1a55fb

عبد الهادي محفوظ

يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ايران أمام ثلاث خيارات: “إبادة ايران، تعفّنها اقتصاديا، وعودتها للمفاوضات”. وهذه الخيارات تتزامن مع توسّع شبكة الأزمات في المنطقة في الجغرافيا وفي التعقيدات وفي الضغوط والتواصل بين مضيقي هرمز وباب المندب وأعباء النفط والديزل والتضخم المالي.
ما يستوقف الإنتباه هو استعمال الرئيس ترامب لعبارة “إبادة ايران”. وهو تعبير كان استخدمه سابقا بشكل آخر بعنوان إنهاء “الحضارة الايرانية”. وقد يكون استخدامه لمثل هذه العبارات هو نوع من “الضغط المعنوي” على طهران أو أنه يأتي تعبيرا عن ثورة غضب عابرة لا تعني المقصود فعلا. كما أن تنوّع خيارات الرئيس ترامب التي أشار إليها تعني أنه يزاوج بين هذه الخيارات مع تقليب ضمني للخيار الديبلوماسي لمرحلة لاحقة يسبقها عمل عسكري يصاحبه ضغطا ماليا واقتصاديا كبيرا وتوسيعا لدائرة التحالفات الأميركية مع دول المنطقة وتوظيفا سياسيا وعسكريا لظاهرة الحرب بين المملكة العربية السعودية والحوثيين في اليمن مع التزام أميركي منها دون أي تورّط عسكري مباشر.
صحيح أن ظاهرة فنزويلا وغرينلاند تستهوي الرئيس دونالد ترامب في “صفقات سريعة” تنقل دولا من ضفة إلى أخرى. غير أن هذا الأمر لا ينطبق على ايران الدولة الواسعة في الجغرافيا والبشر. فايران تشكّل استعصاءا على حسابات سيد البيت الأبيض في “الربح السريع” وفي تطويع الوقت وفي فائض القوة العسكرية. ما يستدعي إعادة النظر بالحسابات والرهان على “منطقة وسط” بين المطالب الأميركية والمطالب الايرانية. فلا واشنطن قادرة على انتزاع ما تريد من ايران. ولا طهران قادرة عن انتزاع ما تريد من الولايات المتحدة الأميركية. وحده التفاوض هو السبيل الممكن لكسر الاستعصاءات المتبادلة وبقراءة مرنة من الطرفين “لمذكرة التفاهم”. والملاحظ أن الطرفين الأميركي والايراني يتركان الباب مفتوحا للوسطاء. والأبرز بينهم حاليا هو الرئيس الصيني شي جين بينغ وقائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. ويعتبر الثلاثة أن الحوار هو البديل عن الحرب التي تستدرج دول العالم قاطبة إلى أوضاع صعبة ومنطقة الشرق الأوسط إلى أن تكون ساحة لصراعات مفتوحة.
وقد يكون رئيس البرلمان الايراني محمد باقر قاليباف ورئيس الوفد المفاوض قد انتهى إلى أدق توصيف لما هي عليه الإتجاهات السياسية المتعارضة التي لا تخدم ايران إطلاقا لا حربا ولا سلما. وهذه الاتجاهات حددها قاليباف باثنين في وسط النخبة السياسية في ايران: خط يتحدث عن الحرب دون أي أفق أو آلية تحقق غايتها مع رفض أي توجه ديبلوماسي ما يقود البلاد عمليا نحو التآكل وحرب لا نهاية لها. وخط آخر يقع في خطأ الاستهانة بالقوة الوطنية إذ يعتبر ايران ضعيفة ويلجأ إلى بث الخوف لتشويه الصورة بالاستسلام وقبول الشروط الأميركية “الأحادية”. ويستنتج مركز بابل للدراسات المستقبلية بأن “تصريحات قاليباف مهمة في سياق اللحاق بفرصة اللحظة الأخيرة قبل التصعيد الواسع وهي مفيدة لتنشيط الوساطات والعودة للديبلوماسية”.
وواقع الأمر أن فرصة الديبلوماسية متوفرة حاليا. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يجد أن زيارة الرئيس الايراني مسعود بازشكيان إلى المشاركة باجتماعات الأمم المتحدة فرصة لاجتماع معه قد يكون “مثمرا” في تهدئة التوتر الأميركي-الايراني والإنكفاء إلى “المنطقة الوسط”. وفي الاعتقاد أن الاجتماع المرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ هو خطوة أساسية لدور صيني يشكّل تقاطعا أميركيا-صينيا في المصالح والسياسة يقرّب المسافات الأميركية-الايرانية ويهدّئ التوتر على مضيقي هرمز وباب المندب. فالصين حريصة على شراكاتها الاقتصادية والنفطية بكل من ايران والمملكة العربية السعودية. وهي متضررة من عدم تدفق النفط مثلها مثل الولايات المتحدة الأميركية حيث يعترف الرئيس الأميركي حاليا بأن أغلبية الرأي العام الأميركي يعتبر أن الحرب الأميركية على ايران مكلفة ولم تكن ضرورية. ومعنى هذا الأمر أن “عقلانية الرئيس ترامب” أمر يراهن عليه الرئيس الصيني خصوصا وأن سيد البيت الأبيض أصبح مدركا للآثار السلبية لتصعيد التوتر الأميركي-الايراني على وضع الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية.
واستطرادا ما يهم الرئيس الأميركي حاليا هو البقاء العسكري الأميركي في المنطقة. وهذه نقطة لا تعترض عليها ايران فيما لو كانت الدول الخليجية تعتبر ذلك فعلا أمرا مهما في “شبكة أمانها”. وواقع الأمر هذا ما تعتقده الدول الخليجية.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة