آخر الأخبار

صبرا وشاتيلا [2]: التخطيط والتنسيق

3a7cfb03-daf9-4563-8324-13b04eecb169

بدر الحاج

«إن أشد حروبنا هي الحرب الداخلية، وهي آلمها وأمرّها، لأنها بيننا وبين فئات من شعبنا نعمل على رفعها وتعمل على خفضنا، نريد لها العز وتريد لنا الذل، نتوجه إليها بالاحترام وتتوجه إلينا بالاحتقار، نأتيها بالجدّ وتأتينا بالاستهزاء. إنها لحرب مؤلمة جداً لأنها بيننا وبين جماعة تريد أن تنتصر علينا وتخذلنا، ونريد أن ننتصر بها ونعزّزها» ـــــــ أنطون سعاده

في الساعة الحادية عشرة ليل 12 أيلول 1982 تأكّد للإسرائيليين مصرع بشير الجميل في تفجير لمقرّ «الكتائب» في الأشرفية وفق ما جاء في شهادة وزير الدفاع شارون أمام لجنة كاهان للتحقيق. يقول شارون إنه كان من آخر مَن التقى بشير الجميل وناقش معه الأوضاع: «التقيت به مساء يوم السبت 12 أيلول، قبل يومين من مصرعه. في تلك الليلة بدأت المحادثات الساعة 11.30 مساء واستمرت حتى الساعة 0:45 صباحاً. وضعنا اللمسات التفصيلية الأخيرة على الاتفاقيات بيننا. ركّزت المحادثات على تنظيف بيروت الغربية من الإرهابيين»، ويختم: «فتحت الاتفاقيات التي توصلنا إليها فرصاً مذهلة لنا في بيروت». (ص 15-16).

هناك شرح مستفيض لما ورد في تقرير كاهان من وصف للخطر الذي تخوّف من وقوعه الإسرائيليون نتيجة مقتل بشير، والذي قد يؤدي إلى انهيار النظام السياسي والاتفاقيات والخطط مع «الكتائب»، والتي استغرق إعدادها والتحضير لها عدة سنوات. يتحدّث شارون أمام لجنة كاهان عن أنه: «في الساعة الثانية عشرة والنصف ليلة مقتل بشير، تواصلت مع رئيس الحكومة، واتخذنا قرار دخول غرب بيروت على أعلى المستويات بعد مناقشة الأمر مع قادة الموساد، وأنان، والشين بيت، ومستشاري رئيس الوزراء لشؤون الأرهاب» (ص 21). وعلى الفور تم نقل قوات إسرائيلية إضافية إلى مدرج خلدة، واستنفرت وحدات من الآليات، وبدأوا الدخول بسرعة إلى غرب بيروت في الصباح الباكر من يوم 13 أيلول.

تمّ في تلك العملية التي لاقت بعض المقاومة احتلال تقاطعات الطرق الرئيسية والمواقع الضرورية لتأمين السيطرة، وتحاشى الجيش الإسرائيلي دخول المناطق ذات الكثافة السكانية لأنهم توقعوا قتالاً في شوارع ضيقة وبيئة معادية، ما سيؤدي إلى خسائر في صفوفهم. لذلك لم يدخلوا منطقة الفاكهاني ومخيمي صبرا وشاتيلا. وكانت تقارير المخابرات الإسرائيلية، كما جاء في شهادات كل من شارون وبعض ضباط المخابرات ونُشر بعضها في تقرير كاهان، تتحدث عن وجود ألفي مقاتل فلسطيني و7 آلاف من المقاتلين التابعين لأحزاب يسارية والمؤيدين للفلسطينيين في غرب بيروت، الأمر الذي قد يؤدي ـ وفقاً للإسرائيليين ـ إلى عرقلة أحد أهدافهم من الحرب وهو القضاء التام على الوجود الفلسطيني في لبنان».

وكان بشير الجميل، كما ورد في شهادة أحد ضباط المخابرات الإسرائيلية الذي حضر اجتماع 12 أيلول، قد تحدث أمام الإسرائيليين قائلاً: «يجب أن نخلق الظروف التي تؤدي إلى مغادرة الفلسطينيين لبنان». وبدوره كان شارون في شهادته في جلسة حكومية في 13 أيلول قد لخّص أحد أهداف الحرب بقوله:» باعتقادي أن رأس الأفعى موجود في بيروت، ويجب علينا أن نقطعه».

كانت خيارات الإسرائيليين لدخول غرب بيروت والمخيمات ثلاثة:
الخيار الأول، هو الطلب من الجيش اللبناني التدخل، استناداً إلى أمر للجيش بدخول غرب بيروت سبق لبشير الجميل أن أصدره. تواصلت الاتصالات مع الجيش بإشراف الأميركيين لإقناعه بالتدخل. وكان رد زاهي البستاني على طلب تدخل الجيش: «سنحاول الحصول على غطاء رسمي وفي حال الفشل ستتولى القوات اللبنانية الأمر، ونحن بدورنا سنواصل سياسة بشير وتنفيذ ما تم من اتفاقيات». وصل رد الجيش اللبناني النهائي في 15 أيلول، كما ذكر شارون، وكان بالرفض.
أمّا الخيار الثاني، فهو أن يقوم الجيش الإسرائيلي بالاقتحام والقتال، وهذا ما استبعدته تماماً القيادة الإسرائيلية، كما سبق أن أشرت.
أمّا الخيار الثالث، فهو الاستعانة بـ»القوات اللبنانية». وهذا ما جرى.

في ليل 14-15 أيلول أقلعت طائرة رئيس الأركان الإسرائيلي ومجموعة من كبار الضباط نحو بيروت. التقوا فور وصولهم بقائد المنطقة الشمالية أمير دروري، وتوجهوا جميعاً الساعة 4:30 مساء للقاء قادة «القوات اللبنانية». وقد كشف رئيس الأركان ما جرى في ذلك اللقاء في شهادته بأنه «أصدر الأمر للكتائب بإعلان التعبئة العامة، وفرض نظام منع تجوّل في المناطق التي يسيطرون عليها وأن يكونوا مستعدين للقتال وتنفيذ الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع بشير» (ص 210).

وكان ردّ قادة «الكتائب» أنهم بحاجة إلى 24 ساعة كي تكون قواتهم جاهزة. كما طلب رئيس الأركان أيضاً من الكتائب إرسال ضابط ارتباط إلى المركز المتقدم لقيادة وحدة 96 التي يقودها الجنرال أموس يارون والذي كان يقع على بعد 200 متر جنوب غرب مخيم شاتيلا وعلى سطح مبنى مؤلف من خمس طبقات. كذلك اتفق على أن يداوم ضابط إسرائيلي في مركز «قيادة القوات اللبنانية». وتم إبلاغ قيادة القوات بأن الجيش الإسرائيلي لن يدخل المخيمات وأن القتال سينحصر بهم فقط (شهادة رئيس الأركان ص 212). كان التجاوب القواتي مع الطلب الإسرائيلي، كما يقول تقرير كاهان، قد أحدث جواً من التفاؤل لدى القيادة العسكرية الإسرائيلية (ص 212) .

كان أعداؤكم، الفلسطينيين، ثم السوريين، واليوم قسماً من اللبنانيين. أليس لهذا المسلسل الدامي من نهاية؟

قبل البدء بتنفيذ اقتحام المخيمات وبالتحديد ليل 15 أيلول، يذكر شاهد: «لوحظ هبوط متواصل لطائرات الهليكوبتر في مطار بيروت. وتبيّن أن الجسر الجوي كان يقلّ عناصر من جيش سعد حداد. تحرك أولئك العناصر ليلاً نحو مخيمي صبرا وشاتيلا وبدأوا بالقتل». أكّد ذلك أيضاً ضابط مخابرات إسرائيلي يوم الجمعة، ولا يعرف حتى اليوم ما إذا كان الإسرائيليون قد شاركوا في القتل أم لا. لكن لاحقاً ادّعى الإسرائيليون أن حداد وصل إلى بيروت، بقصد تعزية آل الجميل ثم غادر. الشاهد على تلك الليلة يقول: «إن عنصرين من جماعة حداد سقطا في المعركة أحدهما قتيل والآخر جريح قبل انسحابهم».

جاء في محضر الاجتماع بين شارون وبيار وأمين الجميل يوم 16 أيلول التالي: «توجه شارون في موكب نحو بكفيا للتعزية بموت بشير. كان الوفد الإسرائيلي يضم قادة أجهزة أنان، الموساد، والشين بيت. يذكر شارون أنه قدّم باسم الحكومة الإسرائيلية التعزية لبيار الجميل وابنه أمين الذي كان يجلس إلى يمين والده. ويضيف أن بيار الجميل كان متأثراً بتلك المبادرة، وشكر دولة إسرائيل على مساعدتها. وبدوره أعرب شارون له عن أن خسارة بشير خسارة لنا أيضاً، وأن الحكومة الإسرائيلية ستواصل تقديم أنواع الدعم كافة لتحقيق الأهداف المشتركة.

ويقول شارون أيضاً: هكذا تحوّلت مناسبة التعزية إلى اجتماع عمل، كما لاحظ أن الجميل الأب والابن كانا على اطّلاع على بنود الاتفاق الذي جرى مع بشير يوم 12 أيلول، وأنهما رحّبا بنتائج الاجتماع وتحدّثا عن ضرورة طرد الفلسطينيين من لبنان، وتدمير مخيماتهم. وكان سبق للجنرال دايفيد ميمون أن أبلغ شارون برأي الجميل بالفلسطينيين كما أعلن شارون (ص 8).

دخلت «القوات اللبنانية» بيروت في الساعة السادسة من مساء يوم 16 أيلول. وكان قد سبق لقادتها أن اجتمعوا مع بيار الجميل فور التأكد من موت بشير. وتحدّث شاهد عن ما جرى في ذلك الاجتماع بقوله: «أعطى بيار الجميل، (بعضمة لسانه، على حد تعبير الشاهد) الأمر بدخول المخيمات وإنجاز المهمة».

نسّقت «القوات اللبنانية» عملياتها في المخيمات مع قائد الجبهة الشمالية أمير دروري. وعرضت «القوات» مخطط اقتحام المخيمين على دروري وقائد وحدة 96. اختار الإسرائيليون طريقاً غير الذي اقترحته «القوات» وطلبوا من قادتها أولاً تأمين المنازل حول المخيم الذي كان مُحاصراً من الإسرائيليين. كما قام الإسرائيليون بتأمين الخدمات الطبية في حال الحاجة إليها، والإضاءة أمام تقدّم «القوات». كما أعطيت التعليمات للجيش الإسرائيلي بالمساعدة في حال الضرورة (ص 21).

بعض تفاصيل الدخول إلى المخيمين والمجازر نُشرت في تقرير كاهان، ولا أرى ضرورة في تكرارها. لكن الشاهد العيان أشار إلى أن سلاح الهندسة في «القوات» عمد إلى تدمير بعض البيوت، وأن قادة محاور الهجوم الأساسيين كانوا مارون مشعلاني، جورج ملكو وميشال زوين. بعض هؤلاء نفى مشاركته لاحقاً. وشارك أيضاً إلياس الزايك. ويضيف الشاهد: «بعض ما جرى تحدّث عنه مراسلو الأخبار وتقرير كاهان. ومن الأحداث، على سبيل المثال، أن مجموعة من 14 فلسطينياً كانوا مختبئين في أحد المباني، أُطلقت النار على المبنى وخرجوا منه، فما كان من إلياس الزايك إلا أن أمرهم بالوقوف أمام الحائط وأطلق النار عليهم وقُتلوا جميعاً. وعمد منصور دياب الذي كان يقود جرافة إلى طمر الجثث. أمّا حنا كعدي فقد قتل ثلاثة أحصنة أثناء الاقتحام».

ويتحدث تقرير كاهان عن بعض الحوادث المماثلة. أمّا إيلي حبيقة فكانت مجموعات تابعة لجهازه تقوم بعمليات قتل، والتقطت صور للمجازر وتباهى أحد قادة تلك المجموعات وهو مخايل منذر من بلدة كفرقطرة بما قام به وسلّم مراسل وكالة الصحافة الفرنسية فيديوهات مُصوّرة. وعندما علم حبيقة بالأمر تمّت استعادة الأشرطة المصوّرة من المراسل بعد اعتقاله. وأصبح منذر مُلاحقاً من حبيقة وعلى لائحة القتل، لكن تم عنه العفو في وقت لاحق. أوامر حبيقة أثناء المجزرة لقواته جاء ذكر بعضها في تقرير كاهان.

تبرّأ الجيش الإسرائيلي من الجريمة وأضيفت إلى سلسلة الجرائم التي ارتُكبت وتُرتكب حالياً على أرضنا. اعتبر الإسرائيليون في شهادات ضباطهم أن جيشهم «يتمتع بأخلاق عالية» ويستحيل أن يرتكب مجازر، لكنهم سمحوا لجيش حداد والقوات بالتوحش والقتل. بعد انتشار أخبار المجازر عالمياً، أصدر الجنرال يارون أمراً للقوات بالانسحاب، وغادرت «القوات» المخيمين الساعة الثامنة صباح يوم السبت في 18 أيلول.

عمدت إلى تلخيص الجريمة ما أمكن، لكن السؤال الذي يُطرح على جميع اللبنانيين اليوم: ألا تتعلمون من تجاربكم؟ الحقد والفوقية واعتبار أن السلطة لنا فقط وأن اللبنانيين الآخرين «لا يشبهوننا». ماذا جلب هذا المنطق إلا الموت والتهجير والهجرة ؟ لماذا تحرّضون اليوم على تكرار ما قمتم به سابقاً؟ كان أعداؤكم، الفلسطينيين، ثم السوريين، واليوم قسماً من اللبنانيين. أليس لهذا المسلسل الدامي من نهاية؟

قد يعتقد البعض أن التذكير بمجزرة صبرا وشاتيلا يهدف إلى نكْء الجراح، وأن الأطراف الأخرى مارست القتل أيضاً. هذا تبرير ضالّ لعمل إجرامي، التذكير بالمجزرة هو للتحذير من الوقوع مجدّداً في الفخ نفسه الذي نصبه الإسرائيليون للبنان. الوضع اليوم يشبه الوضع الذي سبق وأعقب غزو لبنان عام 1982. نسيان الجريمة نهائياً يقتضي أولاً عدم تكرارها، لأن التكرار، إذا حصل، سيكون نهاية لبنان وشرذمته واحتلال أرضه، ولن تكونوا إلا خاسرين.

* كاتب لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة