أبو الشريف رباح
لم تعد الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني تقتصر على القصف والقتل والاعتقال والدمار والنزوح والتهجير والاقتلاع، بل بات المشهد الفلسطيني من غزة إلى الضفة الغربية والقدس أمام حرب واسعة تستهدف الإنسان ومصدر الرزق والأرض والمياه والشجر وكافة مقومات الحياة الفلسطينية بكل تفاصيلها، ففي قطاع غزة تركت سنوات الحرب واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، مدن وأحياء ومخيمات دمرت، ومنازل ومجمعات وأبراج سكنية تحولت إلى ركام، وعائلات فقدت أبناءها واحبابها، ولا يزال البحث عن مفقودين تحت الأنقاض جزءاً من المعاناة اليومية المثقلة بالالام، والجرحى والمرضى يواجهون ظروفاً قاسية في ظل ما أصاب القطاع الصحي من أضرار ونقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، ويعيش النازحون في ظروف إنسانية صعبة وسط أزمات الغذاء والمياه والسكن والخدمات الصحية، لكن المأساة في غزة لا تقاس فقط بعدد المنازل المدمرة أو حجم الأنقاض، فالحرب غيرت ملامح أحياء ومناطق بأكملها وأصابت الأراضي الزراعية والبنية التحتية وشبكات المياه والخدمات، وألحقت أضراراً بمصادر رزق آلاف العائلات، في وقت بقي الحصار والقيود على دخول المساعدات والاحتياجات عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة الإنسانية، والأخطر أن الدمار لم يتركز في المباني وحدها بل طال البيئة التي تجعل الحياة ممكنة، فالأرض الزراعية التي كانت تؤمن الغذاء والعمل أصبحت في مناطق واسعة مدمرة أو يصعب الوصول إليها، والمنشآت التي تخدم السكان تعرضت لأضرار كبيرة وتوقفت قدرة المجتمع على إنتاج الغذاء وتوفير الخدمات الأساسية.
وفي الضفة الغربية والقدس تتخذ الحرب شكلاً آخر لكنه لا يقل خطورة على حياة الفلسطينيين، اقتحامات واعتقالات وهدم للمنازل والمنشآت وتدمير للمخيمات والبنية التحتية ومصادرة للأراضي واعتداءات على المزارعين وتضييق على الوصول إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية، ولم تسلم الزراعة الفلسطينية من هذه الاعتداءات فالأشجار تُقتلع، والأراضي تُجرف، والمحاصيل تتعرض للتلف أو السرقة والمنشآت الزراعية وحظائر المواشي تتضرر، ويواجه المزارعون صعوبات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم والعناية بها خاصة خلال موسم قطاف الزيتون، وهنا لا يمكن النظر إلى اقتلاع شجرة أو تجريف أرض أو تدمير حظيرة باعتباره حادثاً منفصلاً عن السياق العام، فبالنسبة إلى للأسر الفلسطينية فإن الشجرة مصدر رزق، والأرض مصدر إنتاج، والمياه أساس الحياة، والمواشي مصدر دخل وغذاء وعندما تتراكم هذه الخسائر فإنها تضرب قدرة العائلات على البقاء والإنتاج والاستمرار في أرضها، لقد أصبحت الأرض نفسها جزءاً من ميدان الصراع وفي الوقت الذي تتعرض فيه مناطق واسعة من غزة لدمار هائل، تتعرض مناطق في الضفة الغربية لضغوط متزايدة من خلال التوسع الاستيطاني والقيود على الحركة والوصول إلى الأراضي والاعتداءات على الممتلكات ومصادر المياه، وهذه الوقائع تثير مخاوف فلسطينية ودولية متواصلة من اتساع دائرة مصادرة الأرض وفقدان الفلسطينيين القدرة على الوصول إلى مصادر رزقهم.
إنها حرب شاملة على مقومات الحياة الفلسطينية وإن اختلفت أدواتها بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، ففي غزة يظهر وجهها الأكثر تدميراً من خلال القصف والدمار والقتل والنزوح والحصار والأزمة الإنسانية، وفي الضفة تظهر من خلال الاقتحامات والاعتقالات والهدم ومصادرة الأراضي والاعتداءات على المزارعين والممتلكات ومصادر المياه
والنتيجة واحدة إضعاف المجتمع الفلسطيني وضرب قدرته على ممارسة حياته الطبيعية، ولذلك فإن الحديث عن الحرب لا يجب أن يقتصر على أرقام الشهداء والجرحى والبيوت المدمرة، رغم أن هذه الأرقام تمثل مأساة إنسانية لا يمكن تجاهلها بل يجب أن يشمل أيضاً ما يحدث للأرض والزراعة والمياه والأشجار والمواشي والبنية التحتية لأن تدمير هذه العناصر يعني تدمير جزء أساسي من قدرة المجتمع على النهوض بعد انتهاء الحرب، فغزة لا تحتاج فقط إلى إزالة الركام وإعادة بناء المنازل وإنما تحتاج إلى إعادة بناء الحياة نفسها، والضفة لا تحتاج فقط إلى وقف الاعتداءات وإنما إلى حماية الأرض والمزارع ومصادر المياه ووصول المواطنين إلى أراضيهم والعمل فيها بأمان، إن المعركة الحقيقية ليست فقط على ما هو قائم اليوم، بل على شكل فلسطين في المستقبل فحين تدمّر المدن والقرى وتجرف الأراضي الزراعية وتقتلع الأشجار وتستنزف مصادر المياه وتدمر سبل الإنتاج، فإن الخطر يتجاوز الحاضر ليصل إلى المستقبل.
ومن غزة إلى الضفة والقدس يبقى السؤال هل يسمح للشعب الفلسطيني بأن يعيش على أرضه حياة طبيعية، أم يستمر الضغط عليه عبر تدمير مقومات الحياة ودفعه تدريجياً نحو اليأس والنزوح؟ إن حماية الفلسطيني لا تنفصل عن حماية أرضه ومائه وشجره وبيته ومصدر رزقه، فالأرض بلا إنسان تفقد معناها، والإنسان بلا أرض ومقومات حياة يفقد أحد أهم شروط الاستقرار والكرامة، ولهذا فإن ما يجري في فلسطين يجب أن يُقرأ باعتباره مأساة إنسانية متكاملة لا مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، شعب يتعرض للقتل والإصابة والاعتقال والنزوح، وأرض تتعرض للتجريف والمصادرة، ومياه تتعرض للتهديد وأشجار تقتلع، ومحاصيل تسرق ومساكن تهدم، إن وقف الحرب على الإنسان والأرض وعلى مقومات الحياة والذاكرة الفلسطينية هي مسؤولية تقع على المجتمع الدولي ليس فقط بتوثيق حجم المأساة، بل بالعمل على حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وحماية الممتلكات ومصادر الرزق، ووقف السياسات والإجراءات التي تدفع الفلسطينيين إلى فقدان أرضهم وبيوتهم ومصادر حياتهم.