آخر الأخبار

الإبادة السياسية بعد البشرية والعمرانية

eb89a901-6af6-4bc9-af00-93da697624a4

سعد الله مزرعاني

بامتياز جعلها تتفوّق على نفسها وعلى برابرة كل العصور، تواصل حكومة إرهاب الدولة، الفاشية الصهيونية، عدوانها على الشعب الفلسطيني. يستمر ذلك برعاية «خطة ترامب» بشأن غزة. وهي خطة تشكّل امتداداً وتتويجاً لنهج أميركي تقليدي في رعاية المشروع الصهيوني وتوفير الدعم الشامل له في كل الحقول والأوقات. بلغ هذا النهج ذروته في حرب الإبادة في غزة، والإرهاب والتدمير في لبنان، والاستيطان والترويع في الضفة الغربية، والعدوان الصهيو/أميركي المتواصل على إيران.
للسنة الرابعة على التوالي، يستمر هذا النهج، مُقترِناً بمحاولات دؤوبة ومحمومة لتزوير الوقائع والأحداث والأسباب والنتائج. أمّا الهدف، فهو تنفيذ ما يعادل عملية إبادة سياسية عبر ترسيخ رواية متكاملة ذات أغراض وأهداف خبيثة: لا تتناول الحاضر فحسب، بل المستقبل بالدرجة الأولى.

وقعت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر قبل ثلاث سنوات، كردّة فعل دفاعية خالصة ضد مشروع تصفوي «إبراهيمي» للقضية الفلسطينية. كانت المملكة السعودية حلقته القادمة الأخطر. أعلن ولي العهد السعودي (في 20 أيلول عام 2023 في مقابلته الشهيرة مع «فوكس نيوز» الأميركية) أن الرياض «قطعت شوطاً كبيراً» في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني (برعاية أميركية كالعادة)! أمّا السبب الداخلي فكان تصاعد الغارات، والاعتداءات، والحصار الخانق على غزّة الذي حفّز، على مدى سنوات، سلسلة مبادرات تضامنية لكسره. تعرّض المتضامنون لعنف بلغ حدّ القتل المتعمّد. سقط العديد (أجانب وعرب) شهداء وجرحى.
تميّزت المرحلة أيضاً بعاملين أساسيين:

الأول، وجود سلطة في تل أبيب، هي «الأكثر تطرفاً» في تاريخ الكيان (كما وصفها الرئيس بايدن!) في مسائل التمييز العنصري والمستوطنات ونقض الاتفاقات( المُفَرّطة أصلاً) وضم القدس.
الثاني، نمو عناصر المواجهة الدفاعية، السياسية والشعبية والعسكرية في قطاع غزّة، مع توفر تحالفات داعمة في نطاق «محور الممانعة» خصوصاً.

هكذا كانت عملية «الطوفان» جزءاً من الصراع الممتدّ، ومحطة أساسية من محطاته، وانتفاضة ثالثة من نوع جديد. كانت العملية تلك سريعة وناجحة وفعَّالة إلى حدّ الإبهار. لكن العدو بادر، بتشجيع أميركي وغربي، وبتواطؤ رسمي عربي، إلى ردّ تصعيدي همجي إرهابي شامل: مستهدفاً، بالدرجة الأولى، المدنيين والعمران والمؤسسات والبنى الخدمية كافة في نطاق مخطط إبادة لم يشهد التاريخ لفظاعته مثيلاً!
اليوم، وفي مستهلّ السنة الرابعة، وفيما تستمر الإبادة، ويتوسع العدوان في الضفة الغربية المحتلة ولبنان وسوريا وإيران، يجري من قبل قوى عديدة، عربية ولبنانية أيضاً، تصوير تلك المعركة بأنها كانت مغامرة (في أحسن الأحوال)، وبأنها كانت، حتى، مؤامرة (في النسخة الرائجة حالياً!) ما يروّج أذكياء خارقون. يقال اليوم، بأنّ نتنياهو كان على علم مُسبق بالعملية في سياق تواطؤ بينه وبين القائد الشهيد يحيى السنوار، أي بين القاتل والمقتول. منهم من يسحب الأمر على حركة «حماس»، وحتى على جمهورها اللذين تواطآ لتنفيذ إبادة ذاتية لحساب نتنياهو!

يستشهد هؤلاء بأن نتنياهو قد تجاهل تحذيرين من قبل الأمير محمد بن زايد الإماراتي، وكذلك من قبل جهاز أمني مصري. لا يجري التعامل مع ما ينسب إلى الطرفين الإماراتي والمصري على أنه خدمة مُدانة لمصلحة حكومة العدو، وأنه كان الأصح أن يجري تحذير «حماس» من مخاطر عملية قد تُستغل لتنفيذ رد إسرائيلي غير متناسب… لكن وراء هذه المقاربة عدّة أهداف:
– الأول، خدمة الإرهابي نتنياهو (وفريقه الفاشي) في معركته الانتخابية بتصويره صانعاً لمناورة، وليس مرتكباً لإهمال التحذير الخارجي والاستخباراتي الداخلي!
-الثاني، إدانة العمل المقاوم ضد العدو باعتباره عملاً مغامراً في كل مكان وزمان: في غزّة أو في الضفة أو في لبنان أو في سوريا أو في إيران.
– الثالث، تبرير الإبادة والسعي لإنجاح أهدافها عبر «إبادة سياسية» أيضاً لكل مقاومة ضد العدو. لا ينطلق هذا النهج من مجرد التعامل مع ميزان قوى (حيث «يكثر السلّاخون بعد وقوع البقرة»)، بل من محاولة ترسيخ ذهنية الإذعان والرضوخ والاستسلام… وهو أمر تجري محاولات تعميمه بوصفه قاعدة ينبغي أن تخضع لها كل النزاعات في العالم التي تشعلها الإدارات الأميركية وأتباعها وأشباهها.
– الرابع، يلتقي التفسيران على هدف واحد: التشكيل وزرع اليأس وذهنية الخسارة بوصفها ثمرة خطأ أو تهور، وليست نتيجة عدوان تكالبت على تنفيذه وتبريره ودعمه قوى دولية وإقليمية ومحلية تابعة لها، من أجل النهب والهيمنة والنيل من حقوق الشعوب على امتداد العالم!

لا يلتفت أطراف «الإبادة السياسية»، الكبار والصغار، إلى ما سطّرته المقاومة في فلسطين ولبنان، من بطولات فاقت كل تصوّر. لا يلتفتون أيضاً إلى صمود إيران وشجاعة قيادتها في مواجهة العدوان الصهيو/ أميركي. وهم يصمّون أسماعهم، بعناد ومكابرة، عن تأثير تلك البطولات والتضحيات وذلك الصمود في إطلاق مؤشرات تغيير واعدة على مستوى العالم. إن قضية فلسطين قد أصبحت قضية العصر. إنها هي التي يدور بشأنها الانقسام، وتتصارع اللوائح الانتخابية، وتتصاعد عزلة العدو حتى في القلاع التي وفّرت كل أشكال الدعم لتأسيسه وتوسّعه وإجرامه.

لم يكن الكيان الصهيوني معزولاً ومُستنزفاً كما هو اليوم. إن أفضل خدمة يمكن أن تُقدّم له هي تصويره كلي القدرة بحيث لا سبيل أمام ضحايا إجرامه وعدوانه إلا الخضوع والاستسلام. الكيان الصهيوني هو أحد أسوأ الظواهر التي ولدتها قوى النهب والعدوان والهيمنة وفي طليعتها الرأسمالية/ الإمبريالية الأميركية! الإمبراطورية الأميركية تقاتل الآن، بأقذر وأبشع الوسائل، للحفاظ على ميزات تفوق وتفرد وتسلط في شروط متحوّلة لغير مصلحتها على خلاف ما كان في السابق. هذا ينطبق على وليدها الكيان الصهيوني الذي ينزلق إلى مُجازفات ستنقلب عليه عاجلاً أم آجلاً.
* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة