أبو الشريف رباح 

عجباً لمن يقود حرباً مدمرة ضد الشعب الفلسطيني ثم يخرج متحدثاً عن الإرهاب وحماية الأبرياء !! هكذا ظهر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مديناً الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض ومتحدثاً بلغة توحي بالحرص على المدنيين، فيما يتناسى ما شهده قطاع غزة من قتل ودمار وحصار وتجويع وما عاناه الفلسطينيون من مآسي إنسانية غير مسبوقة، ونحن لسنا هنا في وارد التدخل في الصراع بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين ولا في مناقشته، لكننا نتوقف أمام مفارقة تستحق السؤال، كيف لمن يواجه اتهامات دولية خطيرة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتلاحقه مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية أن يقدم نفسه مدافعاً عن الأبرياء متجاهلاً معاناة المدنيين الفلسطينيين الذين دفعوا أثماناً باهظة جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؟

إن إدانة استهداف المدنيين واجب أخلاقي لا يتجزأ أياً كانت جنسياتهم أو مواقعهم، لكن هذا المبدأ لا يجوز أن يتحول إلى أداة للمناورة السياسية أو وسيلة لتلميع صورة المجرم، فدماء الفلسطينيين ليست أقل قيمة من دماء السعوديين وحياة الإنسان وكرامته لا تخضعان لحسابات المصالح والتحالفات ومن يدين الاعتداء على الأبرياء مطالب بأن يلتزم المعيار نفسه عندما يتعلق الأمر بالأطفال والنساء والشيوخ الذين تعرضوا للقتل والتشريد، وبالعائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، وبالمرضى الذين عانوا نقص الدواء والعلاج في ظل الحرب والحصار.

لكن ماذا يريد نتنياهو من هذه التصريحات؟ وهل يحاول استثمار التطورات الإقليمية لفتح نافذة سياسية مع الرياض وإحياء آمال التطبيع مع المملكة العربية السعودية والحصول على اعتراف يمنحه مكسباً استراتيجياً يحتاج إليه في ظل أزماته السياسية والقضائية؟ لا يمكن الجزم بنوايا نتنياهو من تصريحاته وحدها لكن من الواضح أن التطبيع مع السعودية يمثل هدفاً مهماً في حسابات إسرائيل السياسية، فالمملكة دولة محورية عربياً وإسلامياً وأي اتفاق معها سيشكل مكسباً كبيراً لحكومة الاحتلال غير أن نتنياهو يبدو متجاهلاً لحقيقة أساسية وهي أن السعودية أكدت مراراً تمسكها بقيام دولة فلسطينية مستقلة وأن تحقيق السلام يتطلب إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

يا نتنياهو لا تستعطف السعودية ولا تعتقد أن تصريحاً سياسياً أو إدانة عابرة ستفتح لك أبواب الرياض !! فالمملكة ليست دولة تبحث عن مجاملة من حكومة الاحتلال ولا القضية الفلسطينية ورقة يمكن تجاوزها للحصول على مكاسب إقليمية  إن الطريق إلى السلام لا يمر عبر استغلال الأحداث الأمنية أو تقديم مواقف إعلامية انتقائية بل عبر إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والعدوان والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، إن نتنياهو الذي يواجه انتقادات واسعة بسبب سياسة حكومته والحرب على غزة يحتاج إلى إنجاز سياسي يستطيع تسويقه أمام جمهوره وربما يحاول تصوير أي تطور في علاقاته مع الدول العربية على أنه انتصار شخصي لكنه يتجاهل أن المكاسب الدبلوماسية مهما بلغت أهميتها لا تستطيع أن تمحو معاناة شعب ولا أن تلغي حقوقاً وطنية راسخة ولا أن تمنحه حصانة من المساءلة القانونية.

لقد أثبتت التجارب أن السلام الحقيقي لا يُصنع بتجاوز الفلسطينيين أو الالتفاف على حقوقهم بل بالاعتراف بحقوقهم الوطنية المشروعة وأي مسار للتطبيع يتجاهل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف سيظل بعيداً عن معالجة جذور الصراع ولن يكون بديلاً عن السلام العادل الذي تحتاج إليه المنطقة، إن إدانة الهجمات على السعودية لن تمنح نتنياهو صك براءة كما أن رفع شعارات حماية الأبرياء لا يمحو صور الدمار في غزة  وإذا كنت حريصاً بالفعل على أمن المنطقة واستقرارها فابدأ بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي بدلاً من البحث عن انتصار سياسي يضاف إلى سجل حكومتك، ففلسطين ليست ورقة تفاوض ودماء شعبها ليست ثمناً للتطبيع والحقوق الوطنية لا تسقط أمام الحسابات السياسية، فلا تراهن على أن السعودية ستمنحك ما تبحث عنه مقابل كلمات عابرة، فالتطبيع ليس مكافأة مجانية والسلام ليس غطاءً لاستمرار الاحتلال والاعتراف الحقيقي لا يُنتزع بالمناورات بل يُبنى على احترام الحقوق وإنهاء الظلم، إن أردت السلام فابدأ بإنهاء الاحتلال لا باستعطاف السعودية  أما فلسطين فستبقى قضية شعب يناضل من أجل حريته واستقلاله ولن تكون جسراً تعبر عليه حكومة الاحتلال للهروب من أزماتها أو صناعة انتصار سياسي على حساب آلام الفلسطينيين.