عبد الهادي محفوظ
التلويح الأميركي من الرئيس دونالد ترامب باحتمالية استخدام “أم القنابل” على المواقع النووية الإيرانية وفي “جبل الفأس” قبل الانتخابات النصفية في الكونغرس أو بعدها يتزامن مع مفاوضات غير مباشرة أميركية-إيرانية في الكواليس وبدور فعّال للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التقريب بين الأفكار الأميركية والإيرانية على السواء وانتزاع تنازلات متبادلة.
من هنا قد يكون التلويح الأميركي باستخدام “أم القنابل” ذات الصفة التدميرية الهائلة هو نوع من الضغط التفاوضي والنفسي. وأن الولايات المتحدة الأميركية تملك خيارات غير ديبلوماسية إذا اقتضى الأمر مع استبعاد الاستخدام لسلاح نووي. وكل ذلك يتزامن مع خطاب إيراني بأنه متهيئ للرد على أي تصعيد عسكري أميركي وبإلحاق ضرر كبير في البنية العسكرية الأميركية والقواعد العسكرية ومعها البنى التحتية النفطية في المنطقة وغيرها التي تخدم الآلة العسكرية الأميركية.
لا شك أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحاول استدراج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى “حرب ثالثة” ضد إيران بالتهويل على البيت الأبيض عن قرب امتلاك إيران لسلاح نووي بعد تطويرها للبرنامج النووي وما تخبئه في “جبل الفأس”. وبالتأكيد هناك من يزيّن في البنتاغون سيناريوهات عسكرية للرئيس ترامب المتردد والحائر والذي ينتظر ما يمكن أن تفضي إليه وساطة الرئيس فلاديمير بوتين الذي يربط المصير عمليا بين الحربين الأميركية-الإيرانية والروسية-الأوكرانية والذي يتوقع أن تتخلى واشنطن عن دعم أوكرانيا ومعها رئيسها فولوديمير زيلينسكي الذي يهدد من جديد بقصف الشبكات النفطية الروسية والمصافي فيها.
وأما السيناريوهات العسكرية الأميركية فتدور إجمالا حول حرب خاطفة أميركية والأرجح بالتنسيق مع إسرائيل وهدفها إلحاق أكبر ضرر في البنية التحتية الإيرانية. ومن بعدها يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أنا المنتصر” ووقف الحرب. إنما مثل هذه “السيناريوهات” لا تنهي الحرب ولا الفوضى الشاملة في المنطقة ولا تجعل موضوعيا من الولايات المتحدة الأميركية رابحة للحرب ولا إيران خاسرة. خصوصا أنها ستؤدي إلى مزيد من توثيق الروابط العسكرية والسياسية والاقتصادية بين طهران وموسكو وبكين. كما أنه في صلب الوساطة الروسية تقع فكرة توفير معادلة “أنا المنتصر” للرئيس ترامب عبر ما يردده من حؤول واشنطن دون امتلاك طهران لسلاح نووي. وفكرة أن ايران انتصرت في تحقيق ما تصبو إليه من تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية ومدنية مع فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري والجوي وإعادة تقسيط الأصول والودائع الايرانية المجمّدة وبناء شراكات اقتصادية ومالية متعددة.
بين السيناريوهات العسكرية وبين “مخرج بوتين” هذا ما يدور عليه النقاش في البيت الأبيض. وبالتأكيد فإن جيه دي فانس وستيف ويتكوف أميَل إلى “مخرج بوتين”. وهو “مخرج” يحتاج إلى نوع من المرونة الايرانية الإضافية. وهي مرونة يحتاجها كل من الأميركي والايراني على السواء. لأن هناك تقاطعات أكيدة في المصالح بين الروسي والايراني وبين الأميركي والروسي. مع مسألة أكيدة أن روسيا لن تتخلى عن ايران التي فتحت الباب واسعا أمام تعددية قطبية وكسر الهيمنة الغربية على النظام الدولي.
وأما من ضرورات التعاطي الايراني بمرونة إضافية. فذلك يعود أيضا إلى قطع الطريق على فرصة نتنياهو بمعاودة الحرب على ايران وأخذ الولايات المتحدة الأميركية إلى حيث يريد. أي شراكة بين المشروعين الأميركي والاسرائيلي. ومثل هذه الشراكة تتيح للدولة العبرية أن يكون لها اليد الطولى في الشرق الأوسط وفي الهيمنة السياسية والاقتصادية على دولها. وحدها طهران تستطيع أن تحول دون ذلك بالتعاون مع موسكو. إنما ذلك يتطلّب مرونة ايرانية إضافية.