الشاعرة نهى عودة
نحن أمام حادثتين مختلفتين، لكنهما تطرحان سؤالاً واحداً عن إنسانيتنا وقيمنا. طفلة لا تتجاوز العاشرة من عمرها ترتدي الحجاب في أذربيجان، فيطلب منها أحد المسؤولين في المدرسة العودة، ورجل دين في الإكوادور يتوفى إثر سقوط الصليب عليه، فتتحول وفاته في بعض التعليقات إلى مناسبة للشماتة والإساءة.
في الحادثة الأولى، نواجه تساؤلات حول حرية المعتقد وحدود السلطة، وفي الثانية، نواجه غياب احترام الإنسان في موته. وبين المشهدين، تبرز مفارقة أخلاقية مؤلمة: كيف نرفض حق إنسان في ممارسة معتقده، ثم نبرر إهانة إنسان آخر بسبب دينه؟
إن المسألة ليست دفاعاً عن الحجاب أو الصليب، ولا مفاضلة بين دين وآخر، بل دفاع عن مبدأ أساسي: كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينةً لمعتقده، والحرية لا تكون مبدأً حقيقياً إذا طالبنا بها لأنفسنا وأنكرناها على غيرنا.
الدين لله، ولسنا أوصياء على ضمائر الناس، ولا نملك مفاتيح الجنة والنار. ومن حقنا أن نختلف مع المعتقدات ونناقشها، لكن الاختلاف لا يبرر الإقصاء أو الإذلال، كما أن الموت لا يبرر الشماتة.
ما تكشفه الحادثتان هو خلل أعمق في منظومة القيم، حين تتبدل مواقفنا الأخلاقية بحسب هوية الآخر، فنطالب بالاحترام حين يتعلق الأمر بنا، ونتخلى عنه حين يتعلق بمن يختلف عنا. فالتدين لا يُقاس بالشعارات، كما أن التحضر لا يُقاس بادعاء الحرية، بل بقدرتنا على احترام الإنسان وصون كرامته، حتى حين لا نتفق معه.
إنها ليست أزمة حجاب ولا أزمة صليب، بل أزمة أخلاق حين يفقد الإنسان قدرته على رؤية إنسانيته في الآخر.
فما قيمة كل ما ندّعيه من إيمان وحرية وتحضر، إذا عجزنا عن احترام الإنسان لمجرد أنه لا يشبهنا؟