عبد الهادي محفوظ
عندما يتحدث رأس الديبلوماسية الايرانية الدكتور عباس عراقجي عن محاولات رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو استدراج الولايات المتحدة الأميركية إلى “حرب ثالثة ضد ايران” في لحظة يبدو فيها “الخيار الديبلوماسي” يقطع شوطا مهما خصوصا وأن طهران تدرس بايجابية الملاحظات الأميركية على “الاقتراحات السبعة” لفتح مضيق هرمز ومعاودة المفاوضات.
والملاحظ أن “شدّ الاعصاب” هو التوصيف الدقيق للعلاقة الأميركية-الايرانية. فلا أحد يريد الحرب إنما لا أحد منفردا يمكنه أن يحول دونها. فالحرب، كما المفاوضات، تحتاج إلى اثنين. ولا يكفي التأكيد على الخيار الديبلوماسي لنفي حصولها خصوصا أنه في مراجعة الحربين الاميركية والاسرائيلية على ايران كان هناك دور أساسي لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في جر الولايات المتحدة الأميركية إليها. ويمكن لهذا الأمر أن يتكرر من جديد ما لم تُبرز طهران “مرونة إضافية” تهدّئ من إرباك الرئيس الاميركي دونالد ترامب وفقدانه “الصبر” واستعجاله لمخارج تأخذ في الاعتبار معادلته “أنا المنتصر” ولو لم يتحقق له النصر واقعيا. وهنا ينبغي التمييز بين أمرين اثنين: الأمر الأول واشنطن لا تريد إسقاط النظام الايراني وإنما “تغييره سلوكه” وعدم امتلاكه لسلاح نووي. الأمر الثاني أن اسرائيل تعتبر ايران تهديدا وجوديا لها وينبغي “إزالة هذا التهديد” باسقاط النظام الايراني وتفكيك بنيته الاجتماعية وتفتيت الدولة إلى كيانات متصارعة. وهذا ما يتيح للدولة العبرية العبور إلى “الداخل العربي” ودوله بسهولة والتحكّم بسياساته واقتصاده واستتباعه.
للأسف أن هناك في ايران من لا يميّز بين المشروعين الأميركي والاسرائيلي ويتكلم عن “التطابق”. وهذا “الخطأ” يستدرج بدوره إلى حسابات خاطئة في التقدير السياسي وحتى العسكري. إنما الحذر الايراني وضَع اسرائيل خارج التفاوض. وهذا أمر إيجابي من زاوية المشروع الأميركي للمنطقة لا المشروع الاسرائيلي لها. وأن الحرب الأميركية لم تحقق أهدافها لا في إضعاف النظام ولا في تغيير سلوكه ولا في “تحريك داخله”. وهذه نقطة قوة للخيار الديبلوماسي الايراني وخصوصا وأن نقاط الخلاف ضاقت بعد أن أصبحت “مذكرة التفاهم” هي القاعدة وإن كان هناك “خلاف” على قراءتها. وهو خلاف يمكن علاجه عبر الوسطاء الباكستاني والقطري والعماني ومن خلف الكواليس الصيني. كما الشريك المفاوض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي أجرى اتصالات ناجحة بكل من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والايراني الدكتور مسعود بزشكيان أفضت إلى جواب أميركي فيه شيء من التفهّم للمطالب السبعة الايرانية المشروطة. والمرتقب أن تعطي ايران “ملاحظاتها” على الجواب الأميركي.
أما الحرب الاستباقية الاسرائيلية على ايران والتي يدعو إليها رئيس الحكومة الاسرائيلية، وبرضى أميركي إذا طال أمد التفاوض ومعه “ضاع” صبر الرئيس ترامب، فإنها توفّر للدولة العبرية “تجاوزا” لعزلتها الدولية وللادانات الأوروبية لسياسات الاستيطان و”حرب الزيتون” والتهجير من الضفة الغربية إلى الأردن ومصادرة الأراضي في غزة وحشر الفلسطينيين في بقعة جغرافية صغيرة لا تتجاوز العشرين بالمئة من جغرافية غزة. وهذا الأمر يستتبع أن تكون اسرائيل “شريكة” للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة أي “الشريك الاقليمي” المقيم على الأرض. وكل ذلك خاتمته إقامة الدولة الدينية اليهودية المتوسعة في الجنوب اللبناني وفي العمق السوري وفي الأردن وذات النفوذ الواسع في ظل “الاتفاقات الابراهيمية” حيث تسقط الاشتراطات عليها.
لا شك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مأزق سياسي مع ايران ومأزق مع الداخل الأميركي. وهو يحتاج إلى “خشبة خلاص”. وهذه “الخشبة” يمكن أن توفّرها الديبلوماسية أو الحرب. “خشبة الخلاص الديبلوماسية” تملكها ايران وتشكّل “مخرجا سلميّا” للرئيس الأميركي. و”خشبة الحرب” يملكها نتنياهو وليس من الضروري أن تنتهي الحرب وأن تكون في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية وإنما تنتهي بتعميم الفوضى في “الدائرة الأوسطية” وخارجها.