مازن كريّم -قدس برس
أعادت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وما أفرزته من تحولات في موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ، طرح تساؤلات بشأن انعكاساتها على سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب على إيران، والدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي، والضغوط المتواصلة على لبنان.
وفي وقت يرى فيه مراقبون في تصريحات خاصة منفصلة لـ”قدس برس”، اليوم الأربعاء، أن انتقال الأغلبية في الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي قد يفتح الباب أمام مواجهة مؤسساتية مع البيت الأبيض، ويحدّ من هامش تحرك الرئيس الأمريكي في الملفات العسكرية، تبرز تساؤلات أخرى حول ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى تغيير فعلي في ثوابت السياسة الأمريكية، أم أنه سيقتصر على تعديل أدوات الضغط وأساليب إدارة الصراعات، من دون المساس بالأهداف الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة.
التصعيد العسكري واحتمالات الخيار النووي
ورأى الباحث في الشأن الأمني والسياسي، علي رزق، أن الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، وسيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، قد تدفع الرئيس دونالد ترامب إلى تبني خيارات عسكرية أكثر خطورة، ولا سيما في مواجهة إيران، إذا وجد في التصعيد وسيلة لتعزيز صورته السياسية وصرف الأنظار عن الضغوط الداخلية.
وقال رزق، في حديث خاص لـ”قدس برس”، إن ترامب يتعامل مع الحروب، وفق تقديره، من منطلق شخصي أكثر من انطلاقه من حسابات المصلحة الأمريكية، موضحاً أن الرئيس قد يقدم على عمل عسكري إذا رأى أنه يخدم صورته بوصفه قائداً قوياً، حتى لو لم يكن ذلك بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة.
وأضاف أن احتمال التصعيد يرتبط أيضاً بطبيعة الأجندة التي سيعتمدها الديمقراطيون بعد استعادة السيطرة على الكونغرس، خصوصاً إذا اتجهوا إلى فتح ملفات تتعلق بإدارة ترامب، وعقد جلسات استماع وممارسة رقابة مكثفة على أدائه.
وأوضح أن تركيز الديمقراطيين على ملاحقة ترامب سياسياً قد يزيد، وفق تقديره، من دوافعه للذهاب نحو التصعيد العسكري مع إيران، بهدف تحويل الاهتمام الداخلي إلى التطورات الخارجية.
وفي هذا السياق، لفت رزق إلى أن إعلان ترامب استعداده للتعاون مع الديمقراطيين وقبوله بنتائج الانتخابات، قد يعكس إدراكه لحجم الضغوط التي يمكن أن تواجه إدارته خلال المرحلة المقبلة، ومحاولته الحد من حدتها.
وحول قدرة الأغلبية الديمقراطية الجديدة على تقييد الخيارات العسكرية لترامب، قال رزق إن خسارة الجمهوريين مجلسي النواب والشيوخ تمنح الديمقراطيين أدوات ضغط مؤثرة، أبرزها التأثير في مسارات التمويل والموازنة العسكرية.
وأشار إلى إمكانية استخدام الاعتمادات المخصصة لوزارة الدفاع وسيلة للضغط على الإدارة، عبر ربط إقرار بعض الموازنات أو التمويلات بشروط تتعلق بالعمليات العسكرية، بما قد يحد من قدرة البيت الأبيض على مواصلة الحرب.
واستدرك بأن فاعلية هذا المسار تبقى مرتبطة بمدى قدرة الديمقراطيين على توحيد صفوفهم، في ظل وجود تيارات ومعسكرات مختلفة داخل الحزب، فضلاً عن امتلاك الرئيس صلاحية استخدام الفيتو ضد التشريعات التي لا تحظى بالأغلبية اللازمة لتجاوزه.
وفي ما يتعلق بإمكانية استخدام الولايات المتحدة السلاح النووي في المواجهة مع إيران، قال رزق إنه يستبعد هذا السيناريو في المرحلة الحالية، لكنه لا يرى أن بالإمكان استبعاده بصورة مطلقة، بالنظر إلى طبيعة قرارات ترامب وسلوكه السياسي، وفق قراءته.
وأوضح أن ترامب قد ينظر إلى خطوة بهذا الحجم من زاوية تسجيل سابقة تاريخية، مشيراً إلى أن احتمال استخدام سلاح نووي تكتيكي ضد منشآت إيرانية محصنة يظل، برأيه، ضمن السيناريوهات التي لا يمكن إغفالها، ولا سيما إذا اعتبرت الإدارة الأمريكية أن العمليات التقليدية لم تحقق أهدافها.
ولفت إلى أن طبيعة الفريق المحيط بترامب ومواقف بعض المسؤولين الداعمين للحرب تثير تساؤلات بشأن مستوى الضوابط الداخلية على قرارات التصعيد، مشيراً إلى وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي وصفه بأنه من أبرز المتحمسين للمواجهة، ومتحدثاً عن تقارير تتناول احتمال إجراء تغييرات في موقعه على خلفية إخفاقات الحرب.
وفي تقييمه لدور المؤسسة العسكرية الأمريكية في منع الانزلاق إلى استخدام السلاح النووي، أعرب رزق عن قلقه من طبيعة الفريق المحيط بالرئيس، معتبراً أن وجود مستشارين لا يمتلكون الخبرة الكافية، إلى جانب آخرين قد لا يواجهون الرئيس بتقديرات مخالفة لتوجهاته، قد يضعف عملية صنع القرار.
وأشار إلى وجود شخصيات عسكرية يتعامل معها بوصفها أكثر ميلاً إلى المقاربة العقلانية، ومن بينها رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، لكنه رأى أن ذلك لا يبدد المخاوف المتعلقة بطبيعة الفريق المحيط بالرئيس.
الكونغرس يقيّد الحرب ولا يمنعها
من جهته، رأى الخبير العسكري والاستراتيجي، نضال زهوي، أن نتائج الانتخابات الأمريكية وما أفرزته من تحولات في موازين القوى داخل الكونغرس ستفرض قيوداً إضافية على تحركات ترامب العسكرية، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب على إيران، لكنها لن تمنعه من تنفيذ عمليات عسكرية في المدى القريب.
وقال زهوي، في حديث خاص لـ”قدس برس”، إن تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية على منطقة غرب آسيا والقضية الفلسطينية والحرب ضد إيران، لا ينبغي قراءته من زاوية المفاضلة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أو اعتبار أحدهما أقل عداءً لقضايا المنطقة من الآخر، مشدداً على أن الحزبين يتبنيان، وفق تقديره، النهج ذاته تجاه قضايا المنطقة.
وأوضح أن التنافس الداخلي الأمريكي قد يجعل الكونغرس، وخصوصاً مع تنامي نفوذ الديمقراطيين، أكثر قدرة على تقييد القرارات الاستراتيجية للرئيس، لافتاً إلى أن ذلك لا يرتبط بتغير جوهري في مواقف الحزبين، وإنما بالصراع السياسي والمؤسساتي بينهما.
وأشار إلى أن أدوات الضغط التي يمتلكها الكونغرس تشمل عرقلة الموازنات المخصصة للعمليات العسكرية، والتأثير في المساعدات المالية المقدمة لبعض الدول، بما قد يحد من قدرة الإدارة الأمريكية على تنفيذ سياساتها الخارجية بالصورة التي تريدها.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، اعتبر زهوي أن الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي بات يواجه تحديات متزايدة داخل المجتمع الأمريكي، لا بسبب التحول في المواقف الحزبية بالضرورة، وإنما نتيجة تغير المزاج الشعبي واتساع دائرة الوعي بعد الحرب على قطاع غزة.
وأضاف أن التجربة خلال فترة حكم الديمقراطيين أظهرت أن وجودهم في السلطة لم يجعل السياسة الأمريكية تجاه غزة أقل انحيازاً للاحتلال، مشيراً إلى أن التحول الأبرز يتمثل في تزايد الفجوة بين مواقف قطاعات من الناخبين الأمريكيين وسياسات الدولة العميقة واللوبيات المؤثرة في القرار السياسي.
ولفت إلى أن الجهود التي بذلها الفلسطينيون في الولايات المتحدة والشتات، إلى جانب الحراك التضامني في المجتمعات الغربية، أسهمت في كشف حقيقة القضية الفلسطينية وإظهار حجم المعاناة والانتهاكات الإسرائيلية، في مواجهة الرواية التي عملت الدعاية الصهيونية على ترسيخها.
وعن انعكاسات نتائج الانتخابات على مسار الحرب ضد إيران، أوضح زهوي أن اتساع نطاق العمليات العسكرية وارتفاع كلفتها الاقتصادية والعسكرية يجعلان من الصعب استمرار توصيف المواجهة بأنها عملية محدودة أو مؤقتة، كما درجت بعض الإدارات الأمريكية على استخدامه لتجنب القيود المرتبطة بصلاحيات الحرب.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي يستطيع استخدام حق النقض ضد القرارات التي يقرها الكونغرس، لكن المؤسسة التشريعية تحتفظ بأدوات مؤثرة، وفي مقدمتها صلاحيات إقرار الموازنات وتخصيص الأموال اللازمة للعمليات العسكرية، وهو ما قد يفتح باباً للمواجهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وأكد أن هذه المعادلة ستجعل خيارات ترامب أكثر تقييداً، لكنها لا تعني بالضرورة عجزه عن اتخاذ قرار عسكري أو تنفيذ عمليات جديدة خلال الفترة القريبة، مرجحاً أن يظهر تأثير نتائج الانتخابات بصورة أوضح في قدرة الإدارة الأمريكية على استكمال الحرب وإدارتها على المدى المتوسط.
وفي قراءته للمسار المقبل، رجّح زهوي أن تشهد الأشهر القادمة نهاية للحرب على مستوى المنطقة، معتبراً أن تحقيق الأهداف الأمريكية تجاه إيران يواجه عقبات كبيرة، في ظل رفض الجمهورية الإسلامية الإيرانية خيار الاستسلام على المستويات الشعبية والسياسية والعسكرية.
ثوابت واشنطن تجاه لبنان لا تتغير
بدوره، رأى الكاتب والباحث المتخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الشرق أوسطية، علي دربج، أن نتائج الانتخابات الأمريكية ستفتح الباب أمام مرحلة من الصراعات المؤسساتية داخل الولايات المتحدة، بين الحزب الديمقراطي الذي يسعى إلى الحد من صلاحيات الرئيس ترامب، والأخير الذي قد يلجأ إلى توظيف سلطاته التنفيذية لتجاوز القيود التي يفرضها الكونغرس.
وقال دربج، في حديث خاص لـ”قدس برس”، إن هذا الصراع سينعكس على طريقة تعاطي واشنطن مع عدد من الملفات الخارجية، وفي مقدمتها الحرب على إيران والسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لكنه استبعد أن تكون القيود التي قد يفرضها الكونغرس كافية لمنع ترامب من الإقدام على خطوات تصعيدية.
وأضاف: “لا أستبعد أي فعل قد يقدم عليه ترامب، حتى لو قيّده الكونغرس الأمريكي”، مشيراً إلى أن الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الدستور للرئيس قد تتيح له الالتفاف على بعض القيود والمضي في خياراته، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة، وفق وصفه، مشهداً مقلقاً.
وفي ما يتعلق بلبنان، استبعد دربج أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ إلى تغيير جوهري في السياسة الأمريكية تجاه البلاد، معتبراً أن هذه السياسة ترتبط بثوابت استراتيجية تتجاوز التنافس الحزبي داخل الولايات المتحدة.
وقال إن لبنان كان، حتى قبل الحرب عام 2024، يتأثر بصورة كبيرة بالتوجهات الأمريكية، إلا أن المشهد تبدّل بعد الحرب والضربات الكبيرة التي تعرض لها حزب الله والمقاومة، إذ باتت واشنطن، بحسب تقديره، صاحبة تأثير واسع في القرارات والتفاصيل اللبنانية.
وأضاف أن هذه المقاربة الأمريكية لن تتغير حتى في حال وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض مستقبلاً، بل قد تتخذ أشكالاً أكثر تشدداً، وإن اختلفت الأدوات المستخدمة بين إدارة وأخرى.
وأشار إلى أن إدارة ترامب قد تلجأ إلى التهديدات المباشرة وفتح المجال أمام الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع اعتداءاته على لبنان، في حين قد يفضّل الديمقراطيون استخدام أدوات ضغط أخرى، وفي مقدمتها الحصار الاقتصادي والمالي، الذي وصفه بأنه من أبرز الوسائل التي تجيد الولايات المتحدة توظيفها في الضغط على الدول والشعوب.
وأكد دربج أن ملف سلاح المقاومة في لبنان سيبقى أولوية أمريكية مشتركة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولن يكون موضع تراجع نتيجة التغيير في موازين القوى داخل الكونغرس.
وأوضح أن هناك ملفات استراتيجية يتفق عليها الحزبان، وفي مقدمتها ما يرتبط بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، مشيراً إلى أن الخلاف بينهما قد يظهر في أسلوب إدارة الحروب وتقدير كلفتها وانعكاساتها على الاقتصاد الأمريكي، وليس في الأهداف الاستراتيجية المرتبطة بأمن الاحتلال الإسرائيلي وموقعه في المنطقة.
وتابع أن الضغط على سلاح حزب الله ودوره في لبنان، إلى جانب الحد من النفوذ الإيراني في البلاد، سيظل حاضراً في السياسة الأمريكية، سواء كانت الإدارة جمهورية أم ديمقراطية.
هذا وتُعد انتخابات التجديد النصفي محطة مهمة في النظام السياسي الأمريكي، إذ تحدد موازين القوى داخل الكونغرس، وتؤثر في قدرة الرئيس على تمرير التشريعات والموازنات وممارسة سياساته الداخلية والخارجية.
ويمنح امتلاك الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ الحزب المعارض أدوات رقابية وتشريعية أوسع، من بينها التحقيقات وجلسات الاستماع والتأثير في الاعتمادات المالية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في ظل استمرار المواجهة الإقليمية وتداعيات الحرب على إيران، إلى جانب تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ولبنان، وما تثيره من خلافات داخل الولايات المتحدة بشأن كلفة الانخراط العسكري، وحدود الدعم المقدم للاحتلال الإسرائيلي، ومستقبل الدور الأمريكي في المنطقة.