آخر الأخبار

رأس السنة الجديدة بين العرافة والتحليل السياسي

bcfe0f86-32b2-495e-a62c-a78e20be4401-rdh7rrbu2uom98dfefzre3nlhtdyrp45zpsmp2bqeo-rfigvrsegcxf3uimrk3a7tuwfnv4tri7hcox75r4hc-rg7co4cjnmhiwbzp2319l2jvcruvw57r7uyj6mszg0-rgisic7n02gmx02ycsr8pq5anz

أسامة خليفة

كاتب فلسطيني

رأس السنة الجديدة، موسم وفير للعرافة والتنجيم، كما هو بالنسبة للتحليل السياسي أيضاً الذي يحاول أن يقترب من الاستشراف والقدرة على النظر في تطورات المستقبل وتحدياته دون الادعاء بمعرفة الغيب، ودون الانخراط بعمق في الحديث عن الاستخدام في التخطيط الاستراتيجي، الذي يعني تحويل الاستشراف من مجرد احتمالات إلى أهداف وخطط عملية قابلة للتنفيذ.

يلجأ كثيرون في رأس السنة الجديدة للاستماع إلى ما تقوله الأبراج، وسط اهتمام بالغ من قبل وسائل الإعلام بتوقعات العرافين على المستوين العام والشخصي، على مستوى الأفراد يتحدثون عن نجاح في العمل، ووقوع في الحب أو مغامرة غرامية جديدة، خطوبة أو زواج، أو السعادة والهناء، والحياة اليومية المواتية، وعن العلاقات الاجتماعية في محيط الأصدقاء والأسرة، وربما مفاجأة سارة، وفرص للسفر، ترقية في العمل، أو عقود تجارية وصفقة مالية رابحة، وأموال مفاجئة ولو كان مواليد البرج غارقين في الديون، في هذا البعد الشخصي، أتقن العرافون دغدغة عواطفنا، يعرفون ما نريد أن نسمعه ويضعوننا في أوهام تفاؤل غير عقلاني، حتى على المستوى الجمعي باستطاعتهم أن يحدثوا مثل هذا التفاؤل، فقد تفاعل الشارع الأردني مع رؤية عرافة شهيرة أحدثت صدى واسعاً بين الأردنيين حول ما وصفته بـمفاجأة سارة ستدخل الفرحة إلى كل بيت أردني، «ندعو بالتوفيق»، يبدو لها العام 2026 عاماً استثنائياً حاسماً على صعيد السياحة، يحمل بدايات جديدة ورائعة، تحدثها قرارات حكومية مصيرية تقود نحو شاطئ الأمان رغم كل الأمواج المحيطة بالمنطقة.

قد يتفق المنجمون والمحللون حول عنوان مرحلة، لكن يختلفون في أسبابها، يرى المنجمون أن انتقال بلوتو إلى برج الدلو في 2026 يشير إلى نهاية حقبة امتازت بالتحديات والصراعات، ما يجعل 2026 عاماً انتقالياً يشهد ترسيخاً للتغييرات المرتبطة بالتحولات التكنولوجية والاجتماعية، يقيم بلوتو طويلاً في برج الدلو، مما يزيد من عمق التحولات ويدفع نحو مواجهة القضايا المتعلقة بالقوة والسيطرة والدمار والتطرف.

في رأس السنة يكثر ظهور المحللين السياسيين والاقتصاديين والعسكريين والاستراتيجيين في وسائل الإعلام ليعرضوا توقعاتهم للعام الجديد في مختلف المجالات، فيربطون التحولات المحتملة بالتغيير الجذري في طرق التواصل والتقنية، وبالتطور الهائل في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وبالتحول التكنولوجي وثورة المعلوماتية. ولدى المحللين ما يصدم وعينا على المستوى العام الذي يؤثر فيما هو شخصي، يقرؤون عام 2026 في منطقة الشرق الأوسط، باعتباره عام التحولات الكبرى، قد تفتح الباب أمام آمال ضئيلة في الاستقرار، واحتمالات كبيرة للانفجار، واحتمالات الحروب الضارية والكوارث الطبيعية والاغتيالات السياسية، والهجمات الإرهابية، وتوقعات انتشار وباء فتاك يشابه حرب الإبادة الجماعية. ويغلّبون التخمينات باستمرار الأزمة الاقتصادية محلياً وعالمياً، وبالمزيد من التغييرات الجيوسياسية، لاسيما في منطقتنا، حيث توقعات تجزئة المجزأ، والمزيد من الانقسامات القومية والعرقية والإثنية والطائفية، واتساع التواجد العسكري الأمريكي، والتدخل الأميركي في شؤوننا الداخلية على حساب سيادة الدولة الوطنية، ومسلسل التطبيع الرسمي مع إسرائيل، في الوقت الذي تهدد فيه إسرائيل دول جوار فلسطين بالحرب والدمار والعدوان والكوارث والأزمات بالتعاون مع حليفها الأميركي.

يوم الثلاثاء 2/12/2025 وصفت 12 منظمة حقوقية إسرائيلية العام 2025 بأنه الأشد فتكا بفلسطين منذ 1967، وأن عام 2025 كشف واقعاً لم يكن من الممكن تخيّله: دولة تعمل بلا قيود، وتنتهك القانون الدولي بشكل منهجي، وتفكك القيم التي تدعي الالتزام بها، ولا يمكن لإسرائيل ادعاء الأخلاق أو الدفاع عن النفس. جاء ذلك في تقرير مشترك أشار إلى أنه في عامي 2023 و2024 وثّقت انتهاكات خطيرة بغزة جراء الإبادة الإسرائيلية، حيث فشل المجتمع الدولي في إيقاف المجازر الإسرائيلية، وفشل في فتح المعابر، ووضع حد لحرب التجويع ومنع إدخال المساعدات، وسط صمت وعجز عالمي مخزي، وُصف العام 2025 بأنه عام كارثة إنسانية عام البرد والفيضان والمجاعة الكاملة في القطاع، واتساع نطاق تفشي الأمراض بانهيار المنظومة الصحية، وانتشار التلوث البيئي، وتضاعف عدد الشهداء، وأصبحت حالات التهجير شبه شاملة، وتحوّل الجوع إلى سبب لسوء التغذية الحاد والوفيات الجماعية، لاسيما بين الأطفال.

كما وُصف عام 2025 أنه عام موت الحصانة الإعلامية، وسقوط أسطورة الصحافة الحرة، وأنه عام لا يشبه أي عام سبقه في علاقة العالم بحرية الإعلام، فقد شهد هذا العام موت الضمير العالمي أمام هول ما جرى للصحفيين، حيث أصبح التسلح بالكاميرا جريمة، وكشف الحقيقة تهمة تكلف صاحبها حياته. وُصف العام 2025 أنه لم يكن عام موت الصحفيين فقط، كان عام موت الحصانة الدولية، وموت الأخلاق السياسية، وموت ادعاء حماية الحقيقة.

كما وُصف استشهاد الصحفيين في غزة بالأسوأ تاريخياً، والغير مسبوق، وفق ما خلص إليه مشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون الأميركية، تجاوز عددهم مجموع من قُتلوا من الصحفيين في الحرب الأهلية الأميركية والحربين العالميتين، وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» إن ما يقرب من نصف الصحفيين «43%» الذين قتلوا خلال عام 2025، قضوا على يد الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. يربط المحلل السياسي هذا الإجرام بالفيتو الأميركي في مجلس الأمن، لقد أضحى هذا العام نقطة تحول مظلمة، حيث تجاوزت أرقام الضحايا من الإعلاميين كل السوابق التاريخية، مما سيؤثر على ما بعده، لا سيما إذا أفلت المجرمون من العقاب.

يزداد في مثل هذه الظروف إقبال الناس للاستماع إلى العرافين والمحللين يتوقعون في برامج المحطات الفضائية: ما الذي يميز العام 2026؟. هل العام 2026 متميّز أم مفتقد للخصوصية؟. انتقالي بين مرحلتين أم بداية مرحلة تحوّل كبرى؟. عادي أم حاسم؟. اعتيادي أم استثنائي؟. العرافون قد يتفقون في نبوءات أو يختلفون، لكن يجمعون أن السبب يعود إلى حركة الكواكب وتموضعها في الأبراج، هذا النمط من التفكير غير العلمي لا يقتصر على الشرق فقط، بل إن ظهور العرافيين في وسائل إعلام دول أوروبا وأميركا، وباقي الدول المتقدمة علمياً وتكنولوجياً، يدل على وجود مستمعين متقبلين لهذه التفسيرات التي تخالف طبيعة العصر بصفته عصر العلوم الوضعية والتفكير المنطقي العقلاني في تفسير الظواهر والتغيرات.

ينظر البعض في الغرب إلى ما حل في غزة كأنه كارثة طبيعية، وليست كارثة ناجمة عن تدخل إنسان همجي، ينظرون إلى الفيضانات التي أدت إلى غرق المخيمات ومأساة سكانها على أنها بسبب منخفض جوي قاسي، ولا يتسألون عمن سمح لهذا الهمجي، وبأي حق، أن يدمّر بيوت المدنيين الفلسطينيين، ليعيشوا في العراء، إذا لم يدان المجرم على فعلته وإذا أفلت من العقاب، وإذا بقيت إسرائيل فوق القانون، فالعالم «الحر» أصبح عرافاً يحمّل مسؤولية الكارثة للنجوم البريئة براءة الذئب من دم يوسف. العام 2026 يجب أن يكون عام المحاسبة والعدالة وتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية، يجب أن يساق نتنياهو وأعوانه في هذا العام إلى محكمة الجنايات الدولية، لم أسمع بعراف شجاع تنبأ بذلك خوفاً من تهمة معاداة السامية. لكن للأسف يصف محللون سياسيون عام 2026 بأنه عام الدم والسياسة المفتوحة في فلسطين، وأن الأحداث ستدور حول القرار 2803، وخطة ترامب ذات العشرين نقطة، والانتقال إلى المرحلة الثانية من هذه الخطة أو القرار، ويتحدثون عن نتائج وتداعيات وتطورات وعقبات هذه الخطة.

منذ 7 أكتوبر اعتُبر العامان التاليان لحدث الطوفان جزء من مرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فقد كانت السنوات الثلاث بدءاً من العام 2023 أعواماً كارثية دموية، صعّدت سلطات الاحتلال، في الضفة الغربية المحتلة، عمليات القتل والتهجير، وتكررت اجتياحات الجيش الإسرائيلي، وازدادت اعتداءات المستوطنين عنفاً، اتسع الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتضاعفت الاعتقالات والإعدام الميداني، وهدم المباني، بينما في قطاع غزة المحاصر انهارت البنية التحتية بشكل كامل، وانعدمت الخدمات الأساسية، وغرقت خيام المهجّرين بمياه الأمطار، وكان البرد الشديد والمجاعة المتعمدة سببين غير مسبوقين في حصيلة الوفيات في القطاع المنكوب.

يرجح محللون انسحاب الواقع الحالي المؤلم في الشرق الأوسط على المستقبل، وأن العام 2026 لن يكون حاسماً في العلاقات الدولية، ولن يكون مرحلة جديدة نوعية ناتجة عن صيرورة أحداث تختلف جذرياً عن سابقاتها في العولمة وفي هيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي والتبادل الثقافي والتجاري.

ويتوقع آخرون أن يكون عام 2026 عام تغيير في موازين القوى العالمية، وظهور تحديات عالمية جديدة، حيث ستسقط قوى قديمة وتبرز قوى جديدة، ويشهد العالم تحولات في مراكز القوة، مع صعود قوى جديدة، أحد التفسيرات هو أن مركز القوة العالمي سينتقل إلى آسيا في العام 2026، وستبرز الصين كقوة عسكرية واقتصادية رائدة في العالم، يقول محللون: حتى لو اقتصرنا على مواقع التسوق الإلكتروني الصينية مثل تيمو وشين، لوجدنا أن هذا التحول قد بدأ بالفعل.

الصين بلد العلم والتقدم التكنولوجي، تشتهر أيضاً بأبراجها التي تتميز عن مثيلاتها من الأساطير الموروثة من الحضارات القديمة، وما تزال تلعب دورها في مجتمعات أكثر البلدان تقدماً حضارياً. في الأبراج الصينية، عام 2026 هو عام «الحصان الناري الأحمر»، وهو عام للطاقة، والقيادة، والشجاعة، وفرص النمو، ويتطلب من الجميع التوازن بين العمل والراحة والتركيز على الوضوح الداخلي والصادق، ويُعد فرصة للتقدم المهني لمواليد الأبراج التي تتناغم معه.

من الناحية العلمية بلوتو الكوكب التاسع في المجموعة الشمسية لا يصله إلا القليل من دفء الشمس، تمت دراسته في العام 2015 عن قرب بواسطة مسبار ناسا «نيو هورايزونز»، مما كشف عن نشاط جيولوجي وبراكين جليدية، وأنهار من النيتروجين المتجمد.

مع ذلك ترتبط أكثر مجالات العلوم تطوراً بالتنجيم، يدعي المنجمون أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مرتبطان بالتحولات العميقة لكوكب بلوتو، ففي عام 2026، سيكون في برج الدلو الذي دخل إليه في 2025، يستقر بلوتو في برج الدلو حتى عام 2044، وفق المنجمين انتقال بلوتو إلى برج الدلو له معنى وتأثير في توقعات 2026 المتعلقة بالذكاء الصناعي والتحول التكنولوجي وثورة المعلوماتية، يربط هذا الانتقال بالتطور الهائل في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتغيير جذري في طرق التواصل والتقنية، مما يؤثر على العلاقات والصراعات العالمية، ويدفع للقوة والابتكار، خاصة مع دخول أورانوس لبرج الجوزاء، وهو كوكب الثورة، يدخل هذا الكوكب برج الجوزاء في أبريل 2026 ويفرض تغيراً جذرياً في العلاقات، فكيف ستبدو مسألة سلاح وأنفاق حماس ومقاتليها في هذا التفسير، أو الأصح التنجيم، بحسب تموضع أورانوس في برج الجوزاء، يتطلب الوضع المرونة التي يتمتع بها برج الجوزاء، مع تأثيرات خاصة على الأبراج الهوائية والنارية، عام ٢٠٢٦ هو عام التحوّل الذكي والفرص غير المتوقعة، يحمل طاقة مختلفة عن الأعوام السابقة، فهو عام يعتمد على الذكاء في الحركة لا على القوّة، وعلى المرونة لا الصدام. الطاقات العامة تميل إلى كشف الفرص الخفيّة، ومكافأة من يعرف متى يتقدّم ومتى ينتظر. اختلط الحابل بالنابل، واختلطت الحقائق، وصار العرافون ينجمون ويحللون وربما في الخلط إبداع، يجيب الذكاء الاصطناعي: نعم، في الخلط إبداع مقولة تعكس حقيقة أن دمج عناصر مختلفة، أفكار، مواد، أساليب، بطرق جديدة وغير تقليدية هو جوهر الإبداع، ويؤدي إلى توليد شيء فريد ومبتكر، سواء في الفنون، أو التكنولوجيا، أو الحياة اليومية، حيث يتيح «الخلط» تجاوز الحدود المألوفة وتحقيق نتائج غير متوقعة وذات قيمة مضافة.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة