آخر الأخبار

الموقف من العدوان على فنزويلا

1

منير شفيق

ما فعله دونالد ترامب، رئيس الدولة التي تعتبر نفسها الرقم الواحد في العالم، في فنزويلا، واختطاف رئيسها وزوجته، يجب أن يُدان من كل لسان له احترام للقانون الدولي، ولا يؤيّد العدوان والظلم، وكل ما هو مشين في السياسة الدولية. وبالطبع، كان لا بدّ من أن يؤيَّد ترامب من نتنياهو، وقادة الكيان الصهيوني، الذين أصبح وجودهم شذوذاً في العالم، وذلك بعد حرب الإبادة التي شنّوها، وما زالت مستمرة، على الناس كافة في غزة.

مثّلت فعلة ترامب عنواناً في انتهاك القانون الدولي، وفي التمهيد لفوضى عالمية، تعيد الإنسانية إلى التمثّل بعالم الغاب الذي تحكمه القوّة والخديعة وغريزة أكلة اللحوم. وقد أضاف بعض البشر إلى هذه الغريزة غريزةَ السيطرة على الآخرين، ونهبهم واستعبادهم، فراحوا ينتهكون النظام الدولي، والقانون الدولي، لحساب غرائز أشدّ وحشية ممّا عرفته الغابات من غرائز حيوانية، علماً أن غرائز الغابة تنطلق من الحيوان المُسيّر لا المُخيّر، حيث ارتبطت بسنّة الحياة، وبالطعام من أجل البقاء، وهو تسويغ لمن أراد أن يجد للحيوان عذراً.

دونالد ترامب، حين يشنّ عملية عسكرية غادرة، لاعتقال رئيس فنزويلا وزوجته، ويختطفهما لمحاكمة في نيويورك، هو يتحدّى، بفعلته، كلَّ رؤساء الدول، قوّيهم وضعيفهم. ويتحدّى، بصورة خاصة، رئيسَي الصين وروسيا، إذ يقول لهما: أنا أتصرّف كما أريد، وليس لكما أكثر من الاعتراض، والمطالبة بإطلاق صديقكما، الذي سيُقدَّم مع زوجته إلى محكمة في نيويورك.

بكلمة؛ إنّ ترامب لم ينتهك القانون الدولي فحسب، ولم يعتدِ على دولة ذات سيادة فحسب، ولم يعرّض الوضع الدولي كلّه للفوضى، بضربه عرضَ الحائط بالقانون الدولي فحسب، وبتحدّيه لكل الدول فحسب، وإنما يقول، أيضاً، فلتفعل القوّة ما تشاء.
ولكنه لم يفكّر جيّداً في عواقب كل هذا على مستقبل العالم، دولاً وشعوباً وأفراداً. ومن ثم لن يجد عاقلاً متحمّساً له، وموافقاً معه مئة في المئة، غير نتنياهو الذي تخلّى عن العقل والعقلانية، منذ السابع من أكتوبر 2023.

فضّل الذين يدافعون عن ترامب ونتنياهو الانتقالَ إلى الهجوم على الآخرين، ما دامت حجّة ما يفعله ترامب ونتنياهو، من قبل، لم تسعفهم. فهنا يبحثون عن المشكلة في مادورو وزوجته وذلك بتبنّي تهمة الإتجار بالمخدّرات، دون إثبات، وهذا النهج يتجاهل التوقّف أمام ما يفعله ترامب، ويحاكمه، بصفته رئيس دولة، على مدى التزامه بالقانون الدولي، وبميثاق هيئة الأمم المتحدة. وبهذا يجعل المشكلة في الضحية لا الجاني.

لم يفكّر جيّداً في عواقب كل هذا على مستقبل العالم، دولاً وشعوباً وأفراداً. ومن ثم لن يجد عاقلاً متحمّساً له، وموافقاً معه مئة في المئة، غير نتنياهو

من هنا، إنّ الحكم الفاصل، بالنسبة إلى فعلة ترامب في فنزويلا صباح الثالث من كانون الثاني، يجب أن يبدأ وينتهي بما يقتضيه كل من القانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة. إنّ مسألة الموقف من القانون الدولي، سواء أكان بإهماله لحساب الانتهاكات الأميركية والصهيونية له، هو لأن الهيمنة العالمية، من جانب دولة إمبريالية كبرى كالولايات المتحدة، لا تستطيع التقيّد بالقانون الدولي الذي يمنعها من احتلال دول أخرى، أو ممارسة ما يخالف أحكام القانون الدولي في الحرب، من حيث مراعاة المدنيين وحقوقهم وحياتهم. وأمّا الكيان الصهيوني، فموقفه من حيث نشأته ووجوده وقيام كيانه، وكل ما اختطّ من سياسات وممارسات وحروب، يتناقض مع القانون الدولي بنداً بنداً، ومن ثم لا يمكن، بالنسبة إليه، إلّا استبعاده وعدم الاقتراب منه.

إنّ هذا التناقض العدائي بين القانون الدولي وكلّ من الهيمنة العالمية ووجود الكيان الصهيوني من حيث أتى، يقتضي من الفلسطينيين والعرب والمسلمين، كما كل المستضعفين والشعوب المظلومة وأحرار العالم، التمسّك بالقانون الدولي، وذلك ليس من حيث ضرورته لإقامة نظام دولي أكثر عدالة، ومصلحة لكل شعوب العالم، وغالبية دوله فحسب، وإنما أيضاً من حيث تحوّله إلى سلاح رئيسي في مواجهة الصراع مع العدو الصهيوني، والهيمنة الأميركية الصهيونية.

وقد تبدّى هذا على أفضل صورته في مواجهة حرب الإبادة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني في غزة، على مدى سنتين. وقد أسهم القانون الدولي في تكثيف التأييد العالمي الشعبي والرسمي، للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وفي تدمير سمعة الكيان الصهيوني، والكشف عن صورته وطبيعته الحقيقيتين.

هذا وأسهم القانون الدولي في إزالة الغشاء عن الحضارة الغربية، وعن حقيقة دولها، التي راحت تدعم حرب الإبادة بالسلاح والمتفجّرات، وتغطي ما يُرتكب من جرائم، بعدم اعتبارها جرائم حرب وجرائم إبادة.
من هنا يجب أن نطلّ، أيضاً، على الموقف الصهيوني، الذي مثّله نتنياهو وقادة الكيان، في الحماسة لفعلة ترامب في فنزويلا، وما مثّلته من انتهاك للقانون الدولي.

صحيحٌ أنّ ما مثّلته فعلة ترامب في فنزويلا لا يقارن بما فعله وغطاه ترامب في غزة والضفة الغربية ولبنان، فضلاً عن الحرب ضد إيران واليمن، وحالات أخرى وأخرى، ولكن، مع ذلك، لا يجوز ألّا يُصار إلى التوقّف أمام العدوان على فنزويلا، وما حدث من اختطاف للرئيس مادورو وزوجته. هنا يخطئ من يتردّد في شجب هذا العدوان، أو ينتقده بضعف. فليس من الصحيح، أن يمرّ ما حدث على العالم مرور الكرام، وإنما أن يُدان بأشدّ إدانة ممكنة، مع التأكيد على الخطر الداهم على النظام العالمي، إذا لم يعد الاعتبار للقانون الدولي واحترامه.
هذا ولا يجب أن يُسكت عمّا يحاوله ترامب من إحكام السيطرة على فنزويلا عسكرياً وسياسياً ونفطياً وأمنياً. هذا وما ينبغي لترامب أن يُسمَح له بالانتقال من فنزويلا إلى السيطرة على أميركا اللاتينية التي مثّلت، ولا تزال تمثّل، ثقلاً مهمّاً في بلدان العالم الثالث، وفي تيّار التحرّر من الهيمنة الأميركية.

* كاتب وسياسي فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة