أسامة خليفة
كاتب فلسطيني
تشكّل «التنظيمات الشعبية والنقابية الفلسطينية» جزءاً مهماً من مكونات المجتمع المدني والحركة الشعبية الفلسطينية، و جزءاً أساسياً من هيكلية منظمة التحرير الفلسطينية، تشرف دائرة التنظيم الشعبي في منظمة التحرير على عمل هذه المنظمات والنقابات والتنسيق بينها وبين القاعدة والقيادة، تلتزم كل المنظمات الشعبية بالميثاق الوطني، وبالخط السياسي العام للثورة الفلسطينية، وتأتي أهميتها باعتبارها أطراً لتعبئة وتنظيم قطاعات الشعب الفلسطيني، لتعزيز المشاركة في النضال الوطني، والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية.
الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين، من الاتحادات الشعبية الفلسطينية العريقة بتاريخها النضالي ودورها الثقافي المتميز في خدمة القضية الفلسطينية، يقدر كثيرون أن دوره قد تراجع منذ العام 1983 لا سيما في الشتات. من هنا عقد الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين – فرع سورية، يوم الأحد 4 كانون الثاني/يناير 2026، مؤتمره العام في مقر المجلس الوطني الفلسطيني في دمشق، بتسميته: «مؤتمر الشهيد الكاتب سليم النفار وكل الشهداء الكتّاب»، وعلى جدول أعماله وفق الدعوة للحضور، انتخاب أمانة الفرع، مناقشة بعض القضايا المتعلقة بهموم الفرع وسبل النهوض به. تناول المؤتمر واقع العمل الثقافي الفلسطيني في سورية، ودور الاتحاد في المرحلة الراهنة، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا التنظيمية المرتبطة بعمل الفرع وهيكليته الداخلية.
شارك في المؤتمر 43 عضواً عاملاً من أصل 83 عضواً مسجلين في الفرع، اعتذر 15 عضواً عن الحضور لأسباب مختلفة، وتغيب 25 عضواً دون تقديم اعتذار. ويرى البعض أن لهذا الغياب – النصف تقريباً- دلالات على شرخ وانقسام وطني، بلغ عدد الأعضاء المرشحين حوالي 21 عضواً يحق لهم الحضور ولا يحق لهم الترشيح والتصويت، لم تهتم وسائل الإعلام بحضورهم أو غيابهم، صُنف العضو العامل من صدر له كتابان على الأقل، بينما صُنف المرشحون بمن صدر له كتاب واحد فقط. مشكلة حضور مؤتمرات الاتحاد وطريقة تكوينه، وعضويته، هي مشكلة قديمة جديدة منذ نشأة الاتحاد وحتى الآن. اعترض البعض وأصر في المؤتمر أن النظام الداخلي للاتحاد يحدد نيل عضوية الاتحاد بإصدار كتاب واحد.
يبدو أن التركيز على العدد لا النوعية خطأ واضح، هناك كتّاب اشتهروا بعمل أدبي واحد حقّق نجاحاً عالمياً كبيراً، ومنها ما حصد الجوائز، تُعرف هذه الظاهرة بـ « أديب العمل الواحد » أو « كاتب الرواية الواحدة » وهي شائعة، وتثير الجدل حول قيمة العمل الأدبي الواحد ومكانة الكاتب، وأبرز الأمثلة العالمية، مارغريت ميتشل بروايتها «ذهب مع الريح »، وأيضاً آرثر غولدين بروايته «مذكرات غايشا»، وفي تاريخ الأدب العربي، برزت ظاهرة «شعراء الواحدة»، لهؤلاء الشعراء قصيدة واحدة، يعرفون بها، سواء ضاعت باقي قصائدهم أم لم يكتبوا غيرها، مثل القصيدة اليتيمة التي قيل إنها سُمّيت باليتيمة لأن صاحبها دوقلة المنبِجي لم يكتب غيرها.
في الجانب التنظيمي، في ختام الأعمال، جرى انتخاب أمانة عامة جديدة لفرع الاتحاد في سورية مؤلفة من 15 عضواً، وانتخاب الروائي حسن حميد أمين سر الفرع بالإجماع، أعقبها توزيع للمهام التنظيمية وفق النظام الداخلي المعتمد. حول هذه القيادة، هل هي أمانة عامة أم لجنة تحضيرية؟. رد الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين مراد السوداني على المعترضين حول مسألة شروط العضوية قائلاً: اعتبروها لجنة تحضيرية لمدة عام، وليست أمانة عامة، بما يشابه اقتراح بلال الحسن بما جرى في المؤتمر الأول: تحويل الأمانة العامة للاتحاد إلى لجنة تحضيرية لمؤتمر عام جديد، وتُعيد الأمانة المنتخَبة النظر في عضوية الاتحاد، وأن تجري الدعوة لعقد مؤتمر ديموقراطي في وقت قريب ومناسب، تتحقّق فيه الشروط النقابية للعضوية. وإلا فإن ما جرى في المؤتمر الأول، وما تمخّض عنه من أمانة عامة، لا يُعبّر عن الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين. «القصة الكاملة لاتحاد الكتّاب الفلسطينيين، إعداد عبد القادر ياسين».
وضمن إعادة ترتيب الهيكلية التنظيمية للاتحاد، أقرّ المؤتمر فصل العمل النقابي للكتّاب عن العمل الصحفي على أن يجري لاحقاً تنسيق شؤون الصحفيين مع الأطر النقابية المختصة، بما يضمن تنظيم العمل الإعلامي بشكل مستقل. وأكد السوداني أن فصل الكتّاب عن الصحفيين يأتي في إطار توحيد الجبهة الثقافية في الوطن والشتات، واستعادة دور الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في مواجهة رواية الاحتلال.
أثار قرار «فصل الكتّاب عن الصحفيين» جدلاً في المؤتمر وقبل انعقاده، محذرين من أن يؤدي إلى مزيد من الانقسام بدلاً من توسيع مساحة الحوار، برّرت القيادة ذلك بأنه يندرج في إطار «تنظيم العمل الثقافي»، وأنها خطوة واجبة لتوحيد الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بين الوطن والشتات، وأوضح السوداني أنه سيتم ربط الصحفيين مع نقابة الصحفيين في الوطن لتوحيد جبهة الإعلام في التصدي لرواية الاحتلال وفضح زيفها. لكن آخرون يرون في الفصل أكثر من مجرد إجراء إداري ضروري يواكب طبيعة العصر، وأنه أمر يفرضه واقع التخصص والتطور الإعلامي وانتشار الفضائيات، حيث برزت مجالات عمل كثيرة في مجالي الصحافة والإعلام، « الصحفي كاتب المقال، والصحفي المراسل، والمصور الصحفي، والمدقق اللغوي، ومحرر الأخبار، والمحلّلين السياسيين، والمحلّلين العسكريين، ومعدّ البيانات، والمنضّدين على الحاسوب، والمذيع … »، تزايدت أعدادهم بشكل واسع بازدياد أعداد الخريجين من كليات الإعلام، وقد يضاف إلى هؤلاء صانعي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يتطلب مهارات في الكتابة، هذا الأمر يؤكد صحة قرار الفصل بين الكتّاب والصحفيين، وقد يستدعي أيضاً فصل الإعلامي عن الصحافي، وهذا ليس تشتيتاً، بل تعزيزاً للعمل النقابي في تخصصه المهني.
قد يعود هذا الجدل أيضاً لعمق الروابط بين الكتابة والصحافة، إذ ينقسم الكتّاب إلى أدباء مبدعين « شاعر، كاتب قصة متوسطة أو قصيرة أو روائي، كاتب مسرحي، كاتب السيرة الذاتية، كاتب سيناريو، ناقد..»، وإلى الكتّاب المتخصص والباحثين في العلوم المختلفة أو في المجال السياسي، نجد أن الكاتب المختص يكتب مقالات وينتج كتباً، ويغوص بالبحث العلمي والدراسات الأكاديمية، يلتقي بالصحفي المتخصص بكتابة المقالات العلمية المتخصصة، وعدد من هؤلاء الصحفيين عمل على تجميع مقالاته وأصدرها في كتاب أو كتب، كاتب المقال «كاتب بالإمكان» وفق تعريف الاتحاد، قد يجمع مقالاته ويصدرها في كتاب أو أكثر، يتناول فترة زمنية أو قضية محددة، ويوضح تطور المواقف أو الأفكار، فهو يجمع بين مهمتي البحث عن الحقيقة، وتوثيق الأحداث، وتقديم خلاصة تجربة الصحفي للقراء.
في مؤتمر مقبل للصحفيين، سنجد تواجداً جماهيرياً واسعاً تذكرنا بما قاله الكاتب ومدير مكتب منظمة التحرير السابق في لبنان شفيق الحوت في مؤتمر بيروت 6-9 / 9/1972، لاتحاد الكتّاب، الذي ضمّ –في ذلك الوقت-نحو ثلاثمئة عضواً: « هذا مؤتمر الكتّاب والقراء» ، ولكن فيصل حوراني أضاف: وذويهم. « من الكتاب السابق».
الكتّاب أكثر من يهتم بمتطلبات العصر والاستجابة للحداثة، ومن أبرزها اعتماد النسخ الإلكترونية، بكل ما يتمتع به الكتاب الالكتروني من ميزات إضافية، كتوفير نفقات طباعة الكتاب الورقي، والتي ذكرها المؤتمر، معتبراً إياها سبباً في عدم ضم كتّاب محتملين لم يستطيعوا تحمل تكاليف النشر الورقي، مع ذلك أصرت القيادة على قرارها أن كل عضو يحتفظ بحقه في الانتقال من عضو مرشح إلى عضو عامل في حال قام بطباعة ما لديه من نسخ إلكترونية.
من جهة أخرى لم يقدم المؤتمر تقريراً سياسياً خاصاً به، والمشاحنات والخلافات في المؤتمر لم تكن حول شعار سياسي، ولا حول نقاش فكري أو ثقافي. وأعتقد أن هناك من يشاركني الرأي أن كلمة السوداني في المؤتمر بمثابة تقرير، شدد فيه على أهمية التمسك بثوابت الاتحاد الثلاثة: «فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر، مقاومة التطبيع مع الاحتلال بكل أشكاله، منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني»، مؤكداً على أن دون ذلك كل شيء قابل للنقاش والحوار والآراء. وأشار إلى دور المثقف الذي يصلّب ويصوّب القائد السياسي في مواقفه. وتطرق إلى أهمية وحدة الكتّاب في الوطن والشتات لأن المسؤولية الملقاة على عاتقهم في هذه المرحلة كبيرة جداً وحجم التحديات أكبر، وتحدث عن أوضاع الكتّاب الفلسطينيين في قطاع غزة، وما تتعرض له البنية الثقافية من استهداف، إضافة إلى دور الإنتاج الأدبي في التوثيق الثقافي، والحفاظ على الذاكرة الجمعية، ومتابعة قضايا الكتّاب في أماكن اللجوء المختلفة، ودعم العمل الثقافي والأدبي.
وتحدث عن أهمية تطوير وتفعيل دوائر العمل والمؤسسات في المنظمة، في ظل المخاطر والتحديات المحيطة، وهذا يتطلب تفعيل كل الآليات والدفع إلى نجاح عمل دائرة لها ثقل مركزي في العمل الجماهيري والنقابي، وتنظيم القطاعات الشعبية نقابياً ومهنياً، ومتابعة تنفيذ خطط الاتحادات والتنظيمات والهيئات الشعبية. وأضاف «سنبني على النجاحات السابقة التي تكللت وسندفع للاستمرار في هذا الاتجاه لتبقى منظمة التحرير الفلسطينية حامية للمشروع الوطني وممثلة لكافة أبناء شعبنا الفلسطيني».