دراسة تحليلية
كانون الثاني 2026
رامز مصطفى
الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة
مقدمة
صدر عن البيت الأبيض وثيقة تحت عنوان (استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025) بتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتكون من 33 صفحة وهي تمثل الإطار العام لرؤية الإدارة الأمريكية في كيفية ما سمته حماية مصالح الأمن القومي وتحديد أولويات السياسة الخارجية خلال الفترة القادمة بترتيبات جديدة تستهدف أمريكا اللاتينية وأوروبا والشرق الأوسط والإقتصاد والتكنولوجيا وسط الكثير من التحديات.
الشرق الأوسط
الشرق الأوسط بما حمله من تطورات وأحداث، خصوصاً مع طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين أول 2023، وما تلاه من اتساع دائرة الصراع في المنطقة كانت الولايات المتحدة الأمريكية بإدارتيها الديمقراطية والجمهورية متورطة ومنخرطة في هذا الصراع. وما استتبع ذلك من تداعيات كانت من أبرزها السقوط المروّع للسردية الصهيونية المزيفة التي روجت لها الحركة الصهيونية منذ عقود طويلة. ففي ساحات وميادين دول العالم بما فيها تلك الدول التي وقفت إلى جانب الكيان الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، انتصرت السردية الفلسطينية، وسقطت سردية بني صهيون، ومعها سقط القناع عن الوجه القبيح للإدارة الأمريكية الراعي الحصري لحرب الإبادة. حيث وصلت نار الخلافات إلى داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وداخل أروقة الكونغرس بين مؤيد لاستمرار الدعم وبين وقفه لأنه يستنزف من مكانة أمريكا وسمعتها ومقدراتها.
ما شهدته دول العالم من حراك مساند للشعب الفلسطيني، واتساع رقعة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. وبعد توسع حالة العزلة التي يعيشها الكيان الصهيوني وقادته الفاشيين، وذاك الانقسام والاستقطاب الحاد في بنية مجتمع المستوطنين الصهاينة. دأبت إدارة الرئيس “ترامب” إلى الإسراع في طرح خطتها لوقف الحرب في قطاع غزة، ليست مكرمة ولا صحوة ضمير، بل للحد من عزلة الكيان أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي. وليس بعيداً عن حرب الإبادة ذاك الصراع على جبهات الإسناد في لبنان واليمن والعراق، وتلك الحرب التي شنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، والتي استمرت 12 يوماً. ناهينا عن جملة التطورات على غير صعيد ومستوى ببعديها الدولي والإقليمي، وجدت إدارة الرئيس “ترامب” ليس من مفر أن تحشد ثقلها الاقتصادي والعسكري والسياسي نحو المناطق الأكثر حماوة وسخونة، وتحديداً الصين التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية الخصم والمنافس الأول لها الذي تجب مواجهتها بكل حزم. لذلك أي إدارة “ترامب” وجدت نفسها معنية بضرورة الإسراع في التخفيف من أحمالها الزائدة في أكثر من منطقة في العالم، والشرق الأوسط من بين تلك المناطق. وهذا ما تحدثت عنه وثيقة “ترامب” للأمن القومي، وذلك اعتماداً على ما استطاعت أمريكا من ترتيبه في المنطقة يُمكّنها من التراجع في أولويات الشرق الأوسط بالنسبة لها. وعزت أسبابه أولاً، أنّ الشرق الأوسط لم يعد المورد الرئيسي للطاقة نفطاً وغازاً. وبالتالي تعمل الولايات المتحدة على انتاج وتصدير الوقود الأحفوري والغاز الطبيعي المسال. وبهذا المعنى فالولايات المتحدة تسعى لتحرير نفسها من السياسات النفطية لمنظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، من خلال تثبيت سعر النفط كحدٍ أقصى 60 دولار للبرميل الواحد. مع ما سيترتب عليه من تسعير للحرب في مواجهة الدول الأكثر منافسة للولايات المتحدة وهي روسيا وإيران. أما ثانياً، فمنطقة الشرق الأوسط لم تعد ساحة مغرية للتنافس، بعد أن انكفأ وتراجع الدور الروسي الطامح، ومرد ذلك لسببين. الحرب في أوكرانيا بما ترتب عليها من استنزاف في القدرات الاقتصادية، وبالتالي سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام 2024. وثالثاً، أدركت إدارة الرئيس “ترامب” ونتيجة الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني في حرب الإبادة على قطاع غزة والمتواصلة منذ ما يزيد عن العامين. وتورطها في حروب في اليمن وإيران، قد أوقع اقتصادها في استنزاف شديد. وهي التي كانت سبباً من تلك الأسباب التي ذهبت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي إلى التراجع في المنطقة كأولوية استمرت لعقود طويلة كتقليد ثابت في سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، في مراحل طُبِع فيها الصراع الدولي بين قطبي العالم الاتحاد السوفيتي ومن خلفه حلف “وارسو”، والولايات المتحدة ومن خلفها حلف “الناتو” ب “الحرب الباردة”، حتى انهيار وتبخر الاتحاد السوفيتي في ديسمبر/ كانون الأول من العام 1991. وأيضاً فيما ادعته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ب “الحرب على الإرهاب” العام 2001 بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر/ أيلول 2001.
وجاء تناول الشرق الأوسط في استراتيجية “ترامب” للأمن القومي في عناوين، (تأمين المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة- الشراكات الإقليمية- القضية الفلسطينية- الكيان الصهيوني- إيران- سورية- داعش والقاعدة): — لطالما شكّل تأمين وحماية المصالح الأمريكية الهاجس الأكبر لدى الإدارات الأمريكية على مدار العقود السابقة. وعلى الثابت الغير متغير كانت وظيفة الكيان الصهيوني كأهم المرتكزات الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة في تأمين مصالحها. ومن ثم تقدمها وحضورها المباشر في عدد من دول المنطقة عبر قواعده عسكرية، وتحديداً في منطقة الخليج العربي. مع الإعلان عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، من الواضح تماماً أن إدارة “ترامب” ورغم تراجع أولوياتها في الشرق الأوسط. غير أنّ مصالحها والتأكيد عليها لا زالت أولوية بعناوين موارد الطاقة والإبقاء على البحر الأحمر ومضيق هرمز مفتوحاً ومتاحاً أمام الملاحة الدولية. وجعل المنطقة أمنة من وجود أية بيئة حاضنة للإرهاب، تهدد أمنها القومي ومصالحها في المنطقة، وفي مقدمة تلك المصالح الكيان الصهيوني.
– المحافظة على الشراكة الإقليمية ببعديها الأمنية والاقتصادية، بما فيها الانخراط التكنولوجي والذكاء الصناعي مع عدد من دول الإقليم، ويقع في مقدمتها الكيان الصهيوني، والمملكة العربية السعودية، ودولة الامارات المتحدة… الخ.
– القضية الفلسطينية، لم تأتي الاستراتيجية على ذكر شيء من شأنه إعطاء دفعة جديدة لحل القضية، ولو وفق ما سمي ب “حل الدولتين” المرفوض. وحتى إعادة ما التزم به “ترامب” أمام عدد من رؤساء الدولة العربية والإسلامية، بعدم السماح لحكومة “نتنياهو” بضم الضفة الغربية. وبتقديري مرد ذلك هو إعادة التأكيد على أنّ الرئيس “ترامب” لا يزال ملتزماً ومتمسكاً ب “صفقة القرن” التي أعلن عنها في أواخر يناير/ كانون الثاني 2020 خلال ولايته الأولى. وما ذكرته الاستراتيجية، هو أنّ وقف إطلاق النار في قطاع غزة وما سمي ب “تحرير الرهائن” قد فتح الآفاق أمام تهدئة بعيدة الأمد. والتأكيد على أنّ القضية الفلسطينية “قضية بالغة التعقيد”.
– من دون أدنى مواربة وبشكل مباشر، جاءت وثيقة “ترامب” لتأكيد المؤكد على أنّ الكيان الصهيوني هو الثابت استراتيجياً من خلال الالتزام المطلق بأمنه وتفوقه، بل ويقع في سلم أولويات مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. كيف لا وما قد منحته الإدارات الأمريكية منذ نشأة الكيان كأول دولة تعترف به في العام 1948، يجب ألاّ يدعو للشك في أنّ الكيان هو الولاية الأمريكية “51” بسبب الدعم اللامحدود للكيان. وعملية طوفان الأقصى في اكتوبر/ تشرين الأول 2023، وحرب الإبادة لخير دليل على هذا التبني والدعم المطلق بالمعنى السياسي والعسكري والاقتصادي والأمني والدبلوماسي والقانوني. وقد سعى الرئيس “ترامب” منذ ولايته الأولى على فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني بما سمي ب “اتفاقيات ابراهام” مع العديد من الدول العربية “الامارات، البحرين، السودان، المغرب”. ناهينا عن الدول التي تجمعها اتفاقات “سلام”. واستراتيجية “ترامب” ملتزمة بتعزيز اتفاقيات ابراهام، من خلال مغريات للدول التي تطبّع مع الكيان بما فيها تزويدها بالأسلحة المتطورة. وفي هذا السياق يأتي الكلام قوياً عن موافقة أمريكية لصفقة الطائرات أل “F35” للسعودية لدفعها نحو التطبيع الذي عطلته عملية “طوفان الأقصى”.
– أما عن إيران، والتي وصفتها الوثيقة بأنها الدولة الساعية إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، من قبل ما انتهت إليه الحرب في لبنان واغتيال السيد نصر الله، وسقوط نظام بشار الأسد، وتوجيه ضربة عسكرية موجعة ومؤثرة عليها في يونيو/ حزيران من العام الجاري. وتدمير ما وصفته الوثيقة ل “برنامج إيران النووي” بفضل عملية “مطرقة منتصف الليل” التي أمر بها الرئيس “ترامب” على البنية التحتية للمشروع النووي في منشأتي فوردو ونطنز. فإيران قبل ذلك شيء وما بعده شيء أخر. رغم تأكيد الوثيقة أنّ النزاع وأشكال الصراع بين إيران ودول الإقليم لا سيما الخليجية سيبقى قائماً، ولكن من دون أن يتطور إلى نزاع أو صراع عسكري. ووفق الوثيقة فإنّ ضغوط العقوبات ستتواصل على إيران، بما فيها العقوبات والضغوط الاقتصادية والمالية المتصلة بالبنوك حد “الخنق”. وهذا لا يعني مجدداً الذهاب إلى الخيار العسكري لإسقاط النظام، مع التعهد على تشجيع الحراك والاحتجاج الشعبي المناوئ للنظام، وذلك بهدف التسريع في خطوات انهياره وإسقاطه.
– وثيقة “ترامب” وبما يخص سورية، فهي ترى أوضاعها غير مستقرة، وهي بعد سقوط نظام بشار الأسد دورها وموقعها من ضمن لعبة النفوذ قد تراجع. والإدارة الأمريكية جرياً على عادتها بما يتعلق بالمساهمات المادية فهي خارج الموضوع، حتى المساعدات المادية السخية للكيان تدفعها من جيوب المواطنين الأمريكيين، والأرصدة الضخمة للدول والمكدسة في خزائنها وتحديداً الخليجية. وبهذا المعنى الإدارة الأمريكية فبحسب الوثيقة لن تساهم أمريكا في إعمار ما دمرته الحرب في سورية. الذي يحتاج استقرار الأوضاع فيها إلى دعم أمريكي وعربي وإقليمي، من دون التدخل في شكل الحكم فيها. مع التأكيد أنّ معايير العلاقة وبحسب الوثيقة قد ركزت على التعاون الأمني والمصالح الاقتصادية الاستراتيجية.
– الوثيقة أكدت أنّ قيادتها للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب “داعش والقاعدة”، ومن ثم التعاون مع “قسد” في سورية، وقوى محلية أخرى، قد أثمرت في سقوط ما أسمته الوثيقة ب “الخلافة” على مستوى الإقليم. وستستمر الضربات والمواجهة مع “داعش والقاعدة” في مواجهة مفتوحة لا تراجع فيها، اعتماداً على العمليات العسكرية للطيران الحربي والمُسيّرات وقوات إنزال خاصة.
آسيا وأفريقيا
شكّل عنواني آسيا وافريقيا في وثيقة استراتيجية الأمن القومي وفق رؤية الرئيس “ترامب” موضع اهتمام واضح من حيث التركيز على كيفية التعاطي معهما، وتحديداً الصين التي تتمدد اقتصادياً وتجارياً وتكنولوجياً. وبالتالي كيف تنظر إدارة الرئيس “ترامب” إليهما، الأول آسيا بعنواني الصين والهند. والثاني، بعنوان شرق افريقيا.
استراتيجية “ترامب” للأمن القومي، اعتبرت الصين محوراً أساسياً في وثيقتها وهي التي أتت على ذكرتها (23) مرة. ترى فيها نداً ومنافساً اقتصادياً قوياً، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية أمام تحديات متعاظمة، بعد أن ارتكبت الإدارات السابقة وبسبب القصور في النظرة الاستراتيجية حيث أدت، أولاً، إلى إفساح المجال أمام الصين لكي تصبح جزءاً في منظومة التجارة العالمية. وثانياً، فإنّ الأمر الأول قد منْح الصين نموِّاً اقتصادياً وتكنولوجياً غير مسبوق ضاعف من ثروتها ونفوذها. وأتاح لها أن تنفذ إلى الأسواق العالمية بما فيها الأسواق الأمريكية نفسها. وعليه وجدت الوثيقة أن لا مفر من العمل على تطويق الصين عبر تحالفات وشراكات أسيوية، وتحديداً مع “كوريا الجنوبية واليابان”، اللتان دعتهما الوثيقة إلى مزيدٍ من رفع موازناتهما العسكرية وقدراتهما التسليحية، والعمل على حماية “تايوان”، في مواجهة الهيمنة من خلال ما تسعى إليه الصين من بسط نفوذها وسيطرتها على “تايوان”. التي ترى فيها الوثيقة منطقة ارتكاز استراتيجية، لما تمتلكه من إمكانيات وقدرات في الصناعات التكنولوجية التي تتصل بالرقائق، هذا أولاً. أما ثانياً، فإنّ ما يقرُب من ثلثي الشحن البحري يمر عبر بحر الصين، والسيطرة على “تايوان” سينعكس سلباً على الاقتصاد الأمريكي. والمحصلة التي تهدف إليها الوثيقة هي إيجاد توازنات اقتصادية وتجارية مع الصين، مع التأكيد في الإبقاء على تفوقها العسكري والتكنولوجي.
أما الهند وهي العنوان الثاني في آسيا، من حيث الموقع والإمكانيات والقدرات الاقتصادية الكبيرة، والأولى في عدد سكانها (1,44 مليار) في مقابل الصين (1,42مليار). لذلك نظرت إليها الوثيقة الاستراتيجية من خلفية أنّها قوة صاعدة في آسيا وفي مقدورها ومن خلال الشراكة الأمريكية معها، قد يُمكّنها ويُمكّن الأخيرة، أي الولايات المتحدة الأمريكية من الوقوف أمام التحديات التي تفرضها الصين. ولكن في ذات الوقت الذي تسعى إليه إدارة “ترامب” لتطوير علاقاتها مع الهند من موقع الشريك في إعادة لما أسمته الوثيقة “التوازن”. ذاته الرئيس “ترامب” في بداية ولايته الحالية فرض رسوم وقيود جمركية وتجارية على الهند. مما من شأنه ألاّ تتمكن إدارة الرئيس “ترامب” من تحقيق دفع الهند إلى الانخراط عميقاً في تحالفات لمواجهة الصين، على الرغم أنّ عدداً من الملفات الخلافية بينها وبين الصين. وللتذكير أنّ الهند والصين مؤسسة لمجموعة “البريكس” منذ العام 2009، ومعهما البرازيل وروسيا.
وفيما يتعلق بإفريقيا وتحديداً ما يقع في شرقها، فنظرة إدارة الرئيس “ترامب” لها من خلال الوثيقة، هو التأكيد على الشراكة الاقتصادية والتبادل التجاري معها، واستثمار القدرات الكامنة في هذه المنطقة لما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة. نظرة الوثيقة غلّفتها وعلى عادتها، بمساعيها السلمية والإنسانية الداعية إلى فض النزاعات بين دولها وشعوبها، واحلال الاستقرار السياسي مكان تلك النزاعات، وهي بعيدة كل البعد عن هذا المنطق، لأنّ ما يدفعها للتحرك هي تأمين مصالحها ولو على حساب حلفائها التقليدين. وهذا ما سنأتي على تناوله فيما ذكرته وثيقة “ترامب” لاستراتيجية الأمن القومي حول النظرة لأوروبا وحلف “الناتو”.
أوروبا
استراتيجية “ترامب” للأمن القومي بما ورد في الوثيقة قد شكلت في نظرتها لكل من روسيا وأوروبا صدمة غير متوقعة لكلا الطرفين الروسي والأوروبي، وهي صدمة في سياق متناقض تماماً. في الأولى، صدمة إيجابية بالنسبة لروسيا. وفي الثانية، صدمة جاءت كزلزال فيما يخص أوروبا كدول، واتحاد وصولاً ل “حلف الناتو”. كلا العنوانين الروسي والأوروبي تجمعهما الجغرافية الأوكرانية صراعاً عسكرياً دامياً. كيف لا وتلك الجغرافية بما تعنيه من موقع جيو سياسي واستراتيجي شكلت حالة استثنائية بالنسبة إليهما. من هنا هي حرب حياةٍ أو موت ولا يريد أي من الطرفين التراجع أو التنازل قيد أنملة حتى الآن.
بما يتعلق بروسيا فقد أظهرت الوثيقة لدى إدارة الرئيس “ترامب” في نظرتها إلى روسيا ذكرت (10) مرات في الوثيقة، أنها لا تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي. وهي من وجهة نظر إدارة الرئيس “ترامب” لا تعتبر روسيا منافساً لها، بل هناك إمكانية للتعامل معها. ووثيقة “ترامب” جاءت على النقيض تماماً مع استراتيجية الرئيس “جو بايدن” عام 2017، والتي اعتبرت روسيا تهديد مباشر ليس لأمريكا وحسب، بل للنظام الدولي برمته. وتنطلق كلا الوثيقتين
المتناقضتين “ترامب وبايدن”، بالاستناد على وقائع الحرب الأوكرانية، والدور الأوروبي الفاعل والمنخرط فيها خوفاً من التمدد الروسي الذي على ما يبدو لا حدود لأطماعه بحسب أوروبا إذا ما سقطت أوكرانيا بيده. حيث حمّلت الوثيقة المسؤولية للدول الأوروبية في عدم قبولها ب “خطة ترامب” لإنهاء الحرب التي ترى واشنطن في توقفها مصلحةً لها. وبهذا المعنى هي أحالت المسؤولية وأعباء استمرار الحرب على عاتق أوروبا، والتنصل الواضح للإدارة الأمريكية من تلك المسؤولية، حيث ألبست نفسها ثوب الحمل الوديع، ثوب الوسيط النزيه بين روسيا وأوروبا، هذا أولاً. وثانياً، الوثيقة وإن في ظاهرها قد ساوت في نظرتها بين الروس والأوروبيين على قدم المساواة، غير أن حقيقة الأمر أنّها أحدثت مفاضلة بين الطرفين لصالح روسيا، من حيث مراعاة مصالحها على حساب مصالح أوروبا.
والارتياح الروسي لما جاء في الاستراتيجية جاء على لسان عددٍ من مسؤوليها وخبرائها، كان في مقدمتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي “دميتري ميدفيديف”، الذي كتب على موقع “ماكس” قائلاً: “لأول مرة منذ سنوات عديدة، تشير الوثيقة الأمريكية إلى روسيا ليس كتهديد، بل كمشارك في الحوار حول الاستقرار”. كما أشار “ميدفيديف” إلى أنّ “الاستراتيجية المحدثة تتضمن بنداً يتعلق بوقف توسع حلف شمال الأطلسي -الناتو-. وأنّ أوكرانيا غير مشار إليها في هذا السياق”. أما المتحدث باسم الرئاسة الروسية “دميتري بيسكوف” وصف الوثيقة الجديدة بأنها “خطوة إيجابية، مشيراً إلى اختفاء الصياغات التي كانت تصف روسيا بأنها تهديد مباشر، وإلى وجود دعوات للتعاون. ويمكن أن يشكل هذا ضماناً متواضعاً لإمكانية مواصلة العمل المشترك بشكل بناء في البحث عن تسوية سلمية للقضية الأوكرانية، على الأقل”. وأضاف “بيسكوف” بأنّ الاستراتيجية “تتسق إلى حد كبير مع رؤية موسكو التي أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين، وقد تضمن التسوية في أوكرانيا”. وبدوره الخبير في الشؤون الأميركية “يفغيني أوفاروف” قد قال إنّ “جوهر التحوّل بسيط: الولايات المتحدة لم تعد ترغب في لعب دور شرطي العالم الذي يتحمل العبء الأكبر من المخاطر، بل تريد أن تتحول إلى ترسانة منيعة”. ولكنه في ذات الوقت أكد بأنّ الوثيقة تمثل إعادة تموضع “براغماتية، لا تنازلاً، وتستند للمصالح الوطنية الأمريكية “. وتناول الباحث في مركز مشكلات الأمن التابع لأكاديمية العلوم الروسية “قسطنطين بلوخين”، في معرض الحديث عن الاستراتيجية في تصريحه لوكالة “سبوتنيك”، أنّ الوثيقة “مشبعة بروح الواقعية والبراغماتية. لقد كانت محاولة لإعادة إحياء روح السياسة الواقعية المفقودة. على عكس الإدارات السابقة، نرى محاولة لاستناد السياسة الخارجية الأمريكية على المصالح الوطنية”.
أما نظرة استراتيجية “ترامب” لأوروبا المصدومة من هول ما أتت على تبنيه الوثيقة من مواقف ورؤى في محصلتها أنّ الإدارة الأمريكية برئاسة “ترامب” ذاهبة في سياق القضاء على أوروبا دولاً واتحاداً والحد من توسع “الناتو”. من خلال تشجعيها للتيارات القومية الشعبوية اليمينية الرافضة للهجرة بشكل علني. فالوثيقة تعتبر أنّ الاتحاد الأوروبي يعاني خللاً في تركيبته البنيوية من خلال عدم مواجهته للهجرة الوافدة من خارج الحدود الأوروبية، مرد ذلك إلى أنّ مؤسسات الاتحاد الأوروبي جاءت على حساب سيادة دول الاتحاد. وهنا تنبه الوثيقة إلى أنّ الاستمرار في القفز على سيادة تلك الدول سيدفع بالأوضاع إلى تغيير في المشهد السياسي. وفي تقديري رغم دعوة الوثيقة إلى التنبيه، إلاّ أنّ ذلك على ما يبدو لا يضير إدارة الرئيس “ترامب”، طالما تسعى إلى نسج تحالفات مع قوى قومية يمينية وشعبوية دعتها مواربة إلى ما أسمته “المقاومة داخل أوروبا”. من هنا يجب التدقيق في العلاقة بين تيار “ماجا” والأحزاب القومية الأوروبية، حيث يعتبر التيار مرجعية لتلك الأحزاب، فهو يوفر لها إطاراً ايديولوجياً مشتركاً. ففي فبراير/ شباط 2025 شهد مؤتمر “ميونيخ للأمن” جلسات صاخبة عندما وجه نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس” للاتحاد الأوروبي انتقادات حادة. قائلاً: “أنّ الخطر الأكبر على أوروبا ليست روسيا أو الصين، بل هو تآكل الديمقراطية وحماية القيم الديمقراطية. بالإضافة إلى ما يتصل بسوء إدارة الهجرة”. الأمر الذي اعتبره القادة الأوروبيين تدخلاً في الشؤون الداخلية الأوروبية.
من الواضح أنّ إدارة الرئيس “ترامب” ومن خلال وثيقة الاستراتيجية تريد الآتي: –
- القادةالأوروبيين فشلوا في إدارة القارة الأوروبية. وهذا ما سينعكس خطراً وجودياً بالمعنى الاقتصادي والسياسي والأمني والثقافي والديمغرافي.
- أنالقوات الأمريكية لا يمكن أن تحميلها عبء الدفاع عن حلفائها وحدها. وهي بهذا المعنى تريد نقل الأعباء في الدفاع والمال إلى القادة الأوروبيين. حيث تُطالب أمريكا الأوروبيين بتحويل ما سقفه بين 3 و 5 بالمائة من الناتج المحلي حتى العام 2035، لصالح ضرورات ومتطلبات الدفاع.
- الولاياتالمتحدة تدعو القادة الأوروبيين بل وتطالبهم بتحمل مسؤولية أمن قارتهم ومستقبل حضارتها بشكل مباشر.
- رفضالجهود الأمريكية في وقف الحرب، والاستمرار في دعم أوكرانيا، تقويض لجهودها أمريكا وتستهدف مصالحها الحيوية، مما سينعكس على استقرار الاقتصاد الأوروبي.
أما على ضفة المقلب الأخر، فالقادة الأوروبيين لديهم شعور متنامي بأنّ إدارة الرئيس “ترامب” وبالاستناد لما جاء في الوثيقة، لم تعد شريكاً بالإمكان التكهن بما ستقدم عليه انطلاقاً من تأمين مصالحها التي عبرت عن تأمينها وحمايتها. وهي بذلك تذهب بعيداً عن سياقات استراتيجيات لطالما شكلت أوروبا ثابتاً لا متحولاً كما هي عليه وثيقة استراتيجية “ترامب”. فالمصالح وتقاطعاتها تقع في المقدمة للدول الكبرى. فكيف إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، وليس أية إدارة تحكم بيتها الأبيض، إنها إدارة الرئيس “دونالد ترامب” الذي لا يرى في العالم إلاّ عقارات واستثمارات يجب وضع اليد عليها بشتى الطرق والوسائل.
خلاصة وتحديات
إنّ ما تضمنته وثيقة استراتيجية الرئيس الأمريكي “ترامب”، في الخلاصات وما قد تواجهه من تحديات ليست محتملة بل مؤكدة. على اعتبار أنّ خُصومها تخفيفاً من وقع مصطلح أعدائها، يمتلكون قدرات اقتصادية وعسكرية وسياسية هائلة في تأثيرهم في المشهدين الدولي والإقليمي.
في الخلاصات حول الوثيقة: –
- الاستراتيجية،هيفقط تخص الفترة الزمنية لولاية الرئيس “ترامب” وإدارته، بمعنى أنها مرحلية. ولو كانت غير ذلك لما صاغت إدارة الرئيس “جو بايدن” استراتيجيتها في العام 2017.
- الوثيقة،حملترؤية “ترامب” في سعيه إلى هندسة العالم من خلال شراكات وتحالفات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية وتكنولوجية على مقاس المصالح الأمريكية.
- انطلقتالوثيقةمن مبدأ تقديم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية على ما سواها، من خلفية أنّ القرارات السياسية الخارجية تُبنى على هذا الأساس.
- ضمانالمصالحالأمريكية، مُقدّمة على أية علاقات أو التزامات اتجاه حلفائها. لذلك أكدت الوثيقة على ما أسمته إعادة تعريف لتلك العلاقات، وفق بقاء الشراكات قائمة بينها وبين حلفائها أو من عدمها.
- فرضهيمنتهافي الطاقة، بهدف حرمان خصومها من مصادر الدخل (إيران نموذجاً)، التي تنظر إليها الوثيقة كخطر بسبب قدرتها على إغلاق مضيق هرمز وتهديد مصالحها في الخليج. في حال اندلاع حرب إقليمية.
- التأكيدعلىالالتزام بأمن الكيان الصهيوني في مواجهة أية تهديدات. وبالتالي إعطاء الكيان دوراً متقدماً في المنطقة التي تعمل إدارة الرئيس “ترامب” على إعادة رسم هندستها وفق مصالحها وربيبتها كيان الاحتلال الغاصب. والتطبيع وفرض “الاتفاقات الإبراهيمية” والعمل على توسعتها جزء استراتيجي في هندسة المنطقة.
- فيالوقتالتي أكدت فيه وثيقة “ترامب” العمل على مواجهة أية قوة، سواء كانت دولية أو إقليمية تسعى إلى منافستها. فالوثيقة أكدت على بقاء أمريكا الأقوى عديداً وتطوراً وتسليحاً، من خلال بناء جيش لا يستطيع أي جيش مواجهته، أو اتخاذ خطوات عدوانية اتجاه أمريكا معرضاً إياها للخطر.
- تشكيلالتحالفاتالدولية، بهدف إشعال الحروب، وخلق الأزمات الاقتصادية، ضد خصومها الدوليين والإقليميين.
- الاستراتيجيةالتياعتبرت الصين محوراً أساسياً في وثيقتها وذكرتها (23) مرة، وترى فيها نداً ومنافساً اقتصادياً قوياً، وتعمل على تطويقها بهدف إضعافها والحد من تمددها. لا تجد الوثيقة حرجاً في إقامة علاقات قائمة على المنفعة المتبادلة مع الصين.
- تعاملتالوثيقةمع حلفائها التقليدين في أوربا بكثيرٍ من الشدة والتشنج، حد التدخل في شؤونها، والإملاء عليها بما يجب القيام به، وإلاّ حضارة القارة تواجه تهديداً بالزوال. وهذا ما اعتبر خروجاً غير متوقع عن الشراكة بين أمريكا وأوروبا والتي تجمعهما مصالح كبرى وتحالف عسكري داخل حلف الأطلسي “الناتو” التي دعت الوثيقة إلى عدم توسعته، ولربما في قادم الأيام إعادة النظر من جدوى استمراره. وتشكل الحرب في أوكرانيا سبباً من جملة الأسباب في تراجع إدارة “ترامب” فيما ذهبت إليه الوثيقة.
- الوثيقةتغافلتعن عمد التحدث عن نشر الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. وهي التي أي الولايات المتحدة لطالما ملأت الدنيا ضجيجاً وصراخاً حولها.
- القضيةالفلسطينيةأبقتها الوثيقة قضية هامشية، ومن دون أي ذكر عما يسمى ب “حل الدولتين” المرفوض، أو ذكر لرفض الإدارة الأمريكية أية محاولات إلى ضم الضفة الغربية للكيان الصهيوني.
أما في التحديات التي ستواجه استراتيجية الرئيس “ترامب”: –
- يمثلالانقسامالداخلي والسياسي، وحالة الاستقطاب الغير مسبوقة داخل الولايات المتحدة، وبين الحزبين اللذان يتداولان رئاسة البيت الأبيض “الديمقراطي والجمهوري”، تحدياً جدياً يلامس حدود الانفجار الداخلي في أوساط المجتمع الأمريكي.
- تدفقموجاتالهجرة غير الشرعية، وانتشار كارتلات الجريمة العابرة للدول، وتمدد نفوذ قوى مثل الصين وإيران داخل أمريكا اللاتينية (فنزويلا) نموذجاً.
- ازديادالتمددالاقتصادي والعسكري الصيني، في آسيا وافريقيا. بالإضافة إلى ارتفاع منسوب التوترات في بحر الصين الجنوبي. والسعي الصيني إلى استعادة “تايوان” إلى حضنها.
- المخاطرمناستمرار الحرب في أوكرانيا. والخوف من انزلاقها إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والدول الأوروبية.
- صعودالأحزابالقومية اليمينية والشعبوية في الدول الأوروبية. والذي سيؤدي إلى انقسامات سياسية، مع ترافق مزيد من الانتهاكات للديمقراطية في مواجهة ما أسمته الوثيقة بالمعارضة.
- ردودأفعالالدول الأوروبية واتحادها على ما جاء في استراتيجية “ترامب” حول أوروبا وحلف “الناتو”. والذي وصل حد اتهام إدارة “ترامب” أنها تسعى إلى القضاء على أوروبا وتفكيكيها. من شأنه أن يدفع بعض الدول الأوروبية باتجاه الصين (زيارة ماكرون). حيث دعا الرئيس الفرنسي نظيره الصيني إلى مزيدٍ من الاستثمارات لإعادة التوازن في العلاقات التجارية. والتعاون في مجال الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي.
- إيرانوماتمثله من عقبة في طريق تحقيق مشروع إعادة هندسة المنطقة “الشرق الأوسط الجديد”.
- الإرهابعلىمختلف مسمياته. والصراعات الإقليمية بين قوى نافذة بقدراتها الاقتصادية والمالية ومخزونات الطاقة لديها، في (السودان- اليمن- الصومال- ليبيا… الخ).
يجب ألاّ تشكل استراتيجية الرئيس “ترامب” للأمن القومي قدراً محتوماً. خصوصاً أنها تخص الفترة الزمنية لولاية “ترامب”. وهي تعاني من إشكاليات يصعب عليها تجاوزها بالبساطة التي تبديها الوثيقة. وكأنّ العالم معبد لأمريكا بالورود والرياحين والسجاد الأحمر. وبالتالي علينا التذكير أنّ الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تعاني من أزمات اقتصادية ومالية حادة، هذا أولاً. أما ثانياً، هناك دول صاعدة على المستوى الدولي مثل “الصين والهند وروسيا والبرازيل”، مع ظهور تكتلات اقتصادية بأبعاد سياسية وأمنية تحت عنوان محاربة الإرهاب، (رابطة آسيان- الشراكة الاقتصادية الشاملة- منظمة دول البركس- تحالف شنغهاي). وجميعها تتحدث بلغة التعاون والتنمية والمصالح المتبادلة، بعيداً عن الإملاء والسيطرة والتفوق الأحادي، بمعنى رفض الهيمنة والتسلط والسيطرة على مقدرات وثروات شعوب العالم التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية.
خاتمة
يمكن ملاحظة التحول في السياسة الخارجية الأمريكية إنطلاقاً مما حصل من استهداف لفنزويلا واختطاف رئيسها والقول بأن واشنطن تبيح لنفسها فرض كافة الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية بهدف تحقيق أطماعها وضرب الإستقرار على المستوى الدولي والإقليمي إستناداً إلى عوامل القوة واستخدامها لإدارة الأزمات وافتعالها خدمة لأهداف الإدارة الأمريكية وحماية كيان الإحتلال ونفي حقوق الشعب الفلسطيني وتحويل الصراع إلى مسألة أمنية لا سياسية تتعلق بحق الشعب الفلسطيني بالحرية والإستقلال والخلاص من الإحتلال.
قسم الدراسات