كتب عصام الحلبي
امين سر التجمع الوطني لأسر. شهداء فلسطين- لبنان
لم تكن قضية أسر الشهداء والجرحى والأسرى في أي يوم مسألة مالية أو إدارية قابلة للنقاش أو المساومة، بل شكّلت منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة أحد أعمدة المشروع الوطني الفلسطيني، وعنوانًا للوفاء لتضحيات قدّمها شعبنا دفاعًا عن حقه في الحرية والاستقلال. غير أن هذه القضية تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة، بعدما قررت الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي استهدافها بشكل مباشر، في محاولة مكشوفة لكسر الإرادة الفلسطينية والنيل من رمزية النضال الوطني.
فالضغوط الأميركية المتصاعدة على القيادة الفلسطينية، وعلى الدول المانحة، لم تعد خافية على أحد. وهي ضغوط لا تنطلق من اعتبارات إنسانية أو قانونية، بل من موقف سياسي منحاز بالكامل للاحتلال، يسعى إلى تجريم النضال الفلسطيني، ووصم تضحيات الشهداء والجرحى والأسرى بالإرهاب، في انقلاب فاضح على القيم التي تدّعي الولايات المتحدة الدفاع عنها. وقد شكّلت هذه الضغوط مظلة سياسية للاحتلال الإسرائيلي، الذي وجد فيها غطاءً لسياساته العقابية والقرصنة المالية.
وفي هذا السياق، يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية منذ عام 2019، مستهدفًا بشكل خاص المخصصات المالية لأسر الشهداء والجرحى والأسرى، في سلوك يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي والابتزاز السياسي.
واليوم، ومع توسّع هذه السياسة لتشمل احتجاز كامل أموال السلطة الفلسطينية، يتضح أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على الضغط المالي، بل يتعدّاه إلى محاولة فرض إملاءات سياسية تهدف إلى شطب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدّمها حق تقرير المصير، وحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ورغم هذا الحصار السياسي والمالي الخانق، تُسجَّل للقيادة الفلسطينية، وعلى رأسها سيادة الرئيس محمود عباس، مواقف واضحة وثابتة في الدفاع عن حقوق أسر الشهداء والجرحى والأسرى، ورفض أي مساس بها أو إخضاعها لشروط الاحتلال أو الإملاءات الأميركية. فقد تعاملت القيادة الفلسطينية مع هذا الملف بوصفه خطًا أحمر وركيزة وطنية غير قابلة للتفاوض، إدراكًا منها أن المساس بحقوق هذه الشريحة هو مساس بجوهر القضية الفلسطينية وبشرعية النضال الوطني ذاته.
لقد حرص الرئيس محمود عباس، في أكثر من محطة سياسية ودبلوماسية، على التأكيد أن مخصصات أسر الشهداء والجرحى والأسرى ليست مِنّة ولا صدقة، بل حق وطني أصيل كفلته القوانين الفلسطينية والتزامات منظمة التحرير الفلسطينية تجاه أبناء شعبها. كما واصلت القيادة الفلسطينية، رغم شحّ الموارد، البحث عن آليات تضمن استمرارية صرف هذه المستحقات، والحفاظ على كرامة هذه الأسر، في رسالة واضحة بأن الابتزاز المالي لن ينجح في انتزاع تنازلات وطنية.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور النقابي والوطني للتجمّع الوطني لأسر الشهداء والجرحى والأسرى، الذي شكّل ولا يزال صوتًا جامعًا مدافعًا عن حقوق هذه الشريحة، دون أن ينزلق إلى منطق المزايدة أو الاستثمار السياسي. فقد أكد التجمّع، في مواقفه العلنية، أن معركته الأساسية هي معركة حقوق وكرامة، وأن دعمه للقيادة الفلسطينية ينبع من قناعة بأن وحدة الموقف الوطني تشكّل الردّ الأنجع على الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
إن استهداف أسر الشهداء والجرحى والأسرى ليس تفصيلًا هامشيًا في الصراع، بل هو محاولة لضرب الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وإعادة تعريف النضال وفق مقاييس الاحتلال وحلفائه. غير أن صمود هذه الأسر، وثبات القيادة الفلسطينية على مواقفها، والتفاف الأطر النقابية والشعبية حول هذا الحق، يؤكد أن هذه المحاولات محكومة بالفشل، وأن الكرامة الوطنية الفلسطينية أقوى من كل سياسات الحصار والابتزاز.
وفي زمن تتكثف فيه الضغوط وتتعرّى فيه الانحيازات الدولية، تثبت القضية الفلسطينية مرة جديدة أن الحقوق لا تُنتزع بالإملاءات، وأن الشهداء والجرحى والأسرى سيبقون عنوان شرف وكرامة، وأن القيادة الفلسطينية، رغم كل التحديات، ماضية في الدفاع عنهم، حتى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.