سعد الله مزرعاني
ليس التذرّع بـ«المجتمع الدولي»، في مواقف سياسيين وتقارير صحافيين، مجرد اشتباه أو خطأ أو جهل، إنه أمر مقصود في معظم الأحيان. أمّا الهدف فإضفاء طابع «عام» على مجموعة من السياسات والتوجّهات والإملاءات الأميركية، والأميركية الإسرائيلية، عندما يتعلّق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط وبالمنطقة العربية وبلبنان، بشكل خاص.
في تاريخية معاصرة لمجريات الأحداث، أن واشنطن كانت، حتى سنوات قليلة ماضية، تمارس الدور الأكبر، وحتى المهيمن، على عمل المؤسسات الدولية. أتاح ذلك الربط أو الخلط، ما بين سياساتها وقراراتها، وبين الشرعية الدولية خصوصاً في المرحلة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية ابتداء من عام 1991.
هذا الأمر لم يعد قائماً في السنوات الأخيرة. حدث ذلك، خصوصاً، بعد الغزو الأميركي للعراق (وقبله لأفغانستان) واحتلاله في نيسان من عام 2003. عبر ذلك وفي كنفه، صعَّدت الإدارة الأميركية من وتيرة تفرّدها عبر استخدام القوة وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية. نظَّرت لهذا التفرّد «استراتيجية الأمن القومي الأميركي»، الصادرة عن «البيت الأبيض» برئاسة جورج بوش الابن وفريقه من «المحافظين الجدد» عام 2002: وضع قوة أميركا في خدمة سياساتها ومصالحها الخارجية ولو تطلّب الأمر شنّ «حروب وقائية» لهذا الغرض! لم يحصل غزو واحتلال العراق عام 2003 بتفويض أو بتغطية دولية عبر مجلس الأمن. العكس هو ما حصل، إذ لم تتمكّن واشنطن من إقناع حلفائها حتى بمبرّرات وأسباب الغزو (امتلاك العراق أسلحة دمار شامل!).
وهي تعاملت معهم بتعالٍ واستفزاز (أطلقت على أوروبا لقب «القارة العجوز»). تباعاً، تعاظم التفرّد الأميركي مقروناً بالتصعيد وبالتعويل على الإكراه والقوة، كما يحصل، بشكل مفرط، مع الرئيس الأميركي الحالي. بسبب ذلك، انتقلت واشنطن من موقع المهيمن إلى بداية عزلة تتزايد باستمرار. حصل ذلك، خصوصاً، في ولاية الرئيس ترامب الأولى حيث تنكرت لكل قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن حقوق الشعب الفلسطيني. ثم موقف كل من إدارتي بايدن وترامب من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزّة منذ «طوفان الأقصى» حتى اليوم. إدارتا بايدن وترامب حمتا الإجرام الإسرائيلي عبر الفيتو الذي تكرّر، في مجلس الأمن، سبع مرات، خلال سنتين تقريباً، لمنع صدور مجرد قرار عنه بوقف إطلاق النار في غزة!
بالموازاة، انتقل، تباعاً، نهج التعطيل، إلى نهج الاستبدال. وهو نهج مهّدت له سلسلة مترابطة ومثابرة من الإجراءات السياسية والمالية والعقابية (كما بالنسبة إلى «الأونروا» وبعض قضاة «محكمة العدل الدولية» و«المحكمة الجنائية الدولية»). جسَّد وكرّس ترامب كل ذلك في «استراتيجية الأمن القومي» التي أعلنها الشهر الماضي. وهي وضعت الأسس الواضحة لنهج استعلائي، توسعي، تعسفي يستند إلى القوة وينضح بالتحدّي والجموح والتنمّر: باستهداف الهيمنة على قارات (أميركا الشمالية والجنوبية)؛ ضم بلدان ومناطق (كندا وغيرنلاند وبنما)؛ الاستيلاء على ثروات وممارسة الابتزاز والبلطجة والقرصنة والتهديد بالقوة وتنفيذه (فنزويلا، كوبا، كولومبيا، وإيران والعراق)؛ التمنين بالحماية ورفع كلفتها إلى حدود البلطجة (أوروبا والخليج)؛ بناء صيغ دولية بديلة (مجلس غزة) برئاسة ترامب شخصياً؛ هوس قيادة العالم والسعي إلى معالجة أزمة المديونية ذات الأرقام الفلكية والمنذرة بانهيار اقتصادي شامل؛ تدمير تام ومنهجي لمرتكزات وقواعد «القانون الدولي» ومؤسساته التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية! يضاف إلى ذلك وسواه عنصرية عدوانية تستهدف شعوباً وبلداناً بكاملها ولا تستثني الداخل الأميركي نفسه!
للشرق الأوسط، كالعادة، النصيب الأوفر. لبنان في قلب العاصفة الترامبية عبر «وساطة» تحوّلت، بالخداع والتآمر، وصاية هي أشبه باستعمار ينتمي إلى عصور غابرة! الغاية هي، تكراراً، تمكين العدو الإسرائيلي من تحقيق كامل أهدافه في فلسطين: في نطاق مشروع شرق أوسط خاضع للسيطرة الأميركية، و«إسرائيل كبرى» صهيونية عنصرية في كل فلسطين وعلى حساب سيادة ووجود عدة بلدان عربية. استهداف إيران يقع ضمن هذا المشروع، فضلاً عن أنه حلقة في سلسلة خطوات الإدارة الحالية الرامية إلى شرعنة وتكريس كل سياساتها وإجراءاتها العدوانية في كل مكان، بوصفها «حقوقاً مكتسبة» للقوة الأضخم في العالم ولرئيسها الخارق/الأخرق والمهدّد، أيضاً، للسلام العالمي!
ثمة قوى في لبنان أتت بها الموجة الأميركية الحالية أو الموجات السابقة، تتبنى سياسات، وتدير مؤسسات، وتعتمد رهانات على هذا المنحى الجامح في السياسة الأميركية والإسرائيلية، حيال المنطقة ولبنان. وهي تنسب، كما أسلفنا، عن خبث غالباً، كل موقف أو إملاء إلى «المجتمع الدولي». بذلك، يصبح ما تحاول واشنطن فرضه من سياسات وعقوبات وعلاقات وإجراءات… تعبيراً عن إرادة ذلك المجتمع. يردّد إعلامٌ، معظمه مأجور، هذه السمفونية بغرض الترويج إلى الموقف الأميركي بوصفه قدراً دولياً لا يرد!
يساند واشنطن في هذا النهج بعض العرب ممّن ساروا ويواصلون السير في ركاب السياسات الأميركية في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً. إلى ذلك، فإنّ السلطة التي تدين بوجودها لواشنطن ولأتباعها، تواصل العمل، هي الأخرى، على نفس الإيقاع الأميركي، رغم ما رتَّبت سياساتها من أضرار على لبنان وشعبه وما أدّت إليه رهاناتها، على واشنطن وأتباعها، من خيبات وخسائر متواصلة في الحقول كافة. وإنه لمن المؤسف أنّ عدم قيام التيار الوطني بدوره ومسؤولياته كما ينبغي، في هذه المرحلة المصيرية، إنما يزيد في قتامة المشهد وفي حجم الخسائر!
برعاية واشنطن، وعبر قاعدة عملياتها السياسية والعسكرية والاستخباراتية في «عوكر»، تتصاعد وتتوسّع الاعتداءات الإسرائيلية، ومعها تضخم فاتورة الموت والدمار والاستباحة (في الداخل وعلى الحدود). وفيما يتواصل الحصار ومنع المساعدات وربط أي مساعدة باستهداف المقاومة والوحدة الوطنية، تتكرّر الملهاة/المأساة في فصل جديد. أمّا السبب فعدم المحاسبة، ومواصلة نهج نهب الوطن والمواطن وتحميلهما تبعات كل ارتكابات منظومة المحاصصة والتبعيّة والطائفية الحاكمة: ببركة الخارج المتواطىء، والداخل المتهاون!
* كاتب وسياسي لبناني