آخر الأخبار

سياسة فجة ودبلوماسية خرقاء ووقحة…!

603836563_10173401589990360_4481521817271096579_n-rgvxozvrlhmgrkahx4fp438ertnly8on0jyjbud7cg-rhbj2edxbgrtwn0878ygktfcde2xc3m2jt7xqzom0g-rhsy7axwt4upk2sjxqmx9441mxe653cw942dduokmo-riv9wkyj4ucma
بقلم د. عبدالرحيم جاموس
أثارت التصريحات المنسوبة إلى السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال، والتي تحدث فيها عن “حق إسرائيل في الأرض الموعودة من الفرات إلى النيل”، عاصفة سياسية وإعلامية في المنطقة، ليس فقط بسبب فجاجتها اللفظية، بل لما تحمله من مضامين استراتيجية تمسّ سيادة دول عربية قائمة، وتضرب عرض الحائط بأسس القانون الدولي.
وعندما يصدر مثل هذا الكلام عن ممثل رسمي لدولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي الشخصي، ليصبح مؤشرًا على خلل عميق في الخطاب السياسي والدبلوماسي.
أولًا: السقوط القانوني …
منذ تأسيس الأمم المتحدة، استقرّ النظام الدولي على مبادئ واضحة: سيادة الدول، احترام الحدود المعترف بها دوليًا، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
كما أكدت عشرات القرارات الدولية عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن الحديث عن مشروع جغرافي يمتد عبر أراضي دول عربية مستقلة يمثل إنكارًا صريحًا لهذه المبادئ، ويفتح الباب أمام منطق الفوضى الدولية.
فلو جاز لأي طرف أن يستند إلى تأويلات دينية أو سرديات تاريخية لتبرير التوسع، لانتهى النظام الدولي إلى صراعات مفتوحة بلا سقف قانوني.
ثانيًا: فلسطين ليست الضحية الوحيدة …
القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع، لكن في ظل مثل هذا الخطاب، لا يمكن اعتبار فلسطين الضحية الوحيدة أو الأخيرة.
فعندما تُطرح خرائط تتجاوز حدود فلسطين التاريخية لتطال دولًا عربية أخرى، فإن الرسالة الضمنية هي أن المشروع، في بعض تجلياته الأيديولوجية، لا يعترف بحدود نهائية.
هذا المنطق لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع دول المنطقة كافة أمام هاجس دائم من الابتزاز السياسي أو الضغوط الأمنية.
ومن هنا، فإن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا عاطفيًا أو تضامنيًا فحسب، بل هو دفاع عن منظومة الأمن الإقليمي برمتها.
ثالثًا: اتفاقيات أبراهام بين السلام وإعادة التموضع
في هذا السياق، تبرز قراءة نقدية لما يُسمى بـاتفاقيات أبراهام، التي رُوّج لها باعتبارها مدخلًا لعصر جديد من السلام والازدهار.
غير أن تجاوز جوهر القضية الفلسطينية، والقفز فوق استحقاقات إنهاء الاحتلال، يطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الاتفاقيات قد تحولت إلى أداة لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا، بما يخدم موازين قوى مختلة.
السلام الحقيقي لا يقوم على تهميش أصل النزاع، ولا على إقصاء الحقوق الوطنية المشروعة، بل على معالجة جذوره.
وأي مقاربة تتجاهل ذلك قد تتحول إلى غطاء مرحلي لتمكين استراتيجيات أوسع، لا إلى حل دائم للصراع.
رابعًا: التداعيات الاقتصادية …
الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع سياسي، بل قلب حيوي للاقتصاد العالمي، سواء من حيث الطاقة أو الممرات البحرية أو الاستثمارات العابرة للقارات. وأي خطاب يهدد استقرار دول مثل المملكة العربية السعودية أو غيرها من الدول العربية، ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، وثقة المستثمرين.
الاستقرار شرط أساسي للنمو الاقتصادي ، وإذا شعر المستثمرون بأن المنطقة مقبلة على مرحلة صدامات مفتوحة أو سباق تسلح جديد، فإن ذلك سيؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، وتعطيل مشاريع التنمية، وتفاقم الأزمات الاجتماعية.
خامسًا: الانعكاسات الأمنية …
من الناحية الأمنية، يشكل مثل هذا الخطاب وقودًا إضافيًا للتطرف، ويعزز سرديات المواجهة والصراع الحضاري.
كما أنه يضعف القوى المعتدلة التي تدعو إلى الحوار والحلول السياسية، ويمنح الجماعات المتشددة ذريعة لتبرير العنف.
الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على التفوق الأحادي أو فرض الوقائع بالقوة، بل على توازنات قائمة على الاحترام المتبادل، وضمان الحقوق، وبناء منظومة تعاون مشترك.
سادسًا: اختبار للعلاقات العربية–الأمريكية …
العلاقات بين الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية شبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية. غير أن هذه المصالح لا يمكن أن تستمر بمعزل عن الثقة السياسية.
ومثل هذه التصريحات، إن لم يُبادر إلى توضيحها رسميًا، تضع هذه العلاقات أمام اختبار صعب، وتغذي الشكوك الشعبية والرسمية في جدية واشنطن تجاه السلام والاستقرار.
خلاصة القول:
إن السياسة الفجة والدبلوماسية الخرقاء والوقحة لا تصنع سلامًا، ولا تؤسس لاستقرار، بل تفتح أبواب الأزمات على مصاريعها.
وفلسطين، في ظل مثل هذه المقاربات، لن تكون الضحية الوحيدة إن تُركت الأمور دون مساءلة؛ إذ قد تتبعها ضحايا أخرى من دول وشعوب المنطقة.
الطريق الوحيد لتجنب ذلك هو العودة الصريحة إلى مرجعيات القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، والعمل الجاد من أجل حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ، ويؤسس لأمن جماعي قائم على العدالة لا على الأوهام التوسعية وغيرها .

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة