وكالة القدس للأنباء
في خضم الحرب الصهيونية وتداعياتها المتسارعة في لبنان، تعيش المخيمات الفلسطينية واقعاً إنسانياً صعباً، حيث تتداخل مشاهد النزوح مع الضغوط الاقتصادية والانهيار النفسي، وبين هذه الظروف، تبرز النساء كعنوان للصمود اليومي، يواجهن الخوف والحرمان بإرادة لافتة، ويتحملن مسؤوليات مضاعفة في إدارة شؤون الأسرة وحماية أطفالهن من آثار الحرب “الإسرائيلية” المتواصلة، والتي كان لبعض المخيمات الفلسطينية نصيب منها.
فمن داخل المنازل الضيقة أو أماكن النزوح المؤقتة، تخوض النساء معركة من نوع آخر، لا تقل صعوبة عن الحرب نفسها، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وسط واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
نزوح متكرر وخوف مستمر
وفي هذا السياق، تحدثت أم محمد، لـ”وكالة القدس للأنباء”، عن تفاصيل نزوحها من مخيم الرشيدية، جنوب مدينة صور، إلى مدينة صيدا، قائلة: “بعد أن تم إنذارنا بالإخلاء اضطررت إلى ترك منزلي خوفاً على أطفالي، خاصة مع شدة القصف في الجنوب، وهذه المرة الثانية التي نعيش فيها مرارة النزوح، وكنت قد قلت سابقاً مهما حصل لن أترك منزلي، لكن أولادي كسروا ظهري، وابني الصغير أصابته الصفيرة خلال الحرب الماضية، وعانيت كثيراً في علاجه، وحتى قبل تجدد الحرب، كان لا يزال يعيش حالة خوف مستمرة، فآثار الحرب لم تفارقه أبداً”.
الأعباء الاقتصادية وأزمة المعيشة
وأضافت: “نعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، ونحن الآن نمكث عند أقارب زوجي، والبيت صغير وأنا معي ٣ أولاد، وزوجي ترك عمله، لكي يبقى بجانبنا، لذلك أصبحت أفكر بشكل جدي في إقامة مشروع صغير لعله يعيننا في هذه الأيام الصعبة”.
الحماية النفسية للأطفال وسط الحرب
من جانبها، قالت رقية إسماعيل، لوكالتنا، إن أصعب ما واجهته كان خوف طفلها، موضحة: “أصعب لحظة كانت عندما سألني ابني: هل سنموت؟ أخفي خوفي وأجيبه أننا بخير، لكن في داخلي كنت خائفة مثله تماماً، نزحنا من المخيم ولم نتمكن من أخذ أي شيء معنا، وكان كل تفكيري كيف أحمي أطفالي، النزوح ليس مجرد تعب جسدي، بل خوف مستمر لا يفارق القلب”.
وأضافت، “الحرب زادت من حجم مسؤولياتي، فأصبحت مسؤولة عن طفلين صغيرين، أحاول أن أبدو قوية أمامهما، وأشرح لهما ما عاناه أطفال غزة في محاولة لطمأنتهما، ورغم كل شيء، ما زلنا نتمسك بالأمل بأن هذه المرحلة ستمر، ونحن منتصرون لا محالة بسواعد رجال المقاومة، وكله بيتعوض”.
تداعيات الحرب على الصحة النفسية للنساء
أما السيدة سهى محمد، وهي أخصائية نفسية، توضح لوكالتنا آثار وتداعيات الحرب على النساء، قائلة: إن تداعيات الحرب لا تقتصر على الخسائر المادية، بل تمتد لتفرض أعباء نفسية واجتماعية مضاعفة على النساء في المخيمات، ففي أوقات الحروب، تتحول المرأة إلى محور أساسي لإدارة الأزمات داخل الأسرة، فهي لا تكتفي بدور الرعاية، بل تصبح مسؤولة عن تأمين الاحتياجات اليومية، واحتواء الصدمات النفسية لأطفالها، والحفاظ على تماسك الأسرة في ظل الخوف وعدم الاستقرار”.
الأمل والإرادة وسط الألم
وأوضحت أن “الضغوط المستمرة، مثل القلق من القصف أو النزوح، إلى جانب الأعباء الاقتصادية، تؤدي إلى استنزاف نفسي كبير لدى النساء، وغالباً ما تضطر المرأة إلى إخفاء مشاعرها الحقيقية والتظاهر بالقوة، ما يزيد من احتمالية تعرضها للقلق، لكن عندما نتحدث عن المرأة الفلسطينية، فالوضع يختلف.. حيث أثبتت المرأة الفلسطينية على مر الزمان قدرتها على التحمل بشكل كبير، وهذا ما وثقته المرأة الغزاوية، التي صنعت الطعام من اللاشيء فوق أنقاض منزلها، وودعت ابنها الشهيد بالزغاريد، وخبزت كعك العيد في ظل تحليق الطائرات فوقها، وكذلك النساء في المخيمات، يثبتن أنهن عنوان الصمود الحقيقي، فوسط الخوف، والنزوح، وضيق الحال، تواصل المرأة أداء دورها في حماية أسرتها والحفاظ على تماسكها، متحملة أعباء تفوق طاقتها أحياناً”.