بوابة اللاجئين الفلسطينيين / ملاك الأموي
تواجه المخيمات الفلسطينية في مدينة صيدا جنوبي لبنان، ولا سيما مخيمَي عين الحلوة والمية ومية، ضغوطًا متصاعدة مع استمرار تدفق العائلات النازحة من الجنوب اللبناني والمخيمات الفلسطينية ومناطق لبنانية مختلفة، في وقت تعاني فيه هذه المخيمات أصلًا من أزمات اقتصادية وخدمية مزمنة.
وفيما يواصل الأهالي والمؤسسات المحلية جهودهم لاحتواء الأزمة من خلال مبادرات التضامن والتكافل الاجتماعي، تتزايد الحاجة إلى تدخلات إنسانية عاجلة لمساندة آلاف النازحين وتخفيف الأعباء المتراكمة على المجتمعات المستضيفة.
وتكشف شهادات نازحين ومسؤولين محليين تحدثوا إلى “بوابة اللاجئين الفلسطينيين” عن واقع إنساني معقد، تتداخل فيه معاناة النزوح مع أزمات المياه والصرف الصحي وغياب فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، في مقابل مشاهد لافتة من التعاضد الاجتماعي بين أبناء المخيمات.
1900 عائلة نازحة في عين الحلوة والمية ومية
قال مسؤول اللجان الشعبية في منطقة صيدا، الدكتور عبد أبو صلاح، لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، إن عدد العائلات النازحة في مخيم عين الحلوة بلغ نحو 1500 عائلة، فيما يستضيف مخيم المية ومية قرابة 400 عائلة أخرى، ما يرفع إجمالي العائلات النازحة في مخيمات صيدا إلى نحو 1900 عائلة.
وأوضح أن مدرسة الكفاح تمثل مركز الإيواء الرسمي الوحيد، بينما تقيم الغالبية العظمى من العائلات لدى أقاربها ومعارفها داخل المخيمين، فيما اضطرت بعض الأسر إلى استئجار مساكن رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأشار أبو صلاح إلى أن المخيمين يشهدان حالة لافتة من التكاتف الاجتماعي، إذ فتح الأهالي منازلهم أمام النازحين، وتقاسموا معهم الإمكانات المتاحة، في صورة تعكس روح التضامن والمسؤولية بين أبناء المجتمع الفلسطيني في مواجهة تداعيات النزوح.
وأضاف أن اللجان الشعبية والمؤسسات والجمعيات العاملة في المخيمين تواصل تنسيق جهود الإغاثة وتأمين الاحتياجات الأساسية للعائلات الوافدة، إلا أن حجم الأزمة يفوق الإمكانات المتوافرة، ما يستدعي تعزيز الدعم من الجهات الإنسانية والمانحة.
أزمة المياه تتفاقم مع تزايد أعداد الوافدين
ولفت أبو صلاح إلى أن مخيم عين الحلوة كان يعاني أساسًا من أزمة مياه قبل موجة النزوح الحالية، نتيجة تقليص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” كميات المازوت المخصصة لتشغيل آبار المياه، ما أدى إلى انخفاض ساعات الضخ وزيادة معاناة السكان.
ومع ارتفاع أعداد النازحين، تضاعف الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية، ولا سيما شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
كما برزت الحاجة إلى تقديم مساعدات مالية مباشرة للعائلات النازحة التي فقد كثير منها مصادر دخله وتوقفت أعماله، إلى جانب توفير السلال الغذائية ومواد التنظيف والمستلزمات الصحية.
وأكد أبو صلاح أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها النازحون وسكان المخيمات على حد سواء تجعل الاستجابة لهذه الاحتياجات أولوية إنسانية عاجلة.
البركسات: 300 عائلة نازحة وتضامن يتجاوز حدود المعرفة
من جهته، أكد أمين سر لجنة قاطع البركسات، محمد رضوان خالد، لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، أن منطقة البركسات في مخيم عين الحلوة تستضيف حاليًا نحو 300 عائلة نازحة، بعدما كان عددها سابقًا 227 عائلة.
وأوضح أن الوافدين قدموا من مناطق مختلفة في الجنوب اللبناني، إضافة إلى بيروت وبعلبك وعدد من المخيمات الفلسطينية.
وأشار إلى أن بعض العائلات تمكنت من استئجار مساكن، بينما لجأت أخرى إلى أقاربها، أو إلى منازل فتح أصحابها أبوابها لاستقبال نازحين لا تربطهم بهم معرفة مسبقة.
وأضاف أن بعض المنازل باتت تؤوي عائلتين أو ثلاث عائلات، فيما استضاف أحد الشبان ست عائلات دفعة واحدة، قبل أن يتم تأمين منزلين لعائلتين منها، لتبقى أربع عائلات مقيمة لديه.
ولفت إلى أن مؤسسات وجمعيات عدة تشارك في جهود الإغاثة من خلال توزيع المواد الغذائية والفرش والأغطية ومواد التنظيف، مؤكدًا رفض اللجنة أي محاولات لاستغلال النازحين عبر رفع بدلات الإيجار، ومشددًا على مواصلة تقديم الدعم بالإمكانات المتاحة.
ضغط متزايد على الخدمات وفرص العمل
ورغم مشاهد التضامن الواسعة، أكد خالد أن المخيم يشهد ضغطًا كبيرًا على بنيته التحتية، خصوصًا شبكة المياه، في ظل تراجع كميات المازوت المخصصة لتشغيل الآبار، إلى جانب أزمة البطالة التي تطال النازحين وأبناء المخيم على السواء، ما يزيد من صعوبة الظروف المعيشية.
ويصف النازح من منطقة القاسمية إلى مخيم عين الحلوة، قاسم خليل “أبو محمد”، تجربة النزوح بأنها قاسية، مشيرًا إلى أن اللجان الشعبية أحسنت استقبال العائلات الوافدة، إلا أن الضغط على الخدمات أصبح واضحًا، لا سيما في قطاعَي المياه والصرف الصحي.
وأوضح أن المياه تصل مرة واحدة تقريبًا كل عشر ساعات، في وقت يقيم فيه نحو 20 شخصًا داخل المنزل الذي لجأ إليه، ما يضاعف حجم المعاناة اليومية.
مساعدات أقل من حجم الاحتياجات
وأشار أبو محمد إلى وجود نقص في الأدوية وحفاضات الأطفال، مؤكدًا أن الخدمات الصحية التي تقدمها “أونروا” لا تكفي لتغطية احتياجات المرضى، لا سيما أن تكلفة بعض الأدوية التي يحتاجها شهريًا تتجاوز 200 دولار.
ودعا إلى تقديم مساعدات نقدية مباشرة للعائلات النازحة، بعدما فقدت أسر كثيرة مصادر رزقها منذ أشهر، فيما لا تزال مضطرة إلى دفع بدلات إيجار مساكنها الأصلية.
أما لينا محمد، النازحة من مخيم الرشيدية إلى مخيم عين الحلوة، فتروي تفاصيل نزوحها الثاني خلال فترة قصيرة، موضحة أنها اضطرت إلى مغادرة منزلها بصورة عاجلة عقب صدور الإنذار الثاني بإخلاء المخيم، بعدما كانت قد نزحت للمرة الأولى إثر التهديد السابق.
وقالت لـ”بوابة اللاجئين الفلسطينيين” إن سكان المخيم حاولوا التعايش مع أصوات القصف في محيط الرشيدية، بوصفه مكانًا آمنًا نسبيًا، ويستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين، إلا أن تكرار الإنذارات دفعها في النهاية إلى المغادرة.
وأضافت أنها لجأت إلى منزل شقيقتها في منطقة سوق الخضار داخل مخيم عين الحلوة، فيما نزحت شقيقتها الأخرى أيضًا من مدينة صور، بينما فضّل زوجها البقاء في مخيم الرشيدية، رغم فقدانه عمله في مهنة النجارة.
وأشارت إلى أن الطريق نحو عين الحلوة كان شبه خالٍ من الحركة، ما سهّل عملية النزوح، لافتة إلى أن عددًا كبيرًا من سكان الرشيدية ما يزالون يرفضون مغادرة المخيم، رغم امتلاك بعضهم أماكن بديلة، تمسكًا بالبقاء في منازلهم.
وأوضحت أن شقيقتها استقبلتها مع شقيقتها الأخرى، رغم ضيق المنزل والظروف الاقتصادية الصعبة، مؤكدة أن المساعدات التي تصل إلى العائلات ما تزال أقل من الاحتياجات الفعلية، وأنهم اضطروا خلال الأيام الأولى إلى شراء مياه الشرب على نفقتهم الخاصة.
التكافل الاجتماعي يخفف المعاناة
وأشادت لينا بحسن استقبال أهالي عين الحلوة للعائلات النازحة، مشيرة إلى أن الجيران سارعوا إلى تقديم الفرش والأغطية والطعام، في مشهد يجسد قيم التكافل والتضامن الاجتماعي داخل المخيم.
كما أثنت على جهود اللجان الشعبية والمؤسسات المحلية التي تواصل دعم العائلات النازحة رغم محدودية الإمكانات، مؤكدة أن هذه الجهات تحتاج إلى دعم أكبر لمواكبة الارتفاع المستمر في أعداد الوافدين.
وختمت حديثها بالتعبير عن أملها في انتهاء الظروف الحالية وعودة العائلات إلى منازلها، مؤكدة أن النزوح، مهما طال أمده، يبقى تجربة مؤلمة لا تعوضها أي بدائل.
وفي ظل استمرار موجة النزوح، تواصل مخيمات صيدا الفلسطينية أداء دورها بوصفها ملاذًا للعائلات الهاربة من التهديدات والتصعيد، غير أن تزايد أعداد الوافدين يضع البنية التحتية والخدمات الأساسية أمام اختبار صعب.
وبينما يخفف التضامن الأهلي من حدة الأزمة، تبقى الحاجة ملحة إلى استجابة إنسانية أوسع تضمن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للنازحين، وتدعم المجتمعات المستضيفة إلى حين عودة العائلات إلى مناطقها واستعادة استقرارها.