محمد رعد
1 – الهوية الوطنية اللبنانية
من المؤسف بشدّة أن تدفع الحروب العدوانية الإسرائيلية اللبنانيين، أو بعضهم، إلى البحث مجدّداً في معنى انتمائهم الوطني ومعايير صحته. ومن المؤسف أيضاً أن تحوّلات ميزان القوى في البلاد والمنطقة تفرض، تباعاً، تغييرات في معايير هذا الانتماء بدل أن تعزّزها وتعمّق التمسّك بها.
ويشير ذلك إلى أثر التنوّع في التركيبة اللبنانية، وإلى ضعف البرامج الحكومية وهشاشة أثرها في توسيع دائرة التشارك والتآلف بين اللبنانيين، وفي توفير قواعد ثابتة للتلاقي الوطني حول رؤية موحّدة ومتكاملة لمواجهة التحدّيات التي تطاول الجميع.
نزوع اللبنانيين عموماً إلى مواجهة التحدّيات الوطنية الكبرى من خلال الاستناد إلى مصلحة الطائفة أو المذهب أو الفريق الخاص، بمعزل عن المصلحة الوطنية العامة، من شأنه تكريس عائق إضافي يعقّد الوصول إلى تفاهم تشاركي جامع، يلحظ المخاطر والتحدّيات التي تهدّد الجميع، وتتطلّب موقفاً وطنياً متماسكاً لمواجهتها وإحباط أهدافها.
ولعلّ أحد أسباب ذلك عدم الجدّية في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، والتساهل في الالتزام الدقيق به، بما يؤدّي إلى مفاجآت غير محسوبة، تعيق تدارك التداعيات وتطويق الأضرار بالسرعة المطلوبة والآليات المُقرّرة، بدلاً من الارتباك في تحمّل مسؤولية المعالجة، واللجوء إلى التفرّد، أو إلى تشاور مع غير الممثّلين الحقيقيين للبنانيين.
وقد يكون هناك سبب آخر يكابر البعض في الإقرار به، لدواعٍ بعضها مفهوم وإن غير مُبرّر، وبعضها مُضمر وغير مسؤول، إلا أن جوهره يتمثّل في إبقاء الاختلاف حول معنى أو تطبيق ما تم الاتفاق عليه ضمن نصوص التفاهم العام. وهذا ما يتبدّى لاحقاً، ويؤكد أن التفاهم لم يكن دقيقاً أو كاملاً، أو أن المطلوب حين تمّ التفاهم أن يبقى الأمر مُبهماً إلى زمن آخر.
وأبرز مثال على ذلك، الخلاف القائم اليوم حول فهم نصّين واردين في وثيقة الوفاق الوطني: الأول، متعلّق بتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي وما يتضمّنه من لفظ ومعنى وسياق قانوني وتطبيقي، والثاني، متصل بتشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية.
ومن المفارقات المؤسفة أن تتراجع العدائية تجاه الكيان الصهيوني العنصري، رغم وضوح تهديده الوجودي – وليس السياسي فقط – للبنان بتنوّعه الطائفي، ورغم احتلاله أجزاءً من الأرض اللبنانية، لا نتيجة مستجدّ في كيان العدو يشجّع على توقّع سلم أو أمن مُستدام للبنان، بل في سياق الاستقواء به ضد مكوّن لبناني آخر، منافس في العمل السياسي أو في النفوذ الشعبي أو في دوره وتأثيره في الحكومة والسلطة. وبدافع فئوي نفعي، يتوسّل هؤلاء بالنجاسة نكاية بالطهارة، ويتبرّعون بالخدمات للعدو المُهدِّد للبنان واللبنانيين لتنفيس حقدهم، وينتصرون لمصلحته الفئوية على حساب المصلحة الوطنية.
والأنكى أن يذهب هذا النهج إلى حدّ التماهي مع سياسات الداعمين الدوليين للاحتلال والإرهاب الإسرائيلي، والتلطّي بنفوذ هؤلاء الداعمين لترويج فكرة أن مصلحة لبنان قد تكمن في الاستسلام أو القبول بشروط العدو، حتى لا يغضب منّا داعمه الأميركي. وإن بلداً تُقدّر مصلحته الوطنية تبعاً لرضى أو غضب هذا النافذ أو ذاك، بعيداً عن حقه وحق أبنائه في تحرير أرضهم وسيادتهم, من المُستبعد جداً أن تستقر لدى مواطنيه الهوية الوطنية التي تستحق التضحية والصمود.
اعتورت اتفاق الطائف مجموعة نواقص وتضمّنت نصوصه مجموعة مواربات