آخر الأخبار

لم تنتهِ الحرب

ce6218d9-34f5-468c-8d43-be498e605415

أيهم السهلي

بدأت هذه الحرب لتستمر، وإن توقفت، ستقعد جانباً لوقت قصير ثم تعود وتندلع، لتضع قواعد جديدة تعيش عقوداً طويلة قبل أن تتكسّر مجدداً، وتضرب حينها المدافع وتطلق قنابلها، لتتغير المنطقة والعالم مجدداً، حين تكون موازين القوى تغيرت مجدداً.
مذكرة التفاهم الموقعة تشمل بنوداً قوية جداً، تعطي الأفضلية لإيران، وتعيدها لتتشارك كعكة المنطقة بقبول غربي كونها نالت اعترافاً بأنها لاعب شرعي، بعد أن كانت من قبل في العراق وسوريا ودول أخرى بنفوذ محارب وغير مقبول.

خاضت إيران حرباً بعد شن عدوان عليها، فتمكنت من الصمود والتصدي، واستطاعت فرض معادلات جديدة، ليس معروفاً بعد إن أميركا وإسرائيل وضعا مثل هذا السيناريو قبل شنهما الحرب على إيران، على اعتبار أن الغطرسة تحكم الاثنين، والشعور بالتفوق المطلق وبإمكانية إخضاع أي بلد في المنطقة أو العالم ممكن ومتاح في اللحظة التي يقرر فيها ذلك أحد الزعيمين في البيت الأبيض أو البيت الأبيض (ليس خطأ) أو في تل أبيب.

هذه المذكرة التي اعتبرها محللون مؤيدون لإيران وآخرون معادون لها، تشكل حال ربح إن لم تكن نصراً لإيران على حساب الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، فإن هناك آراء تشكك بالنوايا الأميركية في بنود المذكرة، وتخشى أن هناك أمراً ما خلف الكواليس «مطبوخ» أو «يُطبخ» بين الذين شنوا الحرب على إيران في أواخر شباط الماضي.

على كل حال، في مثل هذه الظروف، ورغم أنها أفضل بالنسبة إلى المنطقة مما كانت عليه قبل مئة عام بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، إلا أننا دول وشعوب خاضعون لظروف خارجنا، وتداعيات الحروب في الإقليم، وبالتالي مصائرنا تحددها الدول التي تتجرأ على خوض الحرب، وتلك التي ترد على العدوان دفاعاً وهجوماً. ولعل ما يجعل أوضاعنا أفضل حالاً في هذه الجولة من حروب التاريخ، المقاومة التي تتصدّى وتدافع، وتبادر في السياسة، وتضع شروطاً في المفاوضات وتطالب بتحقيقها، وهذا الذي يحدث في فلسطين.

هذه الحرب المستمرة بشكلها العنيف في جنوب لبنان، وإن توقفت نيرانها اليوم تنفيذاً للاتفاق، فإن نارها لن تخمد إلا لوقت قصير، وستعود، فإسرائيل كما أعلنت لن تنسحب من المنطقة الأمنية التي رسمتها، ونشرتها رسمياً البارحة. وعدم انسحابها يعني أنها ستتعرض للمواجهة القائمة أصلاً، وهذه المواجهة كما يبدو ليست كما كانت قبل التحرير سنة 2000، بل إنها تطورت، ومرة أخرى امتلكت زمام أمرها وقدرتها.

والمواجهة قد تمتد بالطيران إلى أنحاء مختلفة من لبنان، وإن «نأت» التهديدات ببيروت، إلا إن استهدافها أو ضاحيتها، قد تفعّله إسرائيل من أجل إفشال المحادثات أو المفاوضات التي ستجري خلال ستين يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي، قاعدته الرئيسية مذكرة التفاهم آنفة الذكر.
أمور الحرب باتت أعقد بعد إعلان مذكرة التفاهم والتوقيع عليها، فهي مرة أخرى، إن كانت أميركا صادقة، فإننا أمام احتمال تصعيد إسرائيلي كبير في جبهات أخرى، منها الضفة وغزة، مع احتمال التوغل والتغول أكثر في سوريا. وذلك وإن كان من أجل الانتخابات الإسرائيلية القريبة، إنما أيضاً بسبب إحساس المسؤولين في إسرائيل داخل الحكومة ومعارضتها أن نتائج الحرب أكلت بعض هيمنة إسرائيل بالقوة والسياسة، وأخذت من مستقبلها الاستراتيجي، وستخضعها إلى موازين قوى جديدة لن تكون يدها العليا فيها، وبالتالي سنوات الحرب الثلاث الماضية ضاعت بعض نتائجها.

إن ما بدأه ترامب من تفاهمات، إن تمت، سيكمله رئيس أميركي آخر، وهذا مشكلة كبرى لإسرائيل وتوابعها في المنطقة. رغم أن ترامب سن سنّة جديدة وهي الانقلاب على الاتفاقات، وأحد أسباب ما نحن فيه اليوم بسبب انقلابه سنة 2018 على «الاتفاق النووي» الذي قامت به إدارة أوباما سنة 2015. وهذا الانقلاب كان يُظن أنه لا يحدث في بلد مثل أميركا، لكنه حدث ضمن «الملكية» الأميركية التي يملك الرئيس فيها صلاحيات شبه مطلقة، مثله مثل أنظمة المنطقة في إيران وتركيا والدول العربية مجتمعة.

بدأت الحرب بوضوح في غزة، والحقيقة أنها بدأت قبل بذلك بكثير، ليس مع احتلال فلسطين، بل تشكلت نواة الحرب منذ قررت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى والثانية تقاسم المنطقة والنفوذ، ومنذ وضعت إسرائيل في فلسطين. وبدأ جمرها يشتعل مع تفرد الديكتاتوريات العربية في حكم البلاد، واستعلاء إسرائيل على بلادنا واحتلال المزيد منها، فتحرك الشعب المتضرر مباشرة، وانطلقت الثورة الفلسطينية، والانتفاضات، واستمرت نحو المقاومات في الضفة وغزة وفي جنوب لبنان، من كل القوى الوطنية اليسارية والإسلامية وما بينهما، إلى أن وصلنا إلى غزة، فانفجر كل شيء، ولا يزال ينفجر إلى أن يحق الحق، ليس لأن إسرائيل اهتزت، بل لأن المشروع العالمي في المنطقة فقد توازنه وإدراكه، وبالتالي جاءت اللحظة للتغيير، وظنت دول الغطرسة بأن المهمة سهلة، لكنها لم تكن كذلك. ولذلك، المواجهة مستمرة والكل سيحاول إنهاء المعركة بنفوذه والحدود التي سيرسمها ويحط فوقها قدميه.

هذه الحرب من ضمن الحروب التاريخية التي يعيشها العالم لإعادة رسم وفهم العالم من جديد، العواصف فيها قادمة، حتى مع بعض الهدوء الذي يصاحبها، إلا أن قوة الحق قد تنتصر في هذه اللحظة بعد مئة عام على قوة الهيمنة والغطرسة.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة